بقلم الدكتور عيسى بابانا العلوي
” وبصفتنا أميرا للمؤمنين، نود التأكيد على أنه بقدر ما نحن مؤتمنون على حماية حقوق الأفراد والجماعات، فإننا بنفس القدر مسؤولون على صيانة مقدسات الإسلام، وحمايته من أي تطاول أو استغلال.” (جلالة الملك محمد السادس، خطاب العرش : 30 يوليوز 2003)
” إن المغرب لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتنكر لهويته الإسلامية. إن الإسلام في هذا البلد ليس مجرد ممارسة عابرة، بل هو الركيزة الأساسية التي يقوم عليها وجودنا الوطني، وليس لأحد الحق في تحريف جوهره أو الإساءة إلى تعاليمه، لأن المساس بالإسلام هو مساس باستمرارية الأمة المغربية ذاته”. (جلالة الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، في الخطاب السامي الذي ألقاه أمام المجلس العلمي الأعلى بالرباط، سنة 1981)
أولا: الاستهلال- صرخة الضمير الجريح
إن حرمة النبي محمد ﷺ وقداسته تمثل حجر الزاوية في الإيمان الإسلامي، والركنَ الراسخ الذي تتماسك به الهوية الروحية المغربية. وإن المساس بكرامته ليس مجرد إساءة إلى شخصية دينية، وإنما هو مساس بجوهر الوعي الجمعي لشعبٍ تشكل تاريخه، وترسخت ثقافته، وانتظمت مؤسساته على أساس الوفاء للعهد النبوي، والتعلق بإمارة المؤمنين. إن موجة الاستنكار التي تعبر مجتمعنا اليوم ليست مجرد انفعال عاطفي عابر، ولا ردَّ فعلٍ وقتيًا سرعان ما يخبو أثره. إنها انتفاضة مشروعة، عميقة، نابعة من صميم الوجدان، لجماعة مؤمنة أُصيبت بالإهانة والجراح في أعز ما لديها، إزاء استفزازات ساخرة، متعمدة، ومقصودة، صدرت عن محمد الفايد.
وإن هذا الشعور بانتهاك حرمة المقدسات يقتضي ردًا حازمًا لا مواربة فيه، تتسلح فيه حرارة الإيمان بصرامة العقل، وتستند فيه قوة الغيرة على المقدس إلى سلطان الحجة والبرهان، حتى ينكشف الزيف، وتسقط دعوى التخصص والعلم التي لا يسندها علم ولا منهج. لقد ارتدّ كل لفظ نطق به هذا الرجل في وجدان المغاربة كأنه انتهاك لحرمة مقدسة، ووقع في القلوب موقع الجرح والإهانة. وأمام هذا القدر من الإسفاف، يغدو الصمت ضربًا من ضروب التواطؤ، أو على أقل تقدير تخليًا عن واجب الشهادة. ومن ثم فإننا نرفع صوتنا، لا رغبة في الدخول في جدال – إذ ليس كل ما يُقال جديرًا بأن يكون موضوعًا للجدال، ولا تكون الإهانة حجة حتى تُجادل – وإنما من أجل إعادة الحقيقة إلى نصابها، ووضع الأمور في مواضعها، والمطالبة بالعدل والإنصاف.
ثانيا: القطيعة الإبستيمولوجية – من العلاج بالنباتات إلى اغتصاب اختصاص العلوم الشرعية
إن أول أوجه الإساءة التي صدرت عن محمد الفايد يتمثل في خرقه الصارخ لأصول الأخلاق العلمية وقواعد السلوك الأكاديمي. فإن غرور رجل ينصّب نفسه عالما بالعلوم الإسلامية، من غير أن يمتلك مفاتيحها المنهجية وأدواتها العلمية، لا يمثل مجرد اجتهاد شخصي في غير ميدانه، بل يرقى إلى صورة جسيمة من صور التزييف الأكاديمي، وإلى خطأ إبستيمولوجي فادح. فثمة حدّ فاصل، واضح، بين العلوم التجريبية والعلوم المستمدة من الوحي. فدراسة العلاج بالنباتات، وعلم الأحياء، وعلوم التغذية، تقوم أساسا على ملاحظة المادة، والظواهر القابلة للرصد والقياس، وعلى التجربة والاختبار، وعلى ما يخضع لقوانين التغير والتبدل والفناء. أما العلوم الإسلامية (علوم الدين) – سواء تعلق الأمر بعلم التفسير (التفسير)، أو بعلم نقد الروايات وأصولها ومصطلحاتها (مصطلح الحديث)، أو بعلم الفقه وأصوله (الفقه وأصول الفقه) -فإنها تقوم على منظومة دقيقة من القواعد اللغوية والأصولية والنقلية والنقدية والتأويلية، بلغت من التعقيد والدقة مبلغًا راكمته قرون طويلة من النظر العلمي والاجتهاد والتأصيل. إن اقتحام مجال تفسير النص المقدس، اعتمادا على مجرد معرفة بالنباتات، أشبه بمحاولة إجراء جراحة دقيقة في الدماغ باستخدام أدوات البستنة. إنها، في حقيقتها، فوضى منهجية مدمرة، تتجلى في جملة من المظاهر:
– الفوضى المنهجية
إن المتهم يتناول النصوص بعيدا عن سياقاتها النصية (السياق) والتاريخية والعلمية، ويتجاهل الملابسات التي أحاطت بنزول النصوص (أسباب النزول)، فيخلط خلطًا فادحًا بين النقد العلمي الرصين وبين التجريح المنهجي والتقويض المتعمد. فالنقد العلمي يبحث عن الحقيقة، أما التجريح الذي يتخفى في ثوب النقد فلا يبحث إلا عن موطن للطعن.
– زيف التحول الذاتي إلى سلطة علمية
إن أن ينصّب الإنسان نفسه مصلحًا أو عالمًا في مجال لم يستوفِ أدواته ولم يتلقَّ أصوله على أيدي أهل الاختصاص، ولم تثبت كفاءته فيه أمام أقرانه، ولم يحصل على ما يثبت أهليته العلمية (الإجازة)، إنما هو صورة من صور انتحال الصفة العلمية واغتصاب سلطة معرفية لا يستحقها. فالعلم ليس لقبًا يمنحه المرء لنفسه، ولا مقامًا يكتسبه بمجرد الظهور أمام الجمهور، وإنما هو أهلية تُبنى بالتكوين، والتأصيل، والتحقق، وشهادة أهل الاختصاص.
– النرجسية في مواجهة العلم
إن استبدال صرامة البحث والاجتهاد الفقهي (الاجتهاد) بخطاب استعراضي يقوم على التفكيك المسرحي والهدم السهل، لا يدل، في ذاته، على عقلية حديثة أو نزعة تنويرية، وإنما قد يكشف عن جهل عميق بأصول المنهج، حين يتحول طلب المعرفة إلى سباق محموم وراء الشهرة والحضور والانتشار في الفضاء الرقمي.
ثالثا: الحُجّة الروحية – تفنيد الإساءة واستنهاض القلوب
إن الإساءة الموجهة إلى رسول الله ﷺ تكشف، في أقل تقدير، عن سوء فهم عميق لمكانة النبوة في الإسلام، أو عن موقف عدائي مستتر تجاهها. فالنبي ﷺ ليس مجرد شخصية تاريخية عابرة يمكن إخضاعها لمهاترات المجالس وأحاديثها؛ بل هو رسول الله، ومصدر الهداية والنور الروحي، والمثال الأعلى للكمال الإنساني، والأسوة الحسنة التي جعلها الله للمؤمنين. وبالنسبة إلى المؤمن، ولا سيما المواطن المغربي المتجذر في أصوله الروحية، فإن النبي ﷺ أعز عليه من نفسه ووجوده. وقد أعلن القرآن الكريم ذلك في أبلغ بيان: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ سورة الأحزاب، الآية 6 . فالمساس بذكره، والنيل من مقامه، والإساءة إلى كرامته، ليست أمورًا يمكن أن تمر في وجدان المؤمن مرورًا عابرًا، لأنها تمس جزءًا أصيلًا من هويته الروحية ووجدانه الإيماني.
– اعتداء على رمز الرحمة للعالمين
لقد وصف القرآن الكريم النبي ﷺ بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾
سورة الأنبياء، الآية 107 . فالهجوم على مقامه الشريف هو، في المنظور الإيماني، اعتداء على رمز عالمي للرحمة والسلام والعدل والسمو الأخلاقي، ذلك الرمز الذي ظل يهدي ويواسي ويمنح المعنى لمليارات البشر عبر تعاقب القرون.
– انتهاك عهد الأدب
لقد أقر الإسلام مبدأ الحوار، وفتح باب الاختلاف في الرأي (الاختلاف)، ولم يجعل التعدد في النظر مانعًا من طلب الحقيقة. لكنه، في الوقت نفسه، أقام الأدب (الأدب) شرطًا لا غنى عنه في القول والخطاب. ومن ثم فإن الأقوال التي تتسم بالاحتقار والاستعلاء والاستخفاف تنقض هذا العهد الأخلاقي، وتخرج بالاختلاف من دائرة الحوار إلى دائرة الإساءة. فهذه، في حقيقتها، ليست حججا ولا براهين، وإنما هي – في لغة النص الأصلي – بصقات تُلقى في وجه التاريخ والإيمان.
– الجرح الجماعي
كيف أمكن لهذا الرجل أن يتصور أنه يستطيع، من غير تبعات أو عواقب، أن يدوس على التدين الشعبي والعلمي لشعب بأكمله، وأن يستهين بوجدان أمة متجذرة في محبتها لنبيها؟ إن كلماته لم تفضِ إلى منافسة فكرية صحية، ولم تفتح بابًا لاختلاف علمي نافع، وإنما خلّفت في البيوت مشاعر من الحزن والإهانة، ونالت من ذاكرة أسلافنا الذين بنوا جانبًا عظيما من حياتهم الروحية على محبة رسول الله ﷺ وتعظيم مقامه.
رابعا: التكييف القانوني – فعل مستوجب للمساءلة الجنائية والدستورية
إلى جانب الخطأ الأكاديمي والانتهاك الروحي لحرمة المقدس، فإن التصريحات المنسوبة إلى محمد الفايد – بحسب مضمونها وسياقها – تنتقل، في الطرح الوارد هنا، إلى مجال المسؤولية القانونية والجنائية. فالقانون الوضعي المغربي، باعتباره أحد ضمانات السلم المدني وحماية النظام العام والقيم الدينية للمجتمع، يتضمن مقتضيات تجرّم بعض الأفعال والأقوال التي تتجاوز الحدود التي رسمها القانون. إن هذه الضرورة الملحة للاحترام المطلق لثوابتنا الدينية ليست مجرد التزام أخلاقي، بل هي عقيدة دولة راسخة تقع في أعلى هرم السلطة السياسية والمؤسساتية للمملكة. وكما أكد على ذلك بكل حزم وجلال، أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، في خطاب العرش لـ 30 يوليوز 2003 و الذي استهلنا به مقالنا هذا بالنص المعني، حيث ألح جلالة الملك بوضوح على مسؤوليته “على صيانة مقدسات الإسلام، وحمايته من أي تطاول أو استغلال” وبناءً عليه، فإن التطاول السافر للمشتكى به على مقام الجناب النبوي الشريف (ﷺ) يعد خروجاً عن النظام العام الروحي الذي تحميه إمارة المؤمنين، وتتحرك ضده ترسانة المملكة القانونية بوضوح تام: هذا وتتجلى المنظومة القانونية للمملكة المغربية، في هذا المجال، في جملة من المرتكزات:
– الحماية الدستورية
تنص المادة الثالثة من الدستور المغربي على أن: الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية ومن ثم فإن الإسلام يحتل مكانة دستورية متميزة في النظام الدستوري للمملكة، ويغدو المساس بالمقتضيات التي يحميها القانون في هذا المجال خاضعًا للتقييم وفقًا للقواعد الدستورية والقانونية ذات الصلة.
– التجريم المتعلق بالإساءة إلى الدين
يشير النص الأصلي إلى الفصل 267-5 من القانون الجنائي المغربي، باعتباره مقتضى يجرّم أفعالًا تمس بالدين الإسلامي عن طريق الأقوال العلنية أو الكتابات أو بوسائل النشر أو البث المختلفة. ومن ثم فإن تجاوز الحدود التي يضعها القانون في هذا المجال قد يرتب، بحسب طبيعة الفعل وتوافر عناصر الجريمة وشروطها القانونية، مسؤولية جنائية وعقوبات يحددها القانون.
– الاجتهاد القضائي في مجال المسؤولية
إن حرية التعبير، على أهميتها ومكانتها، ليست حقا منفصلا عن باقي الحقوق والحريات، ولا تُمارس في فراغ قانوني. فهي تخضع للضوابط التي يقررها الدستور والقانون، وتتوقف حيث تتحول ممارسة القول إلى فعل يحقق عناصر الإهانة أو القذف أو التشهير أو التحريض أو غير ذلك من الأفعال التي يجرّمها القانون. ومن ثم لا ينبغي أن تتحول حرية التعبير إلى ستار يحجب المسؤولية عن أفعال من شأنها الإضرار بالآخرين أو المساس بحقوقهم أو تهديد النظام العام.
– التحريض على الفتنة
إن نشر أطروحات استفزازية من شأنها أن تؤدي إلى تقسيم المواطنين، أو تأجيج العداء، أو إحداث اضطراب في السلم الاجتماعي، قد يثير، بحسب محتوى الخطاب وسياقه وآثاره وتوافر العناصر القانونية اللازمة، مسائل تتصل بالنظام العام والمسؤولية القانونية. ومن هذا المنظور، فإن أي خطاب يهدد التماسك الاجتماعي أو يسعى إلى زرع الفتنة والانقسام لا يمكن تقييمه بمعزل عن آثاره المحتملة على السلم العام وعلى الوئام داخل المجتمع.
خامسا: الخاتمة – نداء إلى الكرامة والعدالة
وخلاصة القول، فإن محمد الفايد، وفقًا للوقائع والاعتبارات التي يعرضها هذا النص، يكون قد جمع بين ثلاثة أوجه من التجاوز:
أولها: زيف علمي وفكري، من خلال تقديم نفسه في مقام العالم المتخصص في علوم لا تتوافر له – بحسب هذا الطرح – أدواتها العلمية والمنهجية؛
وثانيها: تجاوز روحي، من خلال المساس بما هو في صميم وجدان المؤمنين ومكانة النبي ﷺ في عقيدتهم؛
وثالثها: مخالفة قانونية محتملة، متى ثبت أن الأفعال أو الأقوال المعنية تستجمع العناصر التي يجرّمها القانون المغربي وتتحقق فيها شروط المسؤولية الجنائية.
وأمام هذا الانحراف الذي يراه النص هدّاما، فإن اللامبالاة ليست موقفا محايدا، وإنما قد تصبح، في بعض السياقات، ضربًا من ضروب التخلي عن المسؤولية الأخلاقية. ومن هنا فإننا نناشد، بكل جدية، مؤسساتنا الأكاديمية وعلماءنا وأهل الاختصاص أن ينهضوا بمسؤوليتهم العلمية والفكرية، وأن يعملوا على كشف هذا الزيف الفكري وتجريده من أي مشروعية علمية لا يستند إليها. كما نناشد، بكل حزم واحترام لاستقلال القضاء وأحكام القانون، العدالة المغربية، حارسة الحقوق والقيم في المملكة، أن تضطلع بدورها، حتى تظل كلمة القانون هي العليا، وحتى لا يتحول الإفلات من المسؤولية إلى عامل يشجع آخرين على تكرار مثل هذه الأفعال. فليكن هذا المطلب شهادة نابضة بوجدان جماعة ترفض أن ترى نبيها ﷺ يُساء إليه، وأن ترى إيمانها ومقدساتها تُتخذ مطية لنرجسية فرد يسعى إلى الإثارة والاستعراض وجذب الانتباه. إن كرامة عقيدتنا، واحترام رموزنا المقدسة، ومحبتنا لنبينا ﷺ، أمور غير قابلة للمساومة، وستظل كذلك إلى الأبد. و في ضوء كل ما سبق ، من الألف إلى الياء، فلا بد للعدالة أن تأخذ مجراها، إذا ما رأت مؤسسات الدولة الحكومية و الدينية و القانونية الرسمية ضرورة ذلك، و على رأسها النيابة العامة.
📲 Partager sur WhatsApp
Félicitations pour cette parution Bravo pour cet article majeur !