نون والحرب

بقلم الشاعرة الفلسطينية كفاح الغصين-غزة

هذي أنا…
تلك الصغيرة في ثياب الجلنار
أجثو بباب الخيمة الرمضاء
أحبو فوق نار

أحثو على وجهي بقايا ما تناثر
من ركام في الجوار
كفي تلملم ما تساقط من رغيف يابس
سقطت حوافه في المدار
وأصابعي العكفاء تفرك ما تعلق بالضفيرة
من دخان، من حصى
من عنكبوت ماسخ صعد الدمار

هذي أنا…
تلك الصغيرة لا حليب يسد جوعي
لا سكاكر
لا تعاويذ لنومي
لا هدهدات تصحب الغزلان في مهدي
وتلقمها الثمار

وحدي أشيب بكل فجر كالحكايات الغبية
يذوب عمري كالجليد
وحدي أموت كما الخرافات البعيدة
كالأميرة في رؤى الأقزام
فرساني الصغار
في حجرتي الوردية اللون التي ظلت هناك
عرائسي تبكي غيابي
تحت أكوام المرايا والجدار

هذي أنا…
تلك الصبية في ثياب من تراب
أجثو بباب الخيمة الرمضاء
يسندني الضباب.
كفي تلملم ما تناثر من دفاتر فارغات من حروفي
فارغات من أصابع كن قبلها
مثقلات بالخضاب

هذي أنا…
وشمي، وحنائي، ومسكي
ظل في بيتي الذي أضحى
خليطا من دمار، ورماد، ومسامات طرية
تحت باب
وحقيبتي الفضلى، فساتيني
حكاياتي وفناجيني المزركش…
كلّها علقت بمسمار قديم في السراب

وحدي أئن كما السواقي كلما
أهدرت دمعي
ثم فاجأني اليباب
هذي أنا
نهشت تفاصيلي تفاصيل النزوح
تجذرت في الروح،
سربلت الحنايا…
لم يعد في جعبتي غير العذاب

هذي أنا…
تلك العجوز المكفهرة في ثياب من حنين
أجتر في وهن وجوه الغائبين
وجوه أبنائي وأحفادي
الذين تركتهم طينا تمزق جوف طين
بالكف مفتاحان:
مفتاح لبيتي – كان قبل النكبة الأولى، بيافا –
ثم ظل هناك، يحرس أمنيات البرتقال
والثاني لبيتي في الشمال
تركته يرغي
ويزبد كالطنين

بيدي قلّمت الكروم، جبلتها بدم الحياة،
وعندما حان القطاف
دفنت أحفادي عناقيد على مرأى السنين.
هذي أنا
تلك العجوز المكفهرة
لم يعد لي غير أوتاد النزوح
وخيمتي الحبلى بدمع العمر
والذكرى
وطوفان الحنين

هذي أنا...
تلك العجوز المكفهرة
ومعي الصغيرة، والصبية
نجثو على أبواب خيمتنا كطوق الياسمين
نحن الشواهد للقبور المشرعات
نحن الحكايا الباكيات
نحن الضفائر حين مزقها الشتات
نحن البواكي، الفاقدات، المؤنسات
ونحن – في الحرب الضروس – الحارسات
على قبور الغائبين
نحن الزنابق
نحن بيارات من رحلوا، ومن ظلوا
ومن يستلهم عشق البلاد
نحن الحنين

2 thoughts on “نون والحرب

  1. وجع، ألم، مأساة تم التشييد لها على أساس القوة والتقنية التي تتكلم لغة الدمار والإبادة للبشر والحجر والحيوان والنبات..تقنية الموت وإبادة الحق في الإقامة على أرض مسقط الرأس والذاكرة والتاريخ لشعب تاريخي.

  2. ‏Rester debout dans la dignité face aux atrocités qui n’atteignent pas la beauté des âmes. Merci et mille mercis pour ces paroles pleines de forces et qui ne perdent l’horizon de la justice victorieuse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *