بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك إعلانات تسقط قبل أن تسقط المنتجات. وهناك صور لا تحتاج إلى أكثر من ثوان قليلة لكي تفتح في المجتمع بابا كان الجميع يفضل أن يتركه مواربا، حتى لا يدخل منه الهواء الثقيل الذي اعتدنا أن نسميه حياة. في إعلان لشركة Good Good لصالح شركة Callaway، تظهر لاعبة غولف محترفة تدفع بعنف إلى الأرض، بينما يوجه إليها رجل كلاما تهديديا يتعلق بعصا غولف جديدة. مشهد قصير، مصمم ليكون صادما أو ساخرا، لكنه خرج من شاشة الإعلان حاملا سؤالا أكبر من حجمه: هل أصبح العنف مادة جاهزة للضحك بمجرد أن وضعناه داخل إطار إعلان رياضي؟ الشركة سحبت الإعلان واعتذرت. Callaway عبرت عن خيبة أملها. وPGA Tour قال بوضوح إن العنف لا يمثل قيمه ولا التزامه بالاحترام والشمول. حسنا. ينبغي أن يسحب الإعلان. وينبغي أن تعتذر الشركة. لكنني لا أظن أن القصة تنتهي هنا لأن المسألة ليست أن امرأة سقطت في ملعب غولف. المسألة أنَنا، في هذا العصر الذي أنفق مليارات الدولارات على صناعة الحساسية تجاه الصورة والكلمة، ما زلنا نحتاج إلى أن تسقط امرأة أمام الكاميرا كي نكتشف أن العنف ليس نكتة. وهذا، في حد ذاته، أكثر إثارة للقلق من الإعلان. الغولف بريء من الحكاية. العصا بريئة. الملعب بريء. والإعلان، في النهاية، ليس إلا مرآة صغيرة لما يظنه صانعوه قابلا للعرض والبيع. المشكلة ليست في الغولف، وإنما في الخيال الذي قرر أن العنف يمكن أن يكون إكسسوارا كوميديا. لأن الإعلان لم يخترع العنف. هو فقط ارتكب خطأ أكثر فجاجة: جعله مرئيا. والمجتمع، في كثير من الأحيان، لا يغضب من العنف حين يقع، بل حين يرى نفسه فيه.
هناك عنف لا يحتاج إلى كاميرا. عنف في البيت، حيث يتحول الجدار إلى شاهد صامت، والباب إلى حارس أجوف، والمرأة إلى جسد مطالب كل يوم بأن يقدم تقريرا عن سبب بقائه حيا. هناك عنف اقتصادي يجعل امرأة تعمل اثنتي عشرة ساعة كي تشتري لأحد أبنائها حذاء، ثم تعود إلى بيتها لتكتشف أن الراتب قد تبخر قبل أن يصل. هناك عنف اجتماعي لا يرفع يده، لكنه يرفع أصبعه. وعنف ثقافي لا يصرخ، بل يبتسم. وعنف سياسي قد لا يضرب امرأة في وجهها، لكنه يضرب مستقبلها، وعملها، وصوتها، وحقها في أن تكون إنسانا كامل الأهلية. ثم نلتفت فجأة إلى شاشة إعلان ونقول: هذا عنف. نعم. لكنّه ليس العنف كلّه. إنه فقط العنف الذي عرف كيف يلبس بدلة إعلان.
المرأة التي سقطت في الإعلان امرأة رياضية، محترفة، تقف في فضاء يفترض أنه فضاء للمتعة والرفاهية والمنافسة. ومن الطبيعي أن ندافع عنها. لكنني، حين أرى هذه الصورة، أفكر في نساء لا توجد كاميرات حولهن. نساء لا يملكن ملعبا أخضر. ولا حقيبة غولف. ولا عقدا إعلانيا. ولا جمهورا يحتج من أجلهن. نساء يقفن كل صباح في أسواق المدن والقرى، يحملن أكياس القزبر والمعدنوس، وهن يحملن في الوقت نفسه اقتصاد بيت كامل فوق كتف لا تكاد تسنده الحياة. نساء يبعن الخضر تحت شمس لا تعرف العلاقات العامة. نساء يعدن إلى بيوت صغيرة، ومعهن حفنة نقود، ثم يقسمنها بين الخبز والحليب والدواء ومصاريف المدرسة، كأنهن يقسمن قمرا صغيرا بين كواكب جائعة. نساء يعملن في الحقول. في المعامل. في المطاعم. في البيوت. في المستشفيات. في الشوارع. في كل تلك الأماكن التي لا تملك رفاهية أن تقول: أنا ضحية. لأنها لو قالتها، ربما توقفت الحياة.
هذه النساء لا تسقط أمام الكاميرا. هي تسقط في الليل. ثم تنهض قبل الفجر. وهذا، في اعتقادي، أكثر أشكال البطولة قسوة. هناك عنف يترك كدمة، وهناك عنف يترك نظاما كاملا. الأول يمكن تصويره. الثاني يحتاج إلى فيلسوف. قد يضرب رجل امرأة، وهذا عنف واضح ومباشر. لكن ماذا نسمي حياة امرأة تضطر إلى قبول عمل مهين لأنها المعيلة الوحيدة لأسرتها؟ ماذا نسمي امرأة تعمل طوال اليوم ثم تعود إلى البيت لتجد أن كل ما قامت به يعد واجبا لا يستحق كلمة شكرا؟ ماذا نسمي امرأة يمنع عنها التعليم لأن العائلة قررت أن مستقبلها يجب أن يكون أقصر من مستقبل أخيها؟ ماذا نسمي امرأة يطلب منها المجتمع أن تكون قوية، صامتة، جميلة، صابرة، منتجة، أما مثالية، زوجة مثالية، موظفة مثالية، ثم يعاقبها إذا فشلت في واحد من هذه المستحيلات؟
ربما لا يكون ذلك عنفا بالمعنى القانوني المباشر. لكنه قد يكون عنفا بالمعنى الحضاري. والحضارات. قد تسقط أيضا حين يصبح الظلم عاديا. العنف الصريح يملك ميزة واحدة على الأقل: إنه يعرف نفسه. الرجل الذي يضرب يعرف أنه يضرب. أما المجتمع الذي يجعل المرأة تحمل عشرة أدوار في جسد واحد ثم يلومها لأنها تعبت، فقد لا يرى نفسه عنيفا على الإطلاق. وهنا تكمن الكارثة. أخطر العنف ليس دائما ذلك الذي يرفع قبضته. قد يكون ذلك الذي يرفع حاجبه. ذلك الذي يقول: هكذا هي الحياة. ذلك الذي يجيب المرأة حين تشكو: اصبري. ذلك الذي ينظر إلى فتاة تعمل في ظروف قاسية ثم يقول: الحمد لله أنّها تعمل. كان يمكن أن يكون وضعها أسوأ. وهذه العبارة الأخيرة، كم تبدو بريئة. لكنها في كثير من الأحيان ليست سوى وسادة نضعها تحت رأس الظلم كي ينام مرتاحا.
المفارقة أننا نحب الحديث عن المرأة بصفتها قضية. المرأة قضية. المرأة ضحية. المرأة تمكين. المرأة مساواة. المرأة عنف. المرأة مشاركة. المرأة كوتا. لكن المرأة قبل كل ذلك إنسان. وهذه الكلمة البسيطة هي أكثر الكلمات ثورية. حين تتحول المرأة إلى ملف، يسهل علينا أن نناقشها. وحين تعود إنسانا، يصبح علينا أن نصغي إليها. وهذا ما لا نفعله دائما. نحن نحب المرأة في الصور الكبيرة. نحبها حين تكون لاعبة غولف. نحبها حين ترتدي زيا رياضيا وتدخل ملعبا أخضر. نحبها حين تكون نموذجا للنجاح. لكن ماذا عن المرأة التي تجلس على رصيف شعبي وتبيع القزبر؟ هل نراها؟ هل نرى يديها؟ هل نرى التشققات التي صنعتها المياه والتراب؟ هل نرى ظهرها حين تنحني طوال النهار؟ هل نرى القلق الذي يصعد معها إلى البيت كل مساء؟ هل نعرف أن تلك السلة الصغيرة التي أمامها قد تكون آخر حصن بين أطفالها والجوع؟ هذه المرأة لا تحتاج إلى إعلان. تحتاج إلى مجتمع لا يجبرها على أن تكون بطلة كل يوم.
ثمة صورة تتكرر في خطابنا المعاصر: المرأة قوية. المرأة مقاومة. المرأة لا تستسلم. المرأة تستطيع كل شيء. جميل. لكنني أخشى أحيانا أن نستخدم هذه اللغة كي نتهرب من مسؤولية أخرى. إذا كانت المرأة قوية دائما، فلماذا نطالبها دائما بالمزيد؟ لماذا نمدح قدرتها على الاحتمال بدلا من أن نسأل: لماذا اضطرت إلى الاحتمال أصلا؟ هناك فرق هائل بين تمجيد القوة وبين إنهاء الحاجة إليها. أن نقول لامرأة: أنت قوية. قد يكون مديحا. لكن أن نبني مجتمعا لا يضطرها إلى استخدام قوتها كل يوم، فذلك عدل. المرأة لا ينبغي أن تكون قوية لكي تنجو من الحياة. ينبغي أن تكون الحياة أقل وحشية حتى لا تحتاج إلى أن تكون خارقة. لهذا لا أريد أن أشن حربا على شركة Good Good وحدها. لقد فعلت الشركة الشيء الصحيح حين سحبت الإعلان واعتذرت. ولا ينبغي أن تتحول المسألة إلى حفلة جلد لشركة أخطأت ثم اعترفت بخطئها. الدرس الأهم في مكان آخر. الإعلان يكشف لنا شيئا عن الاقتصاد الجديد للصورة: لكي تلفت انتباه الناس، ارفع الجرعة. لكي يضحكوا، ادفع المشهد خطوة أبعد. لكي يتذكروا الإعلان، اصنع شيئا لا يستطيعون نسيانه. وهكذا تصبح الصدمة عملة. ويصبح الألم محتوى. ويصبح العنف، حين يدخل غرفة الكتابة، مجرد فكرة يمكن اختبارها على الجمهور. هل سيضحكون؟ هل سيغضبون؟ هل سيشاركون الفيديو؟ هل سيصبح حديث الناس؟ وهنا يصبح السؤال مرعبا: إذا كان العنف قادرا على بيع الانتباه، فكم بقي بين الإعلان والمجتمع من مسافة؟
المشكلة ليست أن امرأة سقطت. المشكلة أننا نعيش في عالم تسقط فيه نساء كثيرات ولا يسمع أحد صوت سقوطهن. تسقط امرأة من التعب. تسقط من الفقر. تسقط من الخوف. تسقط من زواج مؤذ. تسقط من سوق عمل لا يرحم. تسقط من أمومة بلا سند. تسقط من مدينة لا توفر لها الأمان. تسقط من قانون لا تعرف كيف تصل إليه. ثم تنهض. وتذهب إلى عملها. وتشتري الخبز. وتغسل الملابس. وتطعم أبناءها. وتبتسم. لا أحد يصور ذلك. لا أحد يكتب عنه خبرا عاجلا. لا تتدخل هيئة رياضية. ولا شركة تعتذر. ولا شبكة إخبارية تضعه في مقدمة النشرة. لذلك ربما علينا أن نغير زاوية الكاميرا. ليس المطلوب أن نتوقف عن الاحتجاج على الإعلان. بل المطلوب أن نوسع مجال الرؤية. أن نرى المرأة التي لا يراها الإعلان. المرأة التي لا تسقط مرة واحدة أمامنا، بل تسقط ألف مرة في اليوم ثم تعيد بناء نفسها من الحطام.
قد يبدو الربط بين لاعبة غولف محترفة وبائعة قزبر غريبا. لكنه ليس كذلك. الغولف هنا ليس رياضة فقط. إنه فضاء اجتماعي له دلالاته. وبائعة القزبر ليست مجرد بائعة. إنها صورة أخرى للاقتصاد، وللجسد، وللعمل، وللهشاشة، وللبقاء. بينهما طبقات من العالم. لكن العنف يمكن أن يعبرها كلها. في مكان، يكون عنفا مصورا ومصمما ومحررا داخل استوديو. وفي مكان آخر، يكون عنفا اقتصاديا لا يحتاج إلى مخرج. وفي مكان ثالث، يكون عنفا منزليا لا يملك حتى تذكرة دخول إلى الخبر. وهذا هو السؤال الذي يجب أن يخرج من هذه الحادثة: هل نحن غاضبون من العنف؟ أم أننا غاضبون فقط من اللحظة التي يصبح فيها العنف غير قابل للتجميل؟
ربما حان الوقت لكي نعيد تعريف المرأة القوية. المرأة القوية قد تكون أيضا تلك التي تجلس على قارعة طريق، أمامها ربطة قزبر ونعناع ومعدنوس، وتفاوض على دراهم قليلة لكي تعود إلى أطفالها بشيء من العشاء. قد تكون تلك التي تحسب ما في جيبها ثلاث مرات قبل أن تشتري الزيت. وقد تكون تلك التي، رغم كل شيء، تقول لابنها: اذهب إلى المدرسة. هذه ليست صورا بطولية بالمعنى الذي تحبه الإعلانات. لكنها البطولة حين تنزع عنها الأضواء. لقد سحبوا الإعلان. وهذا جيد. لكنني لا أريد أن نغلق القصة بسطر عن شركة اعتذرت وشركة خاب أملها واتحاد رياضي أدان. لأن ذلك سيكون أسهل كثيرا من اللازم. أريد أن نحتفظ بصورة أخرى. امرأة على رصيف. سلة صغيرة أمامها. قزبر ومعدنوس. يد خشنة. وجه متعب. وشمس تمضي فوقها كما لو أنها لا تعرف أن هناك فرقا بين امرأة وامرأة. هذه المرأة أيضا تحتاج إلى أن نرى عنف العالم الواقع عليها. لكن الفرق أنها لا تملك فريق علاقات عامة. ولا منصة إعلامية. ولا وكالة إعلانات. ولا ملعبا أخضر. ولا جمهورا غاضبا. تملك فقط جسدها. وصبرها. وأبناء ينتظرونها. وربما بضعة دراهم في نهاية النهار.
فإذا كان إعلان الغولف قد علمنا شيئا، فليكن هذا: لا تجعلوا سقوط امرأة أمام الكاميرا أول مرة نتذكر فيها أن النساء يسقطن. هناك نساء يسقطن كل يوم. لكنّهن لا يملكن رفاهية البقاء على الأرض. إنهن ينهضن. لأن هناك أطفالا ينتظرون الخبز. ولأن الحياة، في الأحياء الفقيرة، لا تمنح حتى للمنهكين حق الانهيار. وهنا يصبح السؤال أكبر من الغولف: أي امرأة نرى حين نقول إننا ندافع عن المرأة؟ المرأة التي تستطيع أن تصل إلى الشاشة؟ أم المرأة التي لا تصل إليها أبدا؟ لأن العدالة الحقيقية تبدأ، ربما، حين تتوقف الكاميرا عن اختيار ضحاياها بعناية. وتبدأ في النظر إلى المكان الذي لا يحب العالم أن ينظر إليه. هناك، في السوق الشعبي. تحت الشمس. فوق الرصيف. بين القزبر والمعدنوس. حيث تقف امرأة لا تعرف أن العالم يتحدث عنها، لكنها تعرف شيئا واحدا: أن عليها أن تعود إلى بيتها قبل حلول الليل. وهذه، في زمن كثرت فيه الكلمات عن تمكين المرأة، قد تكون أكثر جملة سياسية وفلسفية يمكن أن نقولها عن معنى الكرامة: أن تعود المرأة إلى بيتها من عملها، لا بطلة لأنها تحملت العنف، بل إنسانة لأن المجتمع لم يطلب منها أن تتحمله أصلا.
📲 Partager sur WhatsApp