منظومة الاتصال والإعلام الإيرانية: بين احتكار الدولة وإحكام السيطرة على المجال المعلوماتي

مذكرة تحليلية بقلم د, عبد الرحمن مكاوي-باريس


لا يمكن قراءة المشهد الإعلامي والاتصالي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوصفه مجرد قطاع من قطاعات الدولة، أو باعتباره مجموعة من المؤسسات التي تتولى بث الأخبار والترفيه وتقديم الخدمات المعلوماتية؛ ذلك أن منظومة الاتصال في إيران تمثل، في جوهرها، أحد الأعمدة المركزية لبنية السلطة ذاتها. فالإعلام هناك ليس فضاءً محايدا تتنافس داخله الأصوات والاتجاهات بقدر ما هو مجال سيادي شديد الحساسية، تحرص الدولة على ضبط منافذه، والتحكم في تدفقاته، وتحديد سقوفه، وإعادة تشكيله كلما اقتضت الضرورة السياسية أو الأمنية ذلك. ومن التلفزيون والإذاعة إلى الصحافة، ومن الشبكات التقليدية إلى الفضاء الرقمي، تبدو البنية الإيرانية قائمة على قاعدة واحدة: الإبقاء على قنوات الاتصال الحيوية تحت مظلة الدولة، مع السماح بهوامش محدودة ومدروسة لا تهدد جوهر السيطرة. وهكذا نشأت منظومة يمكن وصفها بأنها «مغلقة افتراضيا»؛ إذ لا يُنظر إلى الانفتاح الإعلامي باعتباره الأصل، وإنما باعتباره مساحة قابلة للتقييد أو الإغلاق متى استدعت الظروف ذلك.

أولا: التلفزيون- إمبراطورية بث تحت مظلة الدولة

تحتل هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية IRIB موقعا محوريا في منظومة الاتصال الجماهيري، باعتبارها المؤسسة الحكومية الرئيسية التي تدير البنية التلفزيونية الرسمية. وبحسب البيانات المتاحة، يمكن تقدير حجم المنظومة التلفزيونية التابعة لـIRIB بنحو 77 قناة موزعة بين المستويات الوطنية والمحلية والدولية. وتشمل هذه المنظومة، وفق التصنيف المتداول:

21 قناة وطنية؛

12 قناة محلية/داخلية؛

4 قنوات إخبارية دولية؛

_6 قنوات موجهة إلى الخارج عبر الأقمار الصناعية؛

30 قناة إقليمية ومحلية؛

33 قناة أرضية رقمية إقليمية.

والدلالة الأهم في هذه الأرقام ليست كثرة القنوات فحسب، بل طبيعة ملكيتها وبنيتها المؤسسية. فالسوق التلفزيونية الوطنية لا تقوم على تعددية خاصة مماثلة للنماذج الإعلامية الغربية؛ إذ تظل منظومة البث التلفزيوني الداخلي خاضعة بصورة أساسية للهيكل الرسمي. أما القنوات الأجنبية الناطقة بالفارسية، مثل BBC Persian وIran International وManoto وGEM TV، فتصل إلى الجمهور الإيراني من خارج الإطار الرسمي، وتتعامل معها السلطات باعتبارها جزءا من المجال الإعلامي الخارجي المنافس، مع استمرار القيود على استقبالها وتداول محتواها داخل البلاد. ومن ثم، فإن المعادلة التلفزيونية الإيرانية لا تقوم فقط على إنتاج المحتوى، وإنما كذلك على التحكم في بوابة الوصول إليه.

ثانيا: الصحافة – تعدد في العناوين، تضييق في المجال

يبدو المشهد الصحفي الإيراني، للوهلة الأولى، أكثر تنوعا من المشهد التلفزيوني؛ فهناك عشرات الصحف والمجلات والدوريات المرخصة، وتتباين بينها الاتجاهات السياسية والمدارس التحريرية. وتشير البيانات المتاحة لعام 2024 إلى وجود نحو 120 صحيفة أسبوعية ويومية مرخصة، مع غياب رقم رسمي موحد ونهائي يمكن اعتباره مرجعا حصريا لعام 2025. غير أن وجود عدد كبير من العناوين لا يعني بالضرورة وجود تعددية إعلامية كاملة. فالمعيار الحاسم ليس عدد الصحف فحسب، وإنما مدى استقلالها عن مؤسسات السلطة، وحدود ما تستطيع نشره، والسقف السياسي والقانوني الذي تعمل داخله. وتبرز ضمن المشهد الصحفي الإيراني عناوين ذات ثقل سياسي واضح، من بينها:

كيهان (Kayhan): صحيفة ذات توجه محافظ متشدد، وتُعرف بقربها من الخط السياسي للمرشد الأعلى.

جوان (Javan):صحيفة مرتبطة بالمؤسسة السياسية والأمنية المحيطة بالحرس الثوري، وتحمل خطابا محافظا قويا

اطلاعات (Ettelaat): من أقدم المؤسسات الصحفية الإيرانية، وتمثل جزءا تاريخيا مهما من بنية الصحافة الإيرانية.

– كما تصدر مؤسسة IRIB صحيفة جام جم (Jam-e Jam)، التي تمثل الذراع الصحفية للمؤسسة الإعلامية الرسمية.

ويظل مجلس الرقابة على الصحافة أحد المفاتيح الأساسية لفهم حدود العمل الصحفي في إيران؛ إذ تخضع الصحف والمنشورات لنظام قانوني ورقابي يضع قيودا واضحة على ما يمكن نشره، ويجعل الرخصة الصحفية ذاتها جزءا من أدوات تنظيم المجال الإعلامي. وبذلك فإن التعدد العددي لا يساوي بالضرورة تعددا سياسيا مطلقا؛ إذ يمكن أن تتعدد المنابر، بينما تظل حدود الخطاب المسموح به محددة سلفا.

ثالثا: الإذاعة- شبكة واسعة تمتد من الداخل إلى الخارج

لا تقل الإذاعة أهمية عن التلفزيون في المنظومة الإيرانية، بل تشكل أحد أكثر أدوات الاتصال الجماهيري رسوخا، نظرا لقدرتها على الوصول إلى شرائح واسعة داخل البلاد وخارجها. وتشير البيانات المتاحة إلى وجود نحو 12 محطة إذاعية موجهة إلى الجمهور الداخلي ضمن منظومة IRIB، إلى جانب شبكة واسعة من المحطات والبرامج الموجهة إلى الخارج عبر IRIB World Service. وبحسب التصنيف الوارد في البيانات محل الدراسة، يصل مجموع القنوات والمحطات الإذاعية الرسمية إلى نحو 86 قناة إذاعية عند احتساب المكونات الوطنية والمحلية والدولية. وإلى جانب البنية الرسمية، تبرز أيضا شبكة من الإذاعات المحلية ذات الطابع التعبوي والاجتماعي، بما فيها مبادرات مرتبطة بالبسيج، يقدَّر عدد بعضها بنحو 240 إذاعة محلية منخفضة القدرة. وتكتسب هذه الشبكات أهمية خاصة في حالات الأزمات، لأنها لا تقوم بمجرد وظيفة إعلامية، بل يمكن أن تتحول إلى أداة تعبئة محلية، وتوجيه للرأي العام، وتثبيت للرسائل الرسمية على المستوى المجتمعي المباشر. وهنا تظهر إحدى خصائص النموذج الإيراني: فالدولة لا تعتمد فقط على المنابر الوطنية الكبرى، وإنما تبني أيضا شبكة اتصال متعددة الطبقاتتمتد من المركز إلى الإقليم، ومن العاصمة إلى الحي.

رابعا: الأنترنت – المعركة الحقيقية حول «مفتاح الاتصال»

إذا كانت السيطرة على التلفزيون والإذاعة والصحافة قد شكلت ركنا تقليديا في السياسة الإعلامية الإيرانية، فإن الإنترنت يمثل الميدان الأكثر تعقيدا وحساسية. فالفضاء الرقمي لا يمكن التحكم فيه بالطريقة نفسها التي يمكن بها التحكم في قناة تلفزيونية أو صحيفة؛ ولذلك اتجهت إيران إلى بناء بنية تحتية رقمية تسمح لها، عند الحاجة، بتضييق الفجوة بين الأنترنت العالمي والشبكة الوطنية. وتأتي الشبكة الوطنية للمعلومات (National Information Network) في قلب هذا التصور، بوصفها بنية رقمية وطنية تسعى السلطات من خلالها إلى ضمان استمرار الخدمات الرقمية الداخلية حتى في حالات تقييد الاتصال بالشبكة العالمية. ومن منظور أمني، تمنح هذه البنية الدولة ميزة استراتيجية بالغة الأهمية: القدرة على التفريق بين بقاء الخدمات الداخلية وبين الوصول إلى الفضاء العالمي المفتوح. وهذا يعني أن قطع الاتصال الخارجي لا يستلزم بالضرورة انهيار جميع الخدمات الرقمية داخل البلاد. وقد أظهرت الاحتجاجات والأزمات السابقة أن السلطات الإيرانية تمتلك القدرة على اللجوء إلى إجراءات واسعة النطاق لتقييد الاتصال العالمي، مع الإبقاء بدرجات متفاوتة على بعض الخدمات والشبكات المحلية.

خامسا: المنصات الوطنية – محاولة بناء بديل محلي

في موازاة تقييد بعض المنصات الأجنبية، طورت إيران منظومة من التطبيقات المحلية، من أبرزها إيتا (Eitaa) وبله (Bale)، بهدف توفير بدائل محلية للخدمات التي تقدمها تطبيقات المراسلة العالمية. وتتجاوز أهمية هذه التطبيقات وظيفتها التقنية البحتة؛ فهي جزء من مشروع أوسع يرمي إلى إبقاء جزء من حركة البيانات والاتصالات داخل البيئة الرقمية الوطنية. وكلما ازداد اعتماد المستخدم على المنصات المحلية، ازدادت قدرة الدولة على التحكم في البنية التقنية التي تمر عبرها الاتصالات والخدمات والمحتوى. وتكمن المفارقة في أن التكنولوجيا التي تبدو، في ظاهرها، أداة لتحرير الاتصال، يمكن أن تتحول في بيئة مغلقة إلى أداة لإعادة هندسة الاتصال نفسه.

سادسا: البنية المنزلية والتلفزيون المتصل

تظهر مؤشرات الأجهزة المنزلية بدورها اتساع حضور التكنولوجيا الرقمية داخل البيوت الإيرانية. وتشير البيانات المتاحة إلى نحو 28.1 مليون أسرة لديها أجهزة تلفزيون، من بينها قرابة 5.3 ملايين جهاز تلفزيون ذكي، أي ما يقارب 19% وفق الأرقام الواردة في المادة المرجعية. كما تشير البيانات إلى نحو 2.9 مليون جهاز متصل بتقنيات HbbTV. وتكتسب هذه الأرقام دلالة تتجاوز الجانب التقني، لأن التلفزيون لم يعد مجرد شاشة تستقبل البث التقليدي؛ بل أصبح نقطة اتصال هجينة تجمع بين البث التلفزيوني، والخدمات الرقمية، والمحتوى الشبكي. وبذلك تتحول السيطرة على البنية التلفزيونية تدريجيا إلى مسألة تتصل أيضا بالبيئة الرقمية الأوسع.

سابعا: من «الرقابة» إلى «القدرة على القطع»

ربما تكون العبارة الأكثر دقة في وصف النموذج الإيراني هي أن الدولة لا تكتفي بمحاولة التأثير في ماذا يرى المواطن وماذا يقرأ، بل تسعى كذلك إلى الاحتفاظ بالقدرة على تحديد متى وكيف يستطيع الوصول إلى العالم الخارجي. وهذه نقلة نوعية. فالرقابة التقليدية تعني اعتراض المحتوى أو منعه أو معاقبة ناشره؛ أما التحكم في البنية التحتية للاتصال فيمنح الدولة سلطة أعمق: التحكم في القناة التي يمر عبرها المحتوى أصلا. ومن هنا تأتي أهمية الشبكات الوطنية، ومراكز البيانات المحلية، والمنصات الإيرانية، وأنظمة حجب المواقع، والقيود على الشبكات الخاصة الافتراضية، وغيرها من أدوات إدارة الفضاء الرقمي. وفي أوقات الأزمات، يصبح الإنترنت نفسه جزءا من الحسابات الأمنية؛ إذ يمكن الانتقال من حالة اتصال واسعة إلى حالة اتصال مقيدة، أو إلى فصل جزئي عن الشبكة العالمية، مع الحفاظ على قدر من الخدمات المحلية.

ثامنا: الإعلام في زمن الحرب – منظومة متعددة الطبقات

في ظروف الحرب أو الاضطراب الداخلي، تتضح الوظيفة الاستراتيجية لهذه البنية بأكثر صورها حدة. فالمنظومة الإيرانية تمتلك، نظريا وعمليا، عدة طبقات متكاملة:

الطبقة الأولى: التلفزيون الرسمي
لتثبيت الرواية الرسمية وتوحيد الرسائل الموجهة إلى الجمهور.

الطبقة الثانية: الإذاعة
للوصول إلى الجمهور بصورة مستمرة، بما في ذلك البيئات التي قد تتأثر فيها خدمات الإنترنت أو الاتصالات الرقمية.

الطبقة الثالثة: الصحافة
لتفسير الأحداث وصياغة الخطاب السياسي وإعادة إنتاج الرواية الرسمية أو المحافظة ضمن أطر مختلفة.

الطبقة الرابعة: الشبكات الوطنية والمنصات المحلية
للحفاظ على جزء من البنية الرقمية الداخلية حتى في حال تقييد الاتصال الخارجي.

الطبقة الخامسة: القيود التقنية والأمنية
لإضعاف قدرة المنصات الخارجية ووسائل الاتصال البديلة على اختراق المجال المعلوماتي المحلي.

وهكذا لا تبدو المسألة مجرد «سيطرة إعلامية»، بل أقرب إلى هندسة متكاملة للبيئة المعلوماتية.

الخلاصة التقديرية

تكشف الأرقام المتاحة عن منظومة إعلام واتصال ضخمة ومتعددة المستويات، لكن قوتها الحقيقية لا تكمن في العدد وحده. فوجود نحو 77 قناة تلفزيونية رسمية، ونحو 86 قناة إذاعية وفق منهجية العد المعتمدة في هذه الدراسة،وحوالي120صحيفة ودورية مرخصة لا يعني أن الدولة تملك فقط عددا كبيرا من المنابر؛ بل يعني أنها تمتلك شبكة واسعة من نقاط التحكم في تدفق المعلومات. أما الإنترنت، فهو الحلقة الأكثر حساسية في هذه المنظومة. فقد أدركت السلطات الإيرانية أن السيطرة على الإعلام التقليدي لم تعد كافية في عصر الهواتف الذكية والمنصات العابرة للحدود، ولذلك اتجهت إلى بناء بنية رقمية تستطيع من خلالها تقليص الاعتماد على الشبكة العالمية، وتوسيع الاعتماد على الخدمات المحلية، ورفع القدرة على الحجب أو الفصل عند الضرورة. ومن هنا يمكن تلخيص النموذج الإيراني في معادلة واحدة: التلفزيون يصوغ الرواية، والإذاعة توسّع نطاقها، والصحافة تؤطرها، والمنصات المحلية تحافظ عليها، أما التحكم في الإنترنت فيمنح الدولة مفتاح فتح المجال المعلوماتي أو إغلاقه.

وعليه، فإن وصف إيران بأنها «نظام اتصال مغلق افتراضيا» ليس مجرد توصيف إعلامي، بل يعبر عن بنية أمنية وسياسية متكاملة، تتداخل فيها المؤسسات الإعلامية مع البنية التحتية الرقمية، وتتقاطع فيها اعتبارات السيادة مع اعتبارات الأمن الداخلي. إن جوهر القوة هنا ليس في امتلاك الدولة عشرات القنوات والمحطات والصحف فحسب، وإنما في امتلاكها القدرة على إدارة البيئة التي تنتج فيها المعلومات، والبيئة التي تنتقل عبرها، والبيئة التي يصل إليها المواطن في نهاية المطاف. وفي أوقات الحرب والأزمات تحديداً، تتحول هذه القدرة إلى عنصر من عناصر القوة الوطنية: من يملك المنصة يملك الرواية، ومن يملك البنية التحتية يملك إيقاع الاتصال، ومن يملك مفتاح الشبكة يستطيع أن يحدد حدود العالم الذي يصل إلى المواطن.

ملاحظة منهجية

الأرقام الواردة أعلاه هي أرقام تقديرية مبنية على البيانات المتاحة حتى أواخر 2024 وبدايات 2025، ولا سيما ما نُسب إلى تقارير IRIB وبيانات قطاع الإعلام الإيراني ودراسات HbbTV وتقارير FDD.وينبغي التعامل مع بعض الإجماليات، خصوصا أعداد القنوات الإذاعية والصحف وأرقام مستخدمي التطبيقات، باعتبارها تقديرات تحتاج إلى تدقيق مستقل ومقارنة بين المصادر الأولية قبل اعتمادها في وثيقة رسمية أو تقييم استخباري نهائي.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *