بربرة في مواجهة سقطرى… حين تتحول الضفتان إلى كماشة استراتيجية
مذكرة تحليل عسكري-جيوسياسي بقلم عبد الرحمن مكاوي -باريس
ليس باب المندب مضيقاً فحسب. إنه مفصل جغرافي تتحول عنده التجارة إلى استراتيجية، والموانئ إلى قواعد، والجزر إلى منصات إنذار، والسياسة إلى امتداد مباشر للقوة العسكرية.ة ومن هنا، فإن أخطر ما تكشفه التطورات الأخيرة في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن ليس وجود قاعدة جديدة هنا أو منشأة عسكرية هناك، وإنما نشوء هندسة استراتيجية متقابلة: بربرة على الضفة الإفريقية، وسلسلة الجزر اليمنية على الضفة الآسيوية. في هذه المعادلة، تبدو بربرة أشبه بالمطرقة، فيما تؤدي سقطرى وعبد الكوري وميون وزقر وظيفة العين والأذن. الأولى تمنح عمقاً جوياً ولوجستياً، والثانية تبني شبكة مراقبة وإنذار وتموضع متقدمة. وبينهما يقع باب المندب، أضيق حلقات الطريق البحري الذي يصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر ثم قناة السويس. وهنا تحديداً تكمن أهمية ما يجري.
بربرة: القاعدة التي خرجت من الظل
في يوليو/تموز 2026، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية، استناداً إلى صور أقمار صناعية ومصادر أمنية، عن أعمال توسعة عسكرية في مطار بربرة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025. الحديث ليس عن مجرد تطوير مطار مدني: فقد رصد التحقيق حفر ما لا يقل عن 18 خندقاً جنوب المدرج بين أكتوبر ومارس، ثم ملء أجزاء منها بحاويات وإعادة تغطيتها. وقال مصدر أمني أوروبي للصحيفة إن هذه المنشآت يمكن أن تتوافق مع مخازن ذخيرة أو وقود محمية تحت الأرض. كما رصدت الصور منصات يمكن أن تكون مخصصة لمنظومات دفاع جوي. الموقع وحده يشرح الكثير. بربرة تقع على خليج عدن، على بعد نحو سبعة كيلومترات من المدينة، ويبلغ طول مدرجها أكثر من أربعة كيلومترات؛ أي إنها تمتلك واحداً من أطول المدارج في القارة الإفريقية. وهي ليست بنية تحتية مستحدثة من الصفر. فمنذ الاتفاق الإماراتي مع أرض الصومال عام 2017، تحولت المنطقة إلى عقدة عسكرية ولوجستية إماراتية، إلى جانب الميناء العميق الذي تطوره شركة DP World. لكن الجديد هو نوعية الدور الذي يمكن أن تؤديه بربرة.
فالموقع يضع قاعدة جوية على مرمى استراتيجي من الساحل اليمني، ويمنح مستخدميها قدرة على العمل فوق خليج عدن وفي اتجاه اليمن، مع إمكان استقبال طائرات ثقيلة وتخزين الوقود والذخائر وحماية المنشآت بواسطة دفاع جوي. وهذه ليست مجرد قراءة نظرية. فـ«لوموند» تحدثت عن زيارات إسرائيلية للموقع، وعن تدريب عناصر من استخبارات أرض الصومال في إسرائيل، وعن زيارات متكررة لمسؤولين من القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا AFRICOM إلى بربرة. كما أشارت إلى رغبة أمريكية في إيجاد بديل أو مكمل لوجودها في جيبوتي، حيث توجد القاعدة الصينية العسكرية إلى جوار الوجود الأمريكي. وهكذا يصبح السؤال الحقيقي ليس: لمن تنتمي قاعدة بربرة؟ بل: لمن ستُفتح أبوابها عندما يبدأ الاشتباك؟ فالقاعدة قد تكون إماراتية في التمويل والبناء، لكنها قابلة لأن تصبح أمريكية في الاستخدام، وإسرائيلية في الوظيفة الاستخبارية أو العملياتية. وهذا هو النموذج الجديد للقواعد في الشرق الأوسط وإفريقيا: لا تحتاج القوة الكبرى دائماً إلى رفع علمها فوق المدرج؛ يكفي أن تمتلك حق الوصول، وحرية الحركة، والبنية التي تمكنها من الحرب.
الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال: دبلوماسية لها مدرج
جاء الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال في 26 ديسمبر/كانون الأول 2025 ليضيف بعداً سياسياً إلى هذا التحول العسكري. وقد وصف تحقيق «لوموند» الاعتراف بأنه مرتبط، في الحساب الاستراتيجي الإسرائيلي، بالرغبة في إنشاء موطئ قدم متقدم في خليج عدن قريباً من الساحة اليمنية. كما أشارت الصحيفة إلى أن التعاون الأمني بين الجانبين سبق الإعلان الدبلوماسي. ليس من الضروري أن تكون هناك وثيقة معلنة تقول إن الاعتراف جاء مقابل قاعدة حتى نرى العلاقة الاستراتيجية بين الأمرين. في الجغرافيا السياسية، أحياناً يكون المكان هو الوثيقة. فإسرائيل التي تواجه تهديدا صاروخيا ومسيراتيا من اليمن لا تنظر إلى خليج عدن باعتباره بحرا بعيدا. إنه الجبهة الجنوبية الممتدة لحربها مع الحوثيين وإيران. ومن ثم فإن وجود شبكة استشعار أو نقطة دعم أو منشأة عسكرية صديقة على الجانب الإفريقي من باب المندب يغير معادلة المسافة والإنذار والاستجابة. والولايات المتحدة تنظر إلى الأمر من زاوية أخرى: منافسة الصين في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وتقليل الاعتماد على جيبوتي، وامتلاك خيارات انتشار إضافية في منطقة أصبحت فيها حرية الملاحة مرتبطة مباشرة بالصراع الإيراني-الإسرائيلي. أما الإمارات، فتتحرك وفق منطق ثالث: بناء شبكة من الموانئ والمطارات والقواعد تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الإفريقي. وهكذا تلتقي ثلاثة احتياجات استراتيجية في نقطة واحدة.
في الجهة الأخرى: سقطرى ليست قاعدة واحدة
إذا كانت بربرة تمثل «المطرقة»، فإن سقطرى تمثل العين. لكن من الخطأ النظر إلى سقطرى كقاعدة منفردة. القيمة العسكرية الحقيقية للأرخبيل تنبع من موقعه وشبكة المنشآت المرتبطة به، ومن الجزر الواقعة في محيطه، وفي مقدمتها عبد الكوري، بينما يقع ميون في قلب باب المندب نفسه. تقارير سابقة، بينها دراسة للمعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية ISPI، تحدثت عن وجود بنية استخبارية إماراتية في سقطرى وإمكان استخدام مستشعرات إسرائيلية الصنع لرصد الصواريخ والطائرات المسيّرة. كما وثقت تقارير صحفية لاحقة توسع شبكة المنشآت الإماراتية في سقطرى ومحيطها. أما عبد الكوري، الواقعة في غرب أرخبيل سقطرى، فقد أصبحت جزءاً من هذا الحساب العسكري منذ سنوات. وتظهر تقارير مفتوحة المصدر أعمالا مرتبطة بمطار ومنشآت عسكرية ومراقبة بحرية في الجزيرة.
ثم يأتي ميون ـ بريم، وهي حالة أكثر وضوحا. ففي عام 2021 أظهرت صور الأقمار الصناعية إنشاء مدرج عسكري جديد على الجزيرة الواقعة في قلب باب المندب تقريبا ووصفت تقارير متخصصة موقع الجزيرة بأنه نقطة مثالية للعمليات الجوية والمراقبة، بسبب قربها الشديد من الساحل اليمني وموقعها داخل واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. ميون، إذا، ليست مجرد قاعدة جوية.ة إنها إبرة موضوعة في عنق المضيق. ومن يملك قدرة الاستشعار والتشغيل من ميون يستطيع مراقبة حركة السفن والاقترابات البحرية والجوية، وربطها بمعلومات تأتي من سقطرى وعبد الكوري وبربرة ومواقع أخرى على جانبي خليج عدن. هنا تتضح الصورة الأكبر.
من القاعدة إلى «الشبكة»
الحرب الحديثة لا تحتاج دائما إلى أسطول ضخم يرابط أمام المضيق. يمكنها أن تُدار بواسطة شبكة.رادار في جزيرة. مستشعر في جزيرة ثانية. مدرج في جزيرة ثالثة. قاعدة جوية على الضفة المقابلة. ميناء لإعادة التزويد. مخازن محصنة تحت الأرض. طائرات مسيّرة في الجو. ومركز قيادة بعيد آلاف الكيلومترات هذه هي الحرب الشبكية التي تتشكل حول باب المندب. وبهذا المعنى، فإن بربرة وسقطرى ليستا قاعدتين متنافستين، بل عقدتين في منظومة واحدة. بربرة تمنح القدرة على الإسناد والانتشار والعمليات الجوية الثقيلة. سقطرى وعبد الكوري تمنحان العمق الاستخباري والبحري. ميون تمنح السيطرة الموضعية على المضيق نفسه. أما جبل زقر والجزر والمنشآت المنتشرة في البحر الأحمر، فتضيف طبقات أخرى من الرصد والتموضع. النتيجة ليست «إغلاقاً» مادياً لباب المندب، بالمعنى الحرفي، وإنما رفع تكلفة المرور واستخدام المضيق في الحرب إلى حد يجعل السيطرة على محيطه أهم من السيطرة على مياهه ذاتها.
الإمارات: من دولة خليجية إلى قوة جغرافية بحرية
هذا التحول لا يمكن فهمه من دون قراءة العقيدة الإماراتية خلال العقد الأخير. أبوظبي لم تبنِ نفوذها الإقليمي بالسيطرة على عواصم كبرى، بل ببناء سلسلة من العقد: موانئ، مطارات، جزر، قوات محلية، اتفاقات أمنية، وشراكات مع قوى دولية. من بربرة إلى بوصاصو، ومن السواحل اليمنية إلى سقطرى، يتكرر النموذج نفسه بدرجات مختلفة. وهنا تصبح الإمارات لاعباً يتجاوز حجمها الجغرافي والديموغرافي بكثير. لكن هذا النفوذ يحمل ثمنه أيضا. ففي يناير/كانون الثاني 2026 أعلنت الحكومة الفيدرالية الصومالية إلغاء اتفاقاتها مع الإمارات، بما في ذلك ترتيبات مرتبطة بموانئ بربرة وبوصاصو وكيسمايو، إضافة إلى اتفاقات التعاون الأمني والدفاعي. وقد رفضت سلطات إقليمية صومالية القرار وأكدت استمرار علاقاتها مع أبوظبي، ما كشف عمق الانقسام داخل الدولة الصومالية نفسها. الأهم أن قرار مقديشو لم ينهِ النفوذ الإماراتي في بربرة. فقد أعلنت DP World أن عملياتها في ميناء بربرة مستمرة رغم الأزمة السياسية. وهنا تكمن إحدى خصائص القوة الإماراتية: الفصل بين الدولة، والشركة، والقوة المحلية، والبنية التحتية. يمكن للحكومة المركزية أن تلغي اتفاقاً، لكن من الصعب أن تلغي ميناءً بُني، أو طريقاً شُيّد، أو شبكة مصالح اقتصادية وأمنية نشأت حوله.
إسرائيل: العمق الجنوبي الذي لم يكن موجودا
بالنسبة لإسرائيل، تكتسب هذه الخريطة قيمة إضافية. فعندما يصبح اليمن منصة لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل أو السفن المرتبطة بها، لا يعود البحر الأحمر خلفية جغرافية؛ بل يصبح جزءاً من ميدان الحرب. لذلك فإن امتلاك نقاط إنذار مبكر جنوب البحر الأحمر وخليج عدن يعني تقليص زمن الإنذار، وتحسين القدرة على تتبع الأهداف، وفتح خيارات عملياتية لا توفرها الجبهة الشمالية أو قواعد شرق المتوسط. لكن إسرائيل لا تحتاج بالضرورة إلى قاعدة إسرائيلية كاملة حتى تستفيد من هذا الترتيب. يكفي أن تكون لديها أجهزة استشعار، ضباط ارتباط، تعاون استخباري، وصول إلى البنية التحتية، وقدرة على استخدام المنشآت عند الحاجة. وهذا أكثر مرونة وأقل كلفة سياسية من رفع العلم الإسرائيلي فوق قاعدة عسكرية في دولة أو إقليم متنازع على وضعه القانوني.
والمفارقة أن سلاح هذه الشبكة هو أيضاً نقطة ضعفها
كلما اتسعت الشبكة، اتسعت أهدافها. قاعدة بربرة التي تمنح عمقا استراتيجيا يمكن أن تتحول إلى هدف استراتيجي. جزيرة سقطرى التي تمنح الإنذار المبكر يمكن أن تتحول إلى جبهة. ميون التي تراقب المضيق يمكن أن تصبح رهينة للصراع على المضيق. وهنا تظهر معادلة شديدة الخطورة: الانتشار العسكري الذي يهدف إلى حماية التجارة قد يصبح هو نفسه سبباً في توسيع دائرة الحرب. فالحوثيون ينظرون إلى أي وجود إسرائيلي أو أمريكي في محيط باب المندب باعتباره جزءاً من الحرب عليهم، بينما تنظر إيران إلى شبكة القواعد الأمريكية والإسرائيلية والإماراتية باعتبارها امتداداً للضغط العسكري عليها. وإذا انتقلت المواجهة الإيرانية-الأمريكية أو الإيرانية-الإسرائيلية إلى حرب إقليمية شاملة، فإن القواعد المتقدمة في جنوب البحر الأحمر لن تكون خلفية للحرب؛ ستكون من أوائل عقدها.
المطرقة والعين
لهذا يمكن تلخيص الخريطة الجديدة في معادلة بسيطة: بربرة هي المطرقة. سقطرى هي العين. ميون هي المفصل. وباب المندب هو عنق الزجاجة. لكن هذه الاستعارة لا تعني أن أياً من هذه القوى يملك «إغلاق» المضيق بمجرد امتلاك قواعد على جانبيه. فحرية الملاحة لا تُحسم بمدرج أو رادار واحد، والقوة البحرية العالمية لا تختزل في منشأة ساحلية. المعنى الحقيقي هو أن البيئة العسكرية حول المضيق أصبحت أكثر كثافة وأكثر قابلية للاشتعال. وإذا كانت القاعدة القديمة للأمن البحري تقول إن من يسيطر على المضائق يسيطر على التجارة، فإن القاعدة الجديدة تقول شيئا أكثر تعقيداً: من يسيطر على شبكة الاستشعار والانتشار المحيطة بالمضيق يستطيع أن يقرر متى تصبح التجارة نفسها جزءا من الحرب. وهنا يتجاوز الأمر الإمارات وإسرائيل والولايات المتحدة والحوثيين. إنه يتعلق بالنظام التجاري العالمي.
من السويس إلى المحيط الهندي
باب المندب هو البوابة الجنوبية لقناة السويس. ومن ثم فإن أي اضطراب طويل الأمد فيه يعيد رسم حركة السفن بين آسيا وأوروبا. ولهذا لا ينبغي النظر إلى بربرة وسقطرى باعتبارهما نقطتين على خريطة اليمن والصومال، بل باعتبارهما جزءا من ممر استراتيجي يبدأ من الخليج والمحيط الهندي، ويمر بخليج عدن وباب المندب، ثم يصعد إلى البحر الأحمر وقناة السويس والمتوسط. من يملك التأثير في هذه السلسلة لا يحتاج إلى السيطرة على كل حلقاتها. يكفي أن يمتلك القدرة على تعطيل الحلقة الأكثر حساسية. وهذا ما يجعل باب المندب واحدا من أخطر «نقاط الاختناق» في النظام العالمي.
الخطر الأكبر ليس القاعدة… بل عسكرة الجغرافيا
المشكلة الاستراتيجية الأعمق ليست أن الإمارات تبني قاعدة، أو أن إسرائيل تبحث عن موقع استخباري، أو أن واشنطن تريد بديلاً لجيبوتي. المشكلة أن الجغرافيا نفسها تتحول إلى بنية عسكرية. الجزر التي كانت تعيش على الصيد والسياحة أصبحت مواقع رادار. المطارات التجارية تتحول إلى منصات عسكرية. الموانئ الاقتصادية تصبح عقداً لوجستية مزدوجة الاستخدام. القوى المحلية تتحول إلى وكلاء نفوذ. والاعترافات الدبلوماسية تصبح مرتبطة بحسابات الوصول العسكري. هذه هي أخطر نتيجة يمكن استخلاصها من خريطة بربرة ـ سقطرى. فحين تصبح الجزيرة قاعدة، والميناء قاعدة إمداد، والمطار منصة عمليات، فإن أي أزمة سياسية محلية يمكن أن تتحول إلى أزمة دولية. وهذا تحديداً ما يجعل ملف سقطرى بالغ الحساسية. فكلما زادت عسكرة الجزيرة وتداخلت السيطرة الخارجية مع السكان المحليين، ارتفعت احتمالات أن يتحول النزاع على السيادة إلى نزاع اجتماعي وأمني طويل الأمد.
الخلاصة: باب المندب لا يُغلق بإغلاق المضيق
قد يكون التعبير الأدق لما يجري هو أن باب المندب لا يجري إغلاقه بالموانع والسفن والألغام. إنه يجري تطويقه بالقواعد. بربرة على الضفة الإفريقية. سقطرى وعبد الكوري في العمق البحري. ميون داخل المضيق. ومنشآت أخرى تتوزع على الساحلين والجزر. إنها ليست جبهة واحدة، بل نظام جبهة. وبالنسبة للإمارات، يمنحها ذلك موقعا نادراً كقوة وسيطة بين الخليج والقرن الإفريقي والبحر الأحمر. وبالنسبة لإسرائيل، يفتح لها عمقاً جنوبيا لم يكن متاحاً بهذه الصورة، ويقربها من مصدر التهديد اليمني بدلاً من انتظار الصاروخ أو المسيّرة فوق سماء النقب أو البحر الأحمر. وبالنسبة للولايات المتحدة، يوفر لها خياراً إضافيا في صراعها مع إيران ومنافسة الصين في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وإن كان ثمن هذا الخيار هو الاقتراب أكثر من خطوط النار. أما بالنسبة لليمن والصومال، فإن المعادلة أشد قسوة: أراضٍ وجزر تقع في قلب لعبة دولية لا تملك حكوماتها المركزية وحدها مفاتيحها. وهنا تكمن المفارقة الأخيرة. كلما اقتربت القوى الكبرى من باب المندب بحجة تأمين الملاحة، أصبح باب المندب نفسه أكثر عسكرية، وأكثر ازدحاما بالسلاح، وأكثر قابلية لأن يصبح هدفا. لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل العالم ليس فقط: من يملك القاعدة؟ بل: من يملك حق استخدامها في الحرب المقبلة؟ فإذا كانت بربرة هي المطرقة، وسقطرى هي العين، وميون هو المفصل، فإن باب المندب قد يتحول في أي حرب إقليمية واسعة من شريان للتجارة العالمية إلى مسرح العمليات الذي يقرر مصير الشريان نفسه. وهذا هو الخطر الحقيقي. ليس إغلاق باب المندب بالقوة. بل أن يصبح فتحُه وإغلاقُه قراراً عسكريا في أيدي المتحاربين.
