بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
حين يبدأ موسم الرئاسة الفرنسية قبل أن تفتح صناديق الاقتراع: التحالفات التي تمشي في الظل في فرنسا، لا تبدأ الانتخابات الرئاسية يوم يفتح الناخب ظرفه. تبدأ قبل ذلك بكثير. تبدأ حين يبدأ السياسيون في عد المقاعد الفارغة حول الطاولة، وحين تتحول الأحزاب من جزر صغيرة إلى خرائط تبحث عن قارة، وحين يدرك المرشح أن الانتخابات لا تربح دائما بمن يملك الصوت الأعلى، بل أحيانا بمن يستطيع أن يجعل أصواتا متباعدة تسمع بعضها بعضا. ولهذا فإن إعلان يانيك جادوت انضمامه إلى حملة رافاييل غلوكسمان ليس مجرد خبر انتخابي . إنه أول إشارة واضحة إلى أن ماكينة الرئاسيات الفرنسية بدأت تتحرك. غلوكسمان لم يكد يعلن ترشحه حتى ظهر جادوت إلى جانبه.
رجل البيئة القادم من اليسار الإيكولوجي يقول بوضوح إن مرشح البيئة، بصيغته الحالية، لا يملك القدرة على جمع اليسار ولا على «الفوز» في الانتخابات. ثم يضع خبرته في خدمة غلوكسمان، مكلفا خصوصا بالشق البيئي، وبصياغة مشروع «حالة طوارئ إيكولوجية» خلال المائة يوم الأولى. في السياسة الفرنسية، لا تكون المصافحة دائما مصافحة. أحيانا تكون حسابا. وأحيانا تكون رسالة. وأحيانا تكون اعترافا مبكرا بأن زمن التعدد المنفصل قد ينتهي قبل أن يبدأ السباق الحقيقي.
ربما يكون التحول الأهم في هذه اللحظة هو الانتقال من سؤال الهوية إلى سؤال القدرة. اليسار الفرنسي عاش سنوات وهو يطارد سؤالا مؤلما: من هو اليسار الحقيقي؟ البيئيون يقولون: نحن. الاشتراكيون يقولون: نحن. اليسار الراديكالي يقول: نحن. واليسار الاجتماعي الأوروبي يقول: نحن أيضا. لكن صندوق الاقتراع لا يمنح الجائزة لمن يملك التعريف الأكثر نقاء. إنه يمنحها لمن يستطيع أن يحول التشتت إلى قوة. وهنا تبدو خطوة جادوت ذات معنى بالغ. هو لا يقول إن أفكاره تغيرت فجأة. بل يقول شيئا أكثر براغماتية: أفكاري تحتاج إلى حامل سياسي يستطيع أن يصل بها إلى السلطة. وهذه لحظة نضج سياسي، أو هكذا تريد الرسالة أن تبدو. فالسياسة ليست مسابقة في نقاء العقيدة.إنها أيضا فن تحويل الفكرة إلى قرار. والقرار إلى مؤسسة. والمؤسسة إلى سياسة عامة.
رافاييل غلوكسمان يدخل السباق من منطقة سياسية شديدة الحساسية. ليس من السهل أن تخاطب في الوقت نفسه الناخب الاجتماعي، والأوروبي، والبيئي، والديمقراطي، وأن تحاول أن تقدم نفسك كبديل قادر على عبور الحواجز القديمة بين مكونات اليسار والوسط. لكن هذا بالضبط ما يجعل تحالفه مع جادوت ذا دلالة. جادوت يجلب معه قاموس البيئة. غلوكسمان يريد أن يقدم قاموسا أوسع: العدالة الاجتماعية. الديمقراطية. أوروبا. البيئة. والقدرة على الفوز. والكلمة الأخيرة هي الأكثر أهمية. لأن السياسة الفرنسية بدأت تدخل مرحلة لا يكفي فيها أن تقول: «أنا أمثل هذه الفئة». السؤال الذي سيطارد كل مرشح سيكون: هل تستطيع أن تجمع أكثر مما تمثل؟
هناك تحول عميق في معنى البيئة نفسها. قبل سنوات، كانت البيئة تدخل بعض البرامج السياسية مثل زهرة صغيرة في زاوية الصفحة. اليوم لم يعد ذلك ممكنا. الحرائق. الجفاف. موجات الحر. الفيضانات. أزمات الطاقة. أسعار الغذاء. تحولات الزراعة. كلها جعلت البيئة تغادر عالم الجمعيات والمهرجانات لتدخل غرفة القرار. حين يتحدث جادوت عن «حالة طوارئ إيكولوجية»، فهو لا يتحدث فقط عن أشجار وغابات. إنه يتحدث عن الدولة حين تستيقظ على سؤال: ماذا نفعل عندما يصبح المناخ نفسه عاملا سياسيا؟ كيف نحمي رجال الإطفاء؟ كيف نحمي السكان الهشين؟ كيف نعيد تصميم المدن؟ كيف نكيف البنية التحتية؟ كيف نحمي الزراعة؟ وكيف ندفع تكلفة التحول من دون أن يتحول الفقراء إلى الضحية الأولى؟ هنا تصبح البيئة سياسة اجتماعية. وتصبح السياسة الاجتماعية سياسة مناخية.
اختيار «المائة يوم الأولى» ليس بريئا. السياسي يعرف أن الوعود البعيدة تذوب بسرعة. أما المائة يوم فلها شكل الساعة. يمكن عدها. ومراقبتها. ومحاسبة صاحبها عليها. حين يقول جادوت إنه سيعد خطة للطوارئ البيئية للمائة يوم الأولى، فهو يحاول نقل البيئة من اللغة الاحتفالية إلى لغة البرنامج. وهذا مهم. لأن المواطن لا يعيش داخل البيان الانتخابي. يعيش داخل المدينة. داخل فاتورة الكهرباء. داخل موجة الحر. داخل الشارع الذي يغرق حين تهطل الأمطار. داخل المستشفى. داخل النقل العام. داخل الخبز الذي يرتفع سعره حين يضرب الجفاف الزراعة. البيئة ليست طبيعة خارجنا. لقد صارت، شئنا أم أبينا، جزءا من حياتنا اليومية. لكن هل يكفي أن يتحد المرشحون؟
هنا تبدأ الأسئلة الأصعب. التحالفات قد تجمع الأصوات. لكنها لا تجمع دائما القلوب. قد يجتمع السياسيون على طاولة واحدة بينما يظل ناخبوهم في غرف مختلفة. وهذا هو امتحان غلوكسمان. هل يستطيع أن يحول التقارب بين النخب السياسية إلى قصة انتخابية يفهمها المواطن؟ هل يستطيع أن يقول للناخب الفرنسي: لماذا ينبغي لك أن تختارني؟ لا يكفي أن يقول: أنا البديل عن اليمين. ولا يكفي: أنا أوروبي. ولا يكفي: أنا بيئي. ولا يكفي: أنا ديمقراطي. الناخب يريد شيئا أكثر صعوبة: ماذا سيتغير في حياتي؟ وهنا تبدأ الرئاسة الحقيقية. كل انتخابات رئاسية فرنسية هي، في جانب منها، معركة أفكار. لكنها في جانب آخر معركة هندسة. كيف توزع الأصوات؟ من يتحالف مع من؟ من ينسحب؟ من يبقى؟ من يورث ناخبيه لمن؟ من يستطيع أن يصل إلى الجولة الثانية؟ وهذه الجولة الثانية هي شبح يحوم فوق كل الحسابات. لأن المرشح لا يحتاج فقط إلى أن يكون قويا في معسكره. يحتاج إلى أن يكون قابلا للاستقطاب خارج معسكره. وهنا تكمن صعوبة المهمة. يمكن أن تكون محبوبا جدا داخل دائرة سياسية ضيقة، ثم تجد نفسك عاجزا عن عبور حدودها. الرئاسة الفرنسية لا تكافئ فقط الهوية. تكافئ القدرة على التمدد.
عندما يقول جادوت إن الإيكولوجيا السياسية في شكلها الانتخابي الحالي ليست قادرة على التجميع ولا على «الفوز»، فهو يوجه أيضا نقدا إلى المعسكر الذي جاء منه. هذه ليست مجرد مغادرة شخصية. إنها لحظة مراجعة. فماذا يحدث لحركة سياسية حين تشعر أن خطابها صار أكبر من قدرتها الانتخابية؟ هل تغير خطابها؟ أم تغير مرشحها؟ أم تبحث عن تحالف؟ أم تعترف أن قوتها الحقيقية ليست في الوصول إلى قصر الإليزيه، بل في فرض أجندتها على من يصل؟ السياسة تعرف كل هذه الإجابات. وقد يكون جادوت اختار الرابعة جزئيا: إذا لم تكن البيئة قادرة وحدها على الوصول إلى السلطة، فلتجعل نفسها ضرورية لمن يريد السلطة. وهذه ليست هزيمة بالضرورة. قد تكون طريقة أخرى للفوز. هذه من المفارقات الكبرى في الديمقراطية. ليس ضروريا أن تدخل قصر الحكم لكي تغير جدول أعماله. قد تدخل من الباب الخلفي للائتلاف. أو من برنامج المرشح. أو من البرلمان. أو من ضغط المجتمع. أو من حركة اجتماعية. جادوت يريد، من موقعه الجديد، أن يضع «حالة الطوارئ البيئية» داخل قلب المشروع الرئاسي. وهكذا قد تتحول البيئة من حزب يبحث عن رئيس إلى قضية تبحث عن رئيس يتبناها. الفرق جوهري. في الحالة الأولى: البيئة مرشح. وفي الثانية: البيئة شرط للحكم.
هناك دائما شيء لا تقوله البيانات الصحفية. وهو الماضي. السياسيون يتذكرون. والناخبون يتذكرون أكثر. كل تحالف جديد يحمل معه ذاكرة التحالفات القديمة. كل انسحاب يترك ظلا. كل ترشيح سابق يترك جرحا. وكل عبارة قيلت قبل سنوات يمكن أن تعود في لحظة انتخابية مثل شاهد خرج من قبره. لهذا فإن بناء جبهة سياسية ليس عملية جمع حسابية. ليست: 2 + 2 = 4. في السياسة قد تكون: 2 + 2 = 3. وقد تكون: 2 + 2 = 7. لأن الكيمياء بين الناخبين لا تشبه الحساب. قد يرى ناخب في التحالف قوة. ويراه آخر تنازلا. وقد يرى الثالث فيه نضجا. ويراه الرابع خيانة للمبادئ. وهنا تبدأ براعة الحملة. غلوكسمان لا يدخل السباق فقط من بوابة البيئة والعدالة الاجتماعية. هناك أوروبا. وهذه ورقة شديدة الحساسية في فرنسا. فرنسا بلد يشعر في الوقت نفسه بعمق انتمائه إلى أوروبا، وبقلق دائم من حدود السيادة الوطنية. ومن هنا يمكن أن يحاول غلوكسمان أن يقدم أوروبا ليس كإدارة بيروقراطية بعيدة، بل كأداة قوة: أوروبا تحمي. أوروبا تستثمر. أوروبا تفاوض. أوروبا تواجه القوى الكبرى. أوروبا لا تكون فقط سوقا، بل مشروع سيادة مشتركة. لكن هذا الخطاب سيواجه سؤالا بسيطا: هل يشعر المواطن الفرنسي أن أوروبا تحسن حياته؟ هذه هي المعركة. لأن المشروع الأوروبي حين ينزل من بروكسل إلى المطبخ يجب أن يجد ما يقوله.
إعلان جادوت قد يكون واحدا من الأحداث الأولى التي تكشف شكل الطريق. لكن الطريق طويل. والتحالفات الأولى ليست بالضرورة التحالفات الأخيرة. في الانتخابات الفرنسية، هناك دائما مرشحون يظهرون مبكرا ثم يختفون. وآخرون يبدأون من الهامش ثم يصبحون مركز المشهد. وآخرون يدخلون السباق لكي يتفاوضوا، لا لكي يفوزوا. وهذا ربما أحد أسرار السياسة: ليس كل من يعلن أنه يريد القصر يريد القصر فعلا. بعضهم يريد مقعدا على الطاولة. وبعضهم يريد برنامجا داخل برنامج. وبعضهم يريد أن يمنع مرشحا من احتكار معسكر كامل. وبعضهم يريد فقط أن يثبت أنه لا يزال موجودا. ولهذا فإن كل إعلان انتخابي ينبغي أن يقرأ على مستويين: ما يقوله السياسي. وما يريد أن يجعل الآخرين يفهمونه. الانتخابات لا تعيش على البرامج وحدها. تعيش على المشاعر أيضا. الخوف من التراجع. الخوف من الهجرة. الخوف من الغلاء. الخوف من المناخ. الخوف من الحرب. الخوف من فقدان الهوية. وفي الجهة المقابلة: أمل العدالة. أمل المستقبل. أمل أوروبا. أمل التحول البيئي. أمل دولة أكثر عدلا. والسياسي الذي يستطيع أن يمسك بالخوف من دون أن يستغله، وبالأمل من دون أن يبيعه وهما، قد يمتلك مفتاحا نادرا. لأن المواطن لا يريد فقط أن يعرف إلى أين ستذهب البلاد. يريد أن يعرف: هل سأكون بخير في الطريق؟
قد يبدو إعلان يانيك جادوت عن تأييده لرافاييل غلوكسمان تفصيلا في مسرح الانتخابات الفرنسية. لكن التفاصيل الأولى غالبا هي التي تكشف شكل المسرح. لقد تحرك أول حجر. وقد تتحرك بعده أحجار أخرى. قد يتوسع التحالف. وقد يضيق. قد تنضم أسماء. وقد تتراجع. وقد تظهر حسابات جديدة. لكن الرسالة وصلت: السباق إلى 2027 بدأ قبل أن يبدأ رسميا. وبدأت معه المعركة الأكثر أهمية: ليس من سيكون مرشح اليسار؟ بل: هل يستطيع اليسار أن يتوقف عن سؤال نفسه من يمثلني، ويبدأ في سؤال أكثر صعوبة: من يستطيع أن يجمعني؟ فالرئاسة ليست مسابقة لمن يحمل أكبر راية. إنها امتحان لمن يستطيع أن يجعل الرايات المختلفة ترفرف في اتجاه واحد. وفي السياسة، كما في البحر، لا يكفي أن تملك سفنا كثيرة. السؤال هو: هل تستطيع أن تجعلها تبحر نحو الميناء نفسه؟
📲 Partager sur WhatsApp