بقلم د عبد الرحمن مكاوي-باريس
إنه الوجه الأمني الصلب لطهران في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا تُقاس أهمية الجنرال بعدد المرات التي يظهر فيها على شاشة التلفزيون، ولا بعدد المعارك التي خاضها خارج الحدود، بل بقدرته على البقاء داخل ماكينة الدولة، ومعرفة مفاصلها، والانتقال من الجبهة إلى المؤسسة، ومن المؤسسة إلى الشارع. من هذه الزاوية تحديدًا تكتسب شخصية محمد رضا يزدي أهميتها. ليس يزدي اسما يوازي في الشهرة أسماء مثل قاسم سليماني، ولا ينتمي إلى مدرسة القادة الذين صنعتهم جغرافيا «محور المقاومة». إنه نموذج آخر: جنرال من المدرسة الداخلية للحرس الثوري، تشكل في الحرب، ثم أمضى سنوات في البنية القانونية والسياسية للمؤسسة، قبل أن يعود إلى قلب أمن العاصمة. وفي الأدبيات المعارضة، ارتبط اسمه بصورة الجنرال ذي الشارب الكثيف، حتى شاع عنه لقب «أبو شوارب». لكن الشارب، مهما كان لافتا، ليس هو مفتاح شخصيته السياسية. المفتاح الحقيقي هو موقعه داخل منظومة الأمن الداخلي الإيراني. فالذين يعرفون يزدي يعرفون، قبل كل شيء، أن مسيرته كانت مسيرة رجل مؤسسة.
من خنادق الحرب إلى هندسة السلطة
تقول الروايات الإيرانية الرسمية وشبه الرسمية عن سيرته إن يزدي بدأ نشاطه في كردستان قبل انضمامه الرسمي إلى الحرس الثوري، وعمل في تلك المرحلة تحت قيادة أحمد متوسليان. ثم انتقل إلى تشكيلات اللواء 27 محمد رسول الله، المرتبط تاريخيًا بطهران وبجبهات الحرب العراقية ـ الإيرانية. وتذكر سيرته المنشورة في مصادر إيرانية أنه أصبح قائدا لكتيبة «عمار» التابعة للواء 27، واستمر في هذا المسار حتى نهاية الحرب. هذه هي الواقعة. أما دلالتها السياسية فتتجاوز السيرة العسكرية الشخصية. فاللواء 27 محمد رسول الله لم يكن مجرد وحدة قتالية بالنسبة إلى تاريخ الحرس؛ لقد كان أحد أهم مصانع النخبة العسكرية التي خرج منها عدد كبير من القادة الذين أصبحوا لاحقا جزءا من الدولة الأمنية والسياسية في إيران. وبعبارة أخرى، تشكل يزدي في المدرسة التي تعلّم فيها جيل من قادة الحرس أن الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل تجربة لبناء الولاء والتنظيم والانضباط وشبكات القيادة. وهنا يبدأ تفسير صعوده.
فالرجل الذي بدأ في الحرب ظل داخل المؤسسة بعد انتهاء الحرب، ولم يتحول إلى شخصية عسكرية متقاعدة من جيل الثمانينيات. بل انتقل إلى العمل المؤسسي، وأصبح لاحقًا نائبًا للشؤون القانونية والبرلمانية في الحرس الثوري. وهذا المنصب أكثر أهمية مما قد يبدو لأول وهلة. لقد انتقل يزدي من قيادة المقاتلين إلى التعامل مع البرلمان والقانون والدولة. وهذا يعني أنه أصبح جزءًا من المساحة التي يلتقي فيها السلاح بالسياسة والقانون. وتؤكد مصادر إيرانية أن يزدي شغل منصب نائب الشؤون القانونية والبرلمانية في الحرس، وأنه تحدث في تلك المرحلة في قضايا تتعلق بالوضع القانوني لأفراد ومؤسسات الحرس وبالعلاقة بين المؤسسة العسكرية ومؤسسات الدولة. وهنا تظهر إحدى أهم سمات الرجل: لم يكن مجرد ضابط ميدان؛ لقد أصبح رجلًا يعرف كيف تعمل الدولة من الداخل.
طهران: المنصب الذي يغير معنى الجنرال
في يوليو/تموز 2017، عيّن يزدي قائدا لفيلق محمد رسول الله التابع للحرس الثوري في طهران الكبرى. وكان ذلك انتقالا بالغ الدلالة، لأن هذا التشكيل يمثل أحد المراكز الرئيسية للحرس والباسيج في الأمن الداخلي للعاصمة. هذه واقعة مؤسسية. لكن تحليلها يقود إلى نتيجة سياسية أكثر عمقا. طهران ليست مجرد عاصمة. إنها مقر الرئاسة والبرلمان والقيادة السياسية والأجهزة الأمنية والاقتصاد والإعلام. ولذلك فإن قيادة أحد أهم تشكيلات الحرس فيها لا تعني إدارة وحدة عسكرية فحسب؛ بل تعني التعامل مع المدينة باعتبارها المسرح الأكثر حساسية لاستقرار النظام. ومن هنا يمكن فهم صعود يزدي. فالمؤسسة التي وضعته على رأس قوة الحرس في العاصمة لم تكن تبحث فقط عن قائد يعرف الحرب، بل عن رجل قادر على فهم الأمن الحضري: الأحياء، الباسيج، الشرطة، القضاء، الاحتجاج، والشبكات الاجتماعية التي يمكن أن تتحول في لحظة إلى بنية تعبئة سياسية. وهنا يصبح يزدي أكثر من جنرال. يصبح جزءا من هندسة العلاقة بين النظام والشارع.
عندما نزل الحرس إلى الشارع
في يناير/كانون الثاني 2018، أعلن يزدي عن خطط لتسيير دوريات تعتمد على الباسيج في طهران، بحجة تعزيز أمن المواطنين ومكافحة السرقة والبلطجة، وقال إن التعاون بين الحرس والشرطة والقضاء ضروري لتحقيق الأمن الكامل. الواقعة واضحة. لكن تفسيرها هو المسألة الأكثر أهمية. في دولة طبيعية، تكون الشرطة هي المؤسسة الأصلية المكلفة بحفظ الأمن الداخلي. أما دخول الحرس والباسيج في هذا المجال فيكشف عن شيء مختلف: توسع تعريف الأمن نفسه. فالأمن، في المنظور الذي ظهر في تصريحات يزدي، لم يعد محصورا في مكافحة الجريمة، بل أصبح مفهوما واسعا يشمل مراقبة الأحياء ومنع تحول الاضطرابات المحلية إلى احتجاج سياسي أكبر. وهذا ما أشار إليه تحليل نشرته «إيران واير»، إذ ربط انتشار فرق الباسيج في الأحياء بفكرة منع الاضطرابات قبل انتقالها إلى مركز المدينة. وهنا يجب الفصل بين الحقيقة والتحليل: الحقيقة: يزدي أعلن عن دوريات أمنية تعتمد على الحرس والباسيج. يمكن قراءة هذه الخطوة باعتبارها انتقالًا من الأمن بعد وقوع الاحتجاج إلى محاولة بناء منظومة أمنية قادرة على اكتشاف الاضطراب ومواجهته على مستوى الحي قبل أن يتحول إلى حركة جماهيرية واسعة. وهذه ليست مسألة تفصيلية. إنها تعكس تحولا في فلسفة الدولة الأمنية الإيرانية.
نوفمبر 2019: الاختبار الأكبر
ثم جاءت احتجاجات نوفمبر/تشرين الثاني 2019.كان يزدي آنذاك قائد فيلق محمد رسول الله في طهران، وظهر اسمه ضمن البنية الأمنية المسؤولة عن العاصمة خلال واحدة من أعنف موجات الاحتجاج التي شهدتها الجمهورية الإسلامية منذ سنوات. وتدرجت التقارير المتعلقة بالاحتجاجات في تقديرات أعداد القتلى والجرحى، بينما وثقت منظمات ومصادر مختلفة دور قوات الأمن والحرس والباسيج في التعامل مع الاحتجاجات. وتظهر وثائق عن بنية الأمن في طهران اسم يزدي بصفته قائد فيلق محمد رسول الله في تلك المرحلة. لكن هنا أيضًا ينبغي الحذر. لا يصح، من الناحية المهنية، تحويل وجوده في قيادة فيلق طهران إلى دليل شخصي على أن كل عملية إطلاق نار أو كل حالة وفاة كانت بأمر مباشر منه. المسؤولية المؤسسية شيء، وإثبات المسؤولية الفردية عن واقعة محددة شيء آخر. غير أن الأهم سياسيًا هو أن يزدي كان في موقع قيادة جهاز أمني مركزي في العاصمة أثناء تلك الأزمة. وهذا وحده كاف لفهم مكانته. فهو لم يكن مراقبا للأحداث من بعيد. كان جزءا من المؤسسة التي كان عليها أن تمنع انتقال الاحتجاج من الشارع إلى أزمة سياسية تهدد مركز النظام.
من «أمن الأحياء» إلى «أمن المجتمع»
في 2020، واصلت قوات الحرس والباسيج في طهران توسيع حضورها في المجال الاجتماعي. وأعلن يزدي عن أنشطة مرتبطة بمواجهة فيروس كورونا، شملت مجموعات «جهادية»، وتوزيع الكمامات، وتعقيم الأماكن العامة، ومساعدة الفئات الضعيفة، إضافة إلى دوريات لمراقبة الالتزام بالبروتوكولات الصحية. كما ظهرت تقارير عن إنشاء وحدة مرتبطة بمفهوم «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» في سياق مكافحة الجائحة. مرة أخرى، ينبغي التمييز بين المعلن والمستنتج. المعلن كان صحيا واجتماعيا. أما التحليل السياسي فيرى في ذلك مثالا على اتساع مجال عمل الحرس من الأمن العسكري إلى إدارة السلوك الاجتماعي. وهذه النقطة بالذات مهمة لفهم شخصية يزدي. فالعقلية الأمنية التي تتعامل مع الشارع بوصفه مصدرا محتملا للاضطراب تستطيع بسهولة أن ترى في البطالة والفقر والجريمة والمخدرات والانفلات الاجتماعي مسائل أمنية، لا مجرد ملفات اجتماعية. وبذلك يتحول مفهوم الأمن إلى مظلة شاملة. ليس السؤال فقط: من يحمل السلاح؟ بل: من يراقب الحي؟ من يعرف السكان؟ من يرصد التوتر؟ من يتدخل قبل أن يتحول الغضب إلى احتجاج؟ هذه هي النقلة التي تكشفها تجربة يزدي أكثر مما تكشفها خطاباته الشخصية.
«رزاويون»: الأمن يبدأ من الشعيرات الدموية للمدينة
في أكتوبر/تشرين الأول 2020، تحدث يزدي عن وحدات «رزاويون» الأمنية، وقال إن نشاطها بدأ في 2018، واكتمل هيكلها في 2019، ثم توسع في 2020، وإنها تعمل بالتنسيق مع قوات الأمن والنيابة. كما تحدث عن نشر هذه الوحدات في المدن للحفاظ على الأمن ومواجهة ما وصفه بـ«عناصر انعدام الأمن». هذه التصريحات تقدم مفتاحا مهما لفهم فلسفة الرجل. إذا كانت الدولة تنتظر الاحتجاج في الساحة المركزية، فقد تكون قد انتظرت طويلا. أما إذا كانت تراقب الأحياء والشبكات المحلية، فإنها تحاول اعتراض الاحتجاج قبل أن يصبح احتجاجا. وهذا هو الفارق بين الأمن التقليدي والأمن الوقائي ذي الطابع السياسي. ليس المقصود هنا الجزم بأن كل دورية في حي إيراني كانت موجهة لقمع احتجاج سياسي.لكن من المشروع تحليل البنية التي أنشأها الحرس في ضوء التاريخ السياسي الإيراني: منظومة تستطيع التعامل مع الجريمة، وفي الوقت نفسه تملك قابلية الاستخدام في مواجهة الاضطرابات السياسية. وهذه الازدواجية هي مصدر قوة المؤسسة ومصدر الجدل حولها في آن واحد.
خوزستان: حين ينتقل النموذج من العاصمة إلى الأطراف
في سبتمبر/أيلول 2020، تحدث يزدي أيضًا عن الاستعداد لتفعيل دوريات في خوزستان، في سياق الحديث عن السرقة وانعدام الأمن، في محافظة ذات أهمية نفطية وتشهد تاريخيا احتجاجات عمالية واجتماعية. مرة أخرى، لا ينبغي القفز من هذه الواقعة إلى استنتاج أن كل تحرك أمني في خوزستان كان موجهًا ضد العمال أو الاحتجاجات. لكن من الناحية السياسية، فإن انتقال نموذج الدوريات والانتشار المحلي إلى محافظة حساسة مثل خوزستان يوضح اتساع مفهوم الأمن الحضري ـ المحلي في استراتيجية الحرس. وهذا ينسجم مع الاتجاه الأوسع داخل المؤسسة: جعل الباسيج والحرس حاضرين في النسيج المحلي بدل انتظار لحظة الانفجار.
يزدي ليس سليماني
وهنا ربما تكمن أهم نقطة في فهم شخصيته. يزدي ليس قاسم سليماني. لا تنتمي صورته إلى مدرسة القائد الذي صنع نفوذه في العراق وسوريا ولبنان، ولا إلى شخصية الجنرال الذي أصبح رمزا إقليميا عابرا للحدود. إنه نموذج مختلف تماما. سليماني كان جنرال الجغرافيا الإقليمية؛ يزدي أقرب إلى جنرال الجغرافيا الداخلية. الأول بنى نفوذه عبر ساحات خارجية وشبكات حلفاء إقليميين. أما الثاني فتكوّن نفوذه من داخل البنية الإيرانية نفسها: الحرب، اللواء، الكتيبة، الإدارة، البرلمان، القانون، ثم أمن العاصمة. وهذه المقارنة لا تعني أن أحدهما أهم من الآخر. بل تكشف اختلاف الوظيفة. فالدولة التي تحتاج إلى إدارة نفوذها خارج الحدود تحتاج إلى قائد من طراز سليماني. أما الدولة التي تخشى أن تتحول مدنها إلى مراكز احتجاج، فهي تحتاج إلى رجال يعرفون تضاريس الداخل. وفي هذا المجال تحديدًا يصبح يزدي شخصية جديرة بالدرس.
الرجل والمؤسسة: أين تنتهي شخصية يزدي ويبدأ الحرس؟
من السهل كتابة بروفايل نفسي عن جنرال ووصفه بالقسوة أو التشدد أو الولاء المطلق. لكن الصحافة الجادة ينبغي أن تكون أكثر حذرا. لا يمكن استنتاج «الطبيعة النفسية» لشخص من شاربه أو صوته أو صورته العسكرية. الأدق هو قراءة السلوك المؤسسي. يزدي أمضى عقودا داخل الحرس. خاض الحرب. تولى قيادة ميدانية. انتقل إلى الشؤون القانونية والبرلمانية. عاد إلى قيادة تشكيل أمني في العاصمة. ثم ارتبط اسمه بخطط الدوريات المحلية وبالتعامل مع ملفات الأمن الاجتماعي. هذه الوقائع تسمح باستنتاج سياسي أكثر صلابة من أي تشخيص نفسي: يزدي يمثل مدرسة من ضباط الحرس الذين لا يرون الفصل بين الأمن والسياسة والمجتمع كما تراه الدول المدنية التقليدية. في هذه المدرسة، حماية النظام لا تعني فقط حماية المنشآت. إنها تعني مراقبة البيئة التي يمكن أن تنتج المعارضة. وهنا تكمن أهمية تجربته.
الاقتصاد: نفوذ الحرس لا يعني أن كل جنرال يملك الاقتصاد
من أكثر الأخطاء شيوعا في تحليل الحرس الثوري افتراض أن كل قائد كبير يمتلك تلقائيا السيطرة المباشرة على الموانئ والمطارات والشركات والبورصة. الحقيقة أكثر تعقيدا. للحرس شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والمؤسسات والشركات المرتبطة به، ومن أبرزها إمبراطورية «خاتم الأنبياء» الهندسية. لكن هذا لا يعني أن قائد فيلق طهران شخصيًا يملك أو يدير كل منشأة اقتصادية تقع ضمن مجال نفوذ الحرس. ولهذا فإن القول إن يزدي كان «يسيطر على 60 رصيفا» أو «يسيطر على بورصة طهران» يحتاج إلى أدلة محددة لا تتوافر في المصادر التي أمكن التحقق منها. والتحليل الجاد لا يحتاج إلى المبالغة. قوة الحرس السياسية كبيرة بما يكفي دون اختراع ملكيات شخصية لقادته.
بعد طهران: خروج من القيادة، لا خروج من التاريخ
في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، غادر يزدي قيادة فيلق محمد رسول الله في طهران، وحل حسن حسنزاده محله. وفي الفترة نفسها أُعلن عن تعيين يزدي نائبا لقائد الباسيج. وهنا يجب تصحيح صورة ما تزال تتكرر في بعض الكتابات: يزدي ليس قائد الحرس في طهران اليوم. لكن مغادرته قيادة الفيلق لا تمحو الدلالة السياسية للسنوات التي قضاها فيها. لقد كانت تجربته واحدة من حلقات التحول الأوسع في وظيفة الحرس الثوري: من مؤسسة ثورية مسلحة، إلى مؤسسة عسكرية، إلى لاعب سياسي، ثم إلى جهاز له حضور عميق في الأمن الداخلي والمجال الاجتماعي. ويزدي، بهذا المعنى، ليس القصة كلها. لكنه أحد أكثر فصولها دلالة.
وإذا جاءت لحظة الخلافة؟
هنا يجب أن تتوقف الصحافة عند حدود المعرفة. لا توجد أدلة علنية كافية تسمح بالجزم بأن محمد رضا يزدي سيكون الرجل الذي «يمسك طهران» عسكريا إذا دخل النظام الإيراني في أزمة خلافة. لكن يمكن قول شيء أكثر أهمية وأقل ادعاء. رجل أمضى مسيرته في الحرس، وعرف الجبهة، والقيادة، والبرلمان، والقانون، والباسيج، وأمن العاصمة، يمتلك خبرة مؤسسية تجعل سيرته ذات أهمية عند دراسة أي أزمة مستقبلية قد تضرب مركز الدولة. هذه ليست نبوءة. إنها قراءة للمؤسسة. فالخلافة في إيران، إذا أصبحت يومًا أزمة مفتوحة، لن تُحسم فقط داخل قاعات المؤسسات الدينية والسياسية. سيكون للأجهزة العسكرية والأمنية وزن حاسم في حماية المراكز الاستراتيجية، وضبط العاصمة، ومنع تفكك السلطة. وهنا تظهر قيمة دراسة رجال مثل يزدي. ليس لأنهم بالضرورة سيصبحون أصحاب القرار النهائي، بل لأنهم ينتمون إلى الطبقة التي تعرف كيف تترجم القرارات السياسية إلى قوة على الأرض.
الجنرال الذي يكشف بنية النظام
قد يكون الخطأ الأكبر هو اختزال محمد رضا يزدي في لقبه أو شاربه أو صورته العسكرية. فالأهم في الرجل ليس مظهره. الأهم هو المسار. بدأ من الحرب. ثم دخل إلى صلب الجهاز المؤسسي للحرس. انتقل إلى القانون والبرلمان. ثم عاد إلى قيادة أمن العاصمة. ومن موقعه، ساهم في توسيع حضور الحرس والباسيج من المجال العسكري إلى الأحياء والشوارع والمجال الاجتماعي. وهذا المسار يقول شيئًا أكبر من سيرة رجل. إنه يقول شيئا عن الجمهورية الإسلامية نفسها. فالحرس الثوري لم يعد، منذ زمن طويل، مجرد جيش داخل الدولة. لقد أصبح أحد المكونات التي تعيد تعريف حدود الدولة والأمن والمجتمع. ومحمد رضا يزدي هو أحد أبناء هذه المدرسة. لذلك، إذا كان البعض يسميه «أبو شوارب»، فإن اللقب يبقى تفصيلا بصريا في قصة أكثر عمقًا. القصة الحقيقية هي قصة جنرال لم يصنع شهرته في العواصم الأجنبية، بل في معرفة العاصمة الإيرانية من الداخل. جنرال طهران، لا جنرال الخارج. وهذه، في الجمهورية الإسلامية، قد تكون واحدة من أكثر الصفات دلالة على الإطلاق.
