حين تصبح الحقيقة صندوق الاقتراع الجديد
بقلم عبد الرحمن مكاوي-باريس
لم تعد الانتخابات الحديثة تبدأ عند أبواب مكاتب التصويت، ولا تنتهي حين تغلق الصناديق وتعلن النتائج. في عصر الذكاء الاصطناعي، تبدأ المعركة قبل ذلك بكثير؛ في الهاتف الذي يستيقظ عليه الناخب، وفي الصورة التي يراها قبل قهوته، وفي المقطع الصوتي الذي يصل إلى مجموعته العائلية، وفي الخبر الذي يقرأه وهو لا يعرف من كتبه، وفي الفيديو الذي يبدو حقيقيا لأنه صُمم تحديدا لكي لا يترك في العين أي أثر للشك. لهذا تكتسب الانتخابات التشريعية المغربية في 23 شتنبر 2026 دلالة تتجاوز حدود الاستحقاق الوطني نفسه. فالمغرب لا يختبر فقط قدرة منظومته الانتخابية على تنظيم اقتراع يهم 395 مقعدا في مجلس النواب، وإنما يختبر شيئا أكثر تعقيدا: هل تستطيع الدولة حماية إرادة الناخب حين تصبح الحقيقة نفسها قابلة للتوليد الصناعي؟
لقد أدرك المشرع المغربي أن الخطر تغيرت طبيعته. ولذلك جاءت تعديلات القانون التنظيمي رقم 53.25 لتدخل شبكات التواصل وأدوات الذكاء الاصطناعي والمنصات الإلكترونية إلى صميم التجريم الانتخابي، مع تشديد العقوبات على نشر الأخبار الزائفة أو الإشاعات الكاذبة أو التركيبات المفبركة بقصد التأثير في الناخبين أو المساس بالحياة الخاصة للمترشحين والناخبين والتشهير بهم. كما جرم القانون نشر الإعلانات السياسية أو المنشورات الانتخابية المؤدى عنها على منصات أو مواقع إلكترونية أجنبية. وهنا تكمن أهمية التحول. فالدولة التي كانت تحرس الصندوق من التزوير، أصبحت مطالبة اليوم بحراسة المعنى الذي يسبق الصندوق. من تزوير الورقة إلى تزوير الإدراك
كان التزوير الانتخابي، في صورته التقليدية، فعلا ماديا يمكن ملاحظته: ورقة تتغير، صندوق يتلاعب به، محضر يزور، صوت يضاف أو يحذف. أما التزوير في العصر الخوارزمي فقد لا يقترب من الصندوق إطلاقا. يكفي أن يقتنع آلاف الناخبين، قبل وصولهم إليه، بأن مرشحا قال ما لم يقله، أو إن مؤسسة انتخابية ارتكبت ما لم ترتكبه، أو أن نتيجة معينة حسمت مسبقا، أو أن الانتخابات نفسها فاقدة للمصداقية. هنا لا يحتاج المتلاعب إلى تغيير صوت واحد داخل الصندوق. يكفيه أن يغير ثقة الناس في معنى أصواتهم. وهذه هي النقلة الجيوسياسية الكبرى التي تفرضها التكنولوجيا الجديدة: لم تعد الانتخابات مجرد منافسة بين أحزاب ومرشحين، بل أصبحت أيضا منافسة بين منظومات لإنتاج الحقيقة وتوزيعها. ومن يملك القدرة على إنتاج الرواية بسرعة أكبر، وتكرارها بكلفة أقل، وتوجيهها إلى الجمهور الأكثر قابلية للتفاعل معها، يستطيع أن يدخل إلى قلب العملية الديمقراطية من باب لم يكن موجودا في القوانين الانتخابية القديمة.
القانون المغربي يدخل المعركة قبل أن يدخل الناخب إلى المعزل
تكشف التعديلات القانونية المغربية عن وعي بهذه النقلة. فالمادة 51 المكررة تجرم نشر أو بث تركيبات مكونة من أقوال أو صور أشخاص دون موافقتهم، وكذلك الأخبار الزائفة والادعاءات والوقائع الكاذبة والمستندات المختلقة أو المدلس فيها، عندما تستهدف الحياة الخاصة أو التشهير بالناخبين والمترشحين. وتمتد هذه المقتضيات صراحة إلى شبكات التواصل وأدوات الذكاء الاصطناعي والمنصات الإلكترونية. أما المادة 51، فتشدد العقوبة على من يستخدم الوسائل الرقمية، بما فيها أدوات الذكاء الاصطناعي، لنشر الأخبار الزائفة أو الإشاعات الكاذبة أو وسائل التدليس بقصد تحويل أصوات الناخبين أو دفعهم إلى الامتناع عن التصويت. وفي اتجاه مواز، تحظر المنظومة الإعلانات السياسية أو المنشورات الانتخابية المؤدى عنها على المنصات أو المواقع الإلكترونية الأجنبية. لكن القانون، مهما بلغت صرامته، يظل يواجه مشكلة جوهرية: كيف تطارد دولة فعلا رقميا عابرا للحدود، حين تكون يد الفاعل في بلد، وخادمه في بلد ثان، ومنصته في بلد ثالث، وجمهوره في بلد رابع؟ هنا تبدأ الجغرافيا السياسية للذكاء الاصطناعي.
السيادة لم تعد تتوقف عند الحدود
في القرن العشرين كانت الحدود السياسية تفصل بين مجالات السيادة. أما في القرن الحادي والعشرين، فقد أصبح جزء مهم من القوة السياسية يعبر الحدود في أقل من ثانية. قد يصنع شخص في أوروبا مقطعا موجها إلى جمهور مغربي. وقد يعيد حساب مجهول توزيعه داخل المغرب. وقد تقوم خوارزمية بتعظيم انتشاره لأنها اكتشفت أن الغضب يجذب المشاهدة أكثر من الحقيقة. وقد يصل المحتوى إلى ملايين الأشخاص دون أن يعرف أحد من دفع ثمن انتشاره. في هذه الحالة، أين يبدأ التدخل الخارجي وأين ينتهي؟ إنها ليست مسألة تقنية فقط. إنها مسألة سيادة. فحظر الإعلان السياسي المدفوع على المنصات الأجنبية يمثل محاولة لاستعادة جزء من السيطرة على التمويل السياسي الرقمي. لكن التجربة الرقمية تقول إن التأثير لا يحتاج دائما إلى إعلان مدفوع. قد يكون حسابا مجهولا. قد يكون شبكة حسابات وهمية. قد يكون مؤثرا يتبنى رواية جاهزة. قد يكون فيديو مولدا بالذكاء الاصطناعي. وقد يكون مجرد خبر كاذب يعثر على خوارزمية مناسبة. وهنا تصبح الحدود السياسية أقل أهمية من الحدود الخوارزمية.
الجالية المغربية: الامتداد الخارجي للفضاء الانتخابي
تزداد المسألة تعقيدا مع الامتداد الرقمي للجالية المغربية في الخارج. فالمغربي المقيم خارج البلاد لا يعيش بالضرورة خارج المجال السياسي المغربي. الهاتف أسقط المسافة الجغرافية. ومجموعات واتساب وفيسبوك ويوتيوب وغيرها جعلت النقاش السياسي عابرا للقارات. لم تعد باريس أو بروكسل أو مدريد بعيدة عن الدار البيضاء أو الرباط أو فاس. المعلومة تنتقل في اللحظة ذاتها. والشائعة كذلك. وهنا يبرز سؤال بالغ الحساسية: كيف يمكن تطبيق قانون وطني على معلومة أنشئت خارج التراب الوطني، واستهدفت جمهور الناخبين في الداخل، ومرت عبر منصة عالمية لا تخضع بالضرورة للقواعد نفسها؟ إنها واحدة من أقدم مشكلات القانون الدولي في ثوب جديد: الجريمة أصبحت عابرة للحدود، بينما القانون لا يزال في جزء كبير منه إقليميا.
الاقتصاد يدخل غرفة الاقتراع من النافذة الرقمية
غير أن اختزال الخطر في التدخل الخارجي سيكون خطأ استراتيجيا. فالتهديد الأخطر قد يكون داخليا. ارتفاع الأسعار، البطالة، الإجهاد المائي، الفوارق الاجتماعية، أزمة الثقة، وتطلعات الشباب ليست منتجات خوارزمية. إنها وقائع اجتماعية واقتصادية حقيقية. لكن الخوارزمية تستطيع أن تفعل شيئا آخر: أن تجمع عناصر السخط المتفرقة، وتضغط عليها، وتعيد تدويرها، وتمنحها سرعة انتشار لم تكن متاحة من قبل. وهنا لا يصنع الذكاء الاصطناعي الأزمة؛ بل يستطيع أن يضخم أثرها السياسي. وهذا فارق جوهري. فإذا كانت هناك مشكلة اقتصادية حقيقية، فإن محاربتها باعتبارها مجرد «تضليل رقمي» قد تنتج نتيجة عكسية. المواطن الذي يعاني من غلاء أو بطالة لا يحتاج إلى خوارزمية كي يشعر بالغضب. لكن الخوارزمية تستطيع أن تجعل غضبه أكثر سرعة، وأكثر جماعية، وأكثر قابلية للتحول إلى موجة سياسية. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تتوقف عندها الدولة الحديثة: محاربة التضليل لا تعني محاربة السخط المشروع، ولا يجوز أن تتحول مكافحة الأخبار الكاذبة إلى وسيلة لإسكات الأخبار غير المريحة. الحماية الحقيقية للانتخابات لا تكون بمنع الكلام، وإنما بتمييز الحقيقة من الكذب، والرأي من الخبر، والنقد من التلاعب، والمعارضة من التضليل.
المغرب أمام معادلة أصعب من «ديب فيك»
الذكاء الاصطناعي لا يمثل خطرا فقط لأنه يستطيع تركيب وجه أو صوت. الخطر الأعمق أنه يستطيع إنتاج بيئة كاملة من الوهم. صورة مزيفة. حساب مزيف. سيرة ذاتية مزيفة. تعليقات مزيفة. مؤيدون مزيفون. غضب مزيف. ثم يأتي كل ذلك في هيئة مشهد اجتماعي يبدو حقيقيا. وهنا تصبح المشكلة معرفية قبل أن تكون أمنية. فالناخب لم يعد يسأل فقط: «هل هذا الخبر صحيح؟» بل سيضطر إلى السؤال: «من صنعه؟» «متى صنعه؟» «لماذا ظهر لي أنا؟» «من دفع ثمن انتشاره؟» «هل أراه لأن الناس يتداولونه، أم لأن الخوارزمية قررت أنني يجب أن أراه؟» هذه الأسئلة هي قلب الانتخابات الجديدة. ولهذا جاءت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري بقواعد إضافية لمواجهة التضليل. فقد قرر المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري في يونيو 2026 منع بث محتويات انتخابية مولدة أو محورة بالذكاء الاصطناعي إذا كان من شأنها تضليل الجمهور أو المساس بنزاهة النقاش الانتخابي، مع إلزام وضع علامة واضحة على المحتويات الاصطناعية المستخدمة لأغراض تفسيرية أو تعليمية. إنها ليست مجرد قواعد إعلامية. إنها محاولة لإعادة بناء سلسلة الثقة بين المواطن والمعلومة والانتخاب.
المعركة الحقيقية: من يوثق الحقيقة؟
قد يكون هذا هو السؤال الأكثر أهمية في انتخابات 2026. ليس فقط: من فاز؟ ولا فقط: كم حصل كل حزب من الأصوات؟ بل: من يستطيع أن يثبت أن ما رآه الناخب قبل التصويت كان حقيقيا؟ في زمن الصورة المزيفة والصوت المستنسخ والنص الذي تكتبه الآلة، لم يعد التحقق من المعلومات ترفا صحفيا. إنه جزء من الأمن الانتخابي. ولهذا ستصبح المؤسسات الصحفية، وهيئات التنظيم، والباحثون، ومنصات التكنولوجيا، والمجتمع المدني، ومراقبو الانتخابات، جميعا جزءا من منظومة جديدة يمكن تسميتها: البنية التحتية للحقيقة الانتخابية. الدولة التي تملك صندوقا محميا لكنها لا تملك منظومة تحقق مستقلة وفعالة قد تحمي لحظة التصويت، لكنها تظل عاجزة عن حماية المجال الذي تشكلت فيه الإرادة التي أنتجت ذلك التصويت.
من الصندوق إلى الخوارزمية
هذه هي المفارقة الكبرى. لقد أنفقت الديمقراطيات عقودا طويلة في بناء مؤسسات لحماية الصندوق. ثم جاءت التكنولوجيا لتضع المعركة في مكان آخر. الصندوق لم يختف. لكنه لم يعد وحده ساحة المعركة. الساحة الجديدة تمتد من الخادم إلى الهاتف، ومن المنصة إلى غرفة التحرير، ومن الحساب المجهول إلى غرفة القرار، ومن الذكاء الاصطناعي إلى وعي المواطن. ولهذا فإن الانتخابات المغربية في 23 شتنبر 2026 ليست فقط امتحانا للقواعد القانونية الجديدة، بل اختبار لقدرة الدولة والمجتمع على التعامل مع مفهوم جديد للأمن الديمقراطي. الأمن الديمقراطي لم يعد يعني فقط حماية الناخب يوم الاقتراع. إنه يعني أيضا حماية حقه في أن يعرف قبل الاقتراع. ومع ذلك، فإن التشريع لا يستطيع أن ينتصر وحده. فالذكاء الاصطناعي أسرع من البرلمان، وأكثر قدرة على التكيف من النصوص القانونية، وأقل اكتراثا بالحدود الجغرافية. كل قانون سيحتاج إلى تحديث. وكل منصة ستحتاج إلى مراقبة. وكل مؤسسة إعلامية ستحتاج إلى أدوات تحقق. وكل مواطن سيحتاج إلى قدر أكبر من المناعة المعرفية.
الانتخابات التي ستحدد معنى الحقيقة
في النهاية، قد لا تكون أخطر صورة في انتخابات 2026 هي صورة صندوق انتخابي يجري التلاعب به. قد تكون صورة صندوق انتخابي سليم تماما، لكن الناخب الذي ألقى ورقته فيه وصل إلى ذلك الصندوق بعد أن أمضى أسابيع داخل عالم من المعلومات المصنوعة، والروايات الموجهة، والأصوات المستنسخة، والصور المفبركة، والغضب الذي تضخمه الخوارزميات. وهنا يصبح السؤال أكثر عمقا من سؤال نزاهة الصندوق: هل يمكن أن يكون الاقتراع نزيها إذا كانت البيئة المعلوماتية التي سبقت الاقتراع قد تعرضت للتلاعب؟ هذا هو التحدي الحقيقي للمغرب، وهو في الوقت نفسه تحد عالمي. فالديمقراطية لم تعد تواجه فقط تزوير النتائج. إنها تواجه احتمال تزوير الواقع الذي يسبق النتائج. ولذلك فإن القانون53.25والمادة 51 المكررة يمثلان انتقالا مهما في التفكير القانوني المغربي، كما أن قواعد الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري تكشف أن المؤسسات بدأت تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مسألة نزاهة انتخابية لا مجرد مسألة تقنية. لكن المعركة لن تحسمها العقوبات وحدها. إنها ستُحسم بقدرة المجتمع على بناء منظومة تجعل الحقيقة أسرع من الشائعة، والتحقق أقوى من التزييف، والصحافة أكثر حضورا من الحسابات الوهمية، والمؤسسات أكثر شفافية من الخوارزميات الغامضة. في انتخابات القرن العشرين كان السؤال: من يملك الصندوق؟ وفي انتخابات القرن الحادي والعشرين أصبح السؤال: من يملك الرواية التي يصل بها المواطن إلى الصندوق؟ وربما يكون السؤال الأعمق هو: من يملك القدرة على إثبات الحقيقة بعد أن أصبحت الآلة قادرة على اختراع ما يشبهها؟ هناك، تحديدا، تبدأ الجيوسياسة الجديدة للانتخابات. فالمعركة المقبلة لن تكون على الأصوات وحدها. ستكون على حق الإنسان في أن يعرف لماذا صدق ما صدقه، قبل أن يقرر لمن يمنح صوته.
