حين تتحول مداغ إلى عاصمة روحية عابرة للحدود

من اقتصاد المغتربين إلى عالمية الطريقة البودشيشية

بقلم الإعلامي حيمري البشير, بركان-المغرب

ليست بركان في الصيف هي بركان في بقية فصول السنة. فالمدينة، الواقعة في قلب المجال الوجداني لبني يزناسن، تستعيد خلال أشهر الصيف إيقاعا استثنائيا، حين يعود إليها أبناؤها المقيمون في مختلف الأقطار الأوروبية، محملين بذاكرة المكان وحنين الغربة، وبما يكفي من الطاقة الاقتصادية لإعادة تحريك أسواق المدينة وشوارعها ومقاهيها وفضاءاتها التجارية. في الصيف، يتغير وجه بركان. تزدحم الشوارع، تتضاعف حركة السير، وتمتلئ الأسواق بالحركة، ويستعيد التجار شيئا من الأمل الذي أنهكته أشهر الركود والصعوبات الاقتصادية. فالمغتربون ليسوا مجرد عابرين موسميين في المدينة؛ إنهم، من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، جزء من الدورة الحيوية التي تجعل الصيف موعدا سنويا لاستعادة المدينة أنفاسها.

لكن هذه الحيوية الموسمية تكشف، في الوقت نفسه، عن اختلالات تتكرر عاما بعد عام. فالازدحام المروري، وضعف تدبير الحركة، والضغط المتزايد على بعض المرافق والخدمات، ملاحظات سبق أن أثارها السكان والمتابعون للشأن المحلي، من دون أن يرقى التفاعل معها، في كثير من الأحيان، إلى مستوى التحول الذي تعرفه المدينة خلال هذه الفترة. وهنا تبرز مفارقة بركان الصيفية: مدينة تستقبل أبناءها القادمين من أوروبا، وتستفيد من حضورهم الاقتصادي والاجتماعي، لكنها لا تزال مطالبة بتطوير بنيتها ومرافقها بما يتناسب مع حجم هذه الدينامية الموسمية. غير أن بركان لا تختصر في اقتصاد الصيف، ولا في ازدحام شوارعها. فخارج المدينة، وعلى مسافة غير بعيدة، توجد مداغ، أو ما يعرف محليا بـ«الحرشة»، حيث نشأت تجربة دينية وروحية تجاوز إشعاعها الحدود الجغرافية للمنطقة، وتحولت تدريجيا إلى إحدى أبرز واجهات التصوف المغربي المعاصر. هناك، في الزاوية البودشيشية، يصبح الصيف موسما آخر من مواسم اللقاء.

مداغ: من قرية في شرق المغرب إلى فضاء روحي عالمي

كانت زيارتي هذه السنة لمقر الزاوية البودشيشية بمداغ مناسبة لرؤية هذا المشهد من الداخل، بعيدا عن الصور النمطية التي تختزل الزوايا في طقوسها التقليدية. ما يلفت النظر منذ الوهلة الأولى هو التنظيم. مئات الآلاف من الوافدين، في مناسبات الذكرى النبوية، يحتاجون إلى إدارة دقيقة للحشود، وإلى منظومة من الخدمات والاستقبال والتنسيق لا يمكن أن تقوم على الارتجال. ومع ذلك، فإن أكثر ما يلفت الزائر ليس حجم الحضور وحده، وإنما ذلك الهدوء الذي يرافقه. في فضاءات الزاوية، يلتقي القادم من مدينة مغربية بعيدة مع القادم من أوروبا، ويجاور المغربي القادم من بيئة مختلفة مريداً قدم من جنوب شرق آسيا أو من إحدى الدول الإسلامية البعيدة. اختلاف اللغات والثقافات لا يبدو عائقا أمام شعور مشترك بالانتماء إلى فضاء روحي واحد.

وهنا تحديدا تكمن إحدى أهم التحولات التي عرفتها الطريقة البودشيشية. فهي لم تعد، في صورتها الراهنة، ظاهرة محلية محصورة في مجال جغرافي أو اجتماعي محدد، وإنما أصبحت نقطة جذب لشريحة من المهتمين بالتصوف من خارج المغرب، ولا سيما من أوروبا وبعض البلدان الآسيوية والإسلامية. وقد أتاح لي حضور هذه المناسبة ملاحظة وفود جديدة قادمة من إندونيسيا ومن بلدان شرق آسيا، وهو مشهد يكشف أن الطريقة باتت تخاطب فضاءات ثقافية تتجاوز محيطها المغربي التقليدي.

حين يصبح التصوف لغة تتجاوز الحدود

القوة الحقيقية للتجربة البودشيشية لا تكمن فقط في قدرتها على جمع أعداد كبيرة من المريدين، وإنما في قدرتها على تقديم التصوف باعتباره تجربة روحية يمكن أن تتحرك خارج الحدود الجغرافية والثقافية. في عالم يزداد فيه القلق الوجودي، وتتسارع فيه الحياة، وتضعف فيه أحيانا الروابط التقليدية بين الإنسان ومجتمعه ومرجعياته الروحية، يبحث كثير من الشباب عن معنى يتجاوز الاستهلاك المادي وعن علاقة أكثر هدوءاً بالدين. هنا يمكن فهم جزء من جاذبية التصوف.

فالتصوف، في جوهره، لا يقدم الدين بوصفه منظومة من الأوامر المجردة فقط، وإنما يركز على تهذيب النفس، وعلى الذكر، والمحبة، والصحبة، والتربية الروحية، وعلى تحويل التدين من معرفة ذهنية إلى تجربة أخلاقية وسلوكية. ومن هذه الزاوية، فإن الطريقة البودشيشية تمثل نموذجاً مغربياً خاصاً في كيفية استمرار الطرق الصوفية في التفاعل مع عالم حديث شديد التعقيد. إنها تستفيد من الإرث الصوفي المغربي العريق، لكنها في الوقت نفسه تنفتح على جامعات ومراكز علمية، وعلى خطاب يتوجه إلى أجيال جديدة، وعلى فضاء دولي أصبحت فيه وسائل التواصل الحديثة قادرة على نقل التجربة الروحية إلى ما وراء الحدود.

الزاوية والجامعة: عندما يلتقي التراث بالمعرفة

من أبرز ما استوقفني خلال الزيارة تطور البنية المؤسساتية للزاوية. فمداغ لم تعد مجرد فضاء لاستقبال المريدين في المواسم الدينية، وإنما أصبحت تضم مرافق علمية وتكوينية، من بينها مركز ذو طابع جامعي، بما يعكس توجها نحو الجمع بين التربية الروحية والتحصيل العلمي. وهذه نقطة تستحق التأمل. فالزاوية التي تريد أن تخاطب العالم في القرن الحادي والعشرين لا يمكن أن تعتمد على الذاكرة وحدها. عليها أن تنتج المعرفة، وأن تربي أجيالا قادرة على الحوار، وأن تجعل من التراث الصوفي مادة حية قابلة للفهم خارج سياقه المحلي. ومن هنا تبدو أهمية الاستثمار في التعليم والتكوين. فالمريد الذي يحمل رسالة الطريقة إلى أوروبا أو آسيا أو غيرهما لا ينبغي أن يكون مجرد ناقل لطقوس أو شعارات، وإنما شخصاً قادراً على شرح المرجعية التي ينتمي إليها، وعلى الحوار مع الثقافات الأخرى، وعلى تقديم صورة عن الإسلام تقوم على المعرفة والأخلاق والاعتدال. وفي هذا الجانب تحديدا، يمكن للزاوية البودشيشية أن تكون موضوعا مهما للباحثين في الدين والمجتمع والعلاقات بين الأديان، لأن تجربتها تطرح سؤالا أوسع: كيف يمكن لتراث صوفي مغربي أن يتحول إلى خطاب روحي عالمي من دون أن يفقد جذوره؟

المولد النبوي: أكثر من مناسبة دينية

كل عام، يتحول الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في مداغ إلى لحظة تجمع أعداداً ضخمة من المريدين والضيوف. الذكر، والمديح، والدعاء، والصلاة على النبي محمد، كلها تشكل عناصر أساسية في هذا الاجتماع الروحي. لكن القيمة الاجتماعية للمناسبة تتجاوز الطقس نفسه. فالمولد يصبح فرصة للقاء. أبناء مدن مغربية مختلفة يلتقون في مكان واحد، ومغاربة مقيمون في أوروبا يعودون إلى فضاء يربطهم بالذاكرة الدينية والثقافية للمغرب، بينما يصل آخرون من بلدان بعيدة بحثاً عن تجربة روحية يرون فيها امتدادا لتاريخ طويل من التصوف الإسلامي. وهذا البعد العابر للحدود هو الذي يمنح مداغ اليوم موقعا يتجاوز جغرافيتها. فإذا كانت بعض المدن تُعرَف بمطاراتها أو جامعاتها أو مراكزها الاقتصادية، فإن مداغ بدأت تُعرف، في دوائر واسعة من المهتمين بالتصوف، بوصفها فضاء روحيا يستقطب مريدين من ثقافات متعددة.

المغرب: أرض التصوف بامتياز

لا يمكن فهم البودشيشية بمعزل عن السياق المغربي. فالمغرب يمتلك تاريخا صوفيا عميقا، لعبت فيه الزوايا أدوارا دينية واجتماعية وثقافية وسياسية مختلفة عبر القرون. وكانت الزاوية، في مراحل تاريخية متعددة، مدرسة للتربية الدينية، وفضاء لإيواء المسافرين، ومكانا للتكافل، ومركزا للتعليم، وأحيانا مؤسسة تؤدي أدوارا اجتماعية تتجاوز الوظيفة الروحية. وقد حافظ التصوف المغربي، رغم التحولات العميقة التي عرفها المجتمع، على حضوره في الذاكرة الدينية للمغاربة. والطريقة البودشيشية تمثل إحدى التجارب التي أعادت تقديم هذا الموروث في سياق معاصر، مع التركيز على التربية الروحية والذكر والمحبة والصحبة والتكوين. ولذلك فإن اتساع حضورها خارج المغرب يستحق قراءة تتجاوز الإعجاب أو النقد السريع. إنه جزء من ظاهرة أوسع تتمثل في عودة الاهتمام العالمي بالتصوف باعتباره أحد وجوه الإسلام الروحي والثقافي.

من بني يزناسن إلى أندونيسيا

ثمة مفارقة جميلة في هذا المشهد. في الوقت الذي كنت أتأمل فيه ارتباط المنطقة بذاكرة بني يزناسن، وبالثقافة المحلية والأمازيغية التي شكلت جزءا أساسيا من شخصية شرق المغرب، كنت أشاهد في مداغ وجوها جاءت من أقصى الشرق. أندونيسيا. شرق آسيا. أوروبا. مدن مغربية مختلفة. لغات وثقافات ولهجات وذاكرات متعددة. لكنها تلتقي في مكان واحد. وهنا تكمن قوة المكان. فمداغ لم تعد فقط امتداداً لجغرافيا محلية، وإنما أصبحت نقطة تقاطع بين محليات متعددة، وفضاءً تتجاور فيه هويات مختلفة داخل تجربة دينية مشتركة. إنها صورة صغيرة لعالم إسلامي شديد التنوع، لكنه قادر، في بعض فضاءاته الروحية، على العثور على لغة مشتركة.

دين الشباب وسؤال المستقبل

ربما يكون السؤال الأهم هو: لماذا يجد بعض الشباب اليوم طريقهم إلى التصوف؟ الإجابة ليست واحدة. هناك من يبحث عن السكينة، وهناك من يبحث عن الانتماء، وهناك من يريد إعادة بناء علاقته بالدين بعيداً عن التوترات الإديولوجية، وهناك من يكتشف في التصوف بعداً جماليا وروحيا ظل غائبا عن حياته. ومن هنا تأتي أهمية الطريقة البودشيشية، أو أي تجربة صوفية معاصرة، في قدرتها على مخاطبة الشباب بلغة يفهمونها، من دون قطع الصلة بالموروث. التحدي ليس في المحافظة على الماضي فقط. التحدي الحقيقي هو أن تجعل الماضي قادراً على الحديث مع المستقبل. وإذا استطاعت الزاوية أن تجمع بين التربية الروحية والمعرفة، وبين الأصالة والانفتاح، وبين المحلي والعالمي، فإنها ستكون أمام فرصة حقيقية لتقديم نموذج مغربي خاص في التدين الروحي.

لكن مداغ تحتاج أيضا إلى المدينة

ومع كل هذا الإشعاع، تبقى هناك حاجة إلى النظر إلى محيط الزاوية. فحين تستقبل المنطقة هذا العدد الكبير من الوافدين، تصبح الخدمات الصحية والاجتماعية والبنية التحتية جزءا من شروط نجاح هذا التحول. مداغ، التي تطورت مرافقها وأصبحت أكثر تنظيما وجمالا، ما زالت تحتاج، في تقديري، إلى مستشفى محلي مجهز وإلى أطر طبية وتمريضية قادرة على مواكبة حجم النشاط الذي تعرفه المنطقة، خصوصا في المناسبات الكبرى. إن المكان الذي يستقبل مئات الآلاف من الزوار يحتاج بالضرورة إلى منظومة صحية توازي حجم هذا الاستقبال. وهذا جزء من التفكير في مستقبل المنطقة.

بركان بين موسم المغتربين وموسم الروح

في نهاية شهر غشت، يغادر كثير من أبناء بركان المقيمين في أوروبا. تعود السيارات إلى الطرقات الطويلة، وتغلق حقائب السفر، وتعود المدينة تدريجيا إلى إيقاعها المعتاد. لكن شيئا يبقى. يبقى الحنين. يبقى ذلك الخيط السري الذي يربط المغترب ببركان، وبأهلها، وبالذاكرة التي لا تستطيع الجغرافيا أن تمحوها. وفي الجهة الأخرى، تواصل مداغ استقبال زوارها الروحيين، وتستعد كل سنة للقاء جديد حول المولد النبوي الشريف. هكذا تبدو المنطقة في صورتها الأعمق: بركان مدينة تعيش على إيقاع الهجرة والعودة، ومداغ فضاء يعيش على إيقاع اللقاء الروحي. وبين الاثنين تتشكل هوية منطقة كاملة؛ هوية تجمع الاقتصاد بالذاكرة، والهجرة بالانتماء، والمحلي بالعالمي، والتراث بالمستقبل أما الزاوية البودشيشية، فقد أصبحت اليوم أمام مسؤولية أكبر من مجرد الحفاظ على تقليد صوفي.

لقد أصبحت، شئنا أم أبينا، إحدى الواجهات التي يُنظر من خلالها إلى التصوف المغربي خارج المغرب. وكلما اتسعت دائرة حضورها، ازدادت الحاجة إلى المعرفة والتوثيق والانفتاح والحوار، حتى يظل إشعاعها قائما على أساس متين من العلم والتربية والاعتدال. في مداغ، حيث يجتمع القادمون من مدن المغرب ومن بلدان بعيدة، يبدو واضحا أن التصوف لم يعد مجرد ذاكرة من الماضي. إنه، بالنسبة إلى كثيرين، محاولة لاستعادة الإنسان من ضجيج العصر. وربما لهذا السبب تحديدا، تستمر الطرق الصوفية في عبور الحدود حين تعجز الخرائط عن تفسير لماذا يترك الإنسان بلده، ويقطع آلاف الكيلومترات، ثم يجلس في قرية مغربية صغيرة بحثا عن شيء لا تستطيع الطائرات حمله: الطمأنينة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *