بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس
قد نخطأ في الطريقة التي نتحدث بها عن الهجرة الجزائرية. نضع الشاب في قارب صغير، ثم نضع الجزائر خلفه، وإسبانيا أمامه، ونظن أننا فهمنا الحكاية. كأن البحر هو بداية القصة. والحقيقة أن البحر هو آخر صفحاتها فقط. قبل أن يصل الشاب إلى القارب، يكون قد قطع مسافة أطول بكثير: مسافة داخلية بين ما كان يحلم به وما استطاع بلده أن يقدمه له. وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجا للسلطة الجزائرية: لماذا يغامر بعض أبنائها بالموت كي يعيشوا في مكان آخر، في بلد لم يعد فيه الموت هو الاحتمال الوحيد للخروج؟
المعطيات الأخيرة حول طريق غرب المتوسط تجعل السؤال ملحا. ففي الأشهر الأولى من 2026 ارتفعت عمليات العبور غير النظامي على هذا الطريق، وكان الجزائريون يشكلون نسبة كبيرة من الواصلين إلى إسبانيا عبره. لكن هذه الأرقام تتعلق بهذا المسار وبالوصولات المرصودة، ولا تعني أن كل الهجرة الجزائرية إلى أوروبا تسلك الطريق نفسه. كما أن فرونتكس تشير إلى أن تغير مسارات شبكات التهريب وتشديد الرقابة على طرق أخرى ساهما في إعادة توجيه الحركة. ولذلك فالرقم يحتاج إلى قراءة، لا إلى تحويله إلى أسطورة سياسية. لكن وراء الرقم توجد حقيقة يصعب دفنها تحت البيانات: هناك شباب جزائريون مستعدون لدفع ثمن باهظ من أجل مغادرة بلدهم. وهنا تبدأ مسؤولية السلطة. ليس لأن الدولة مطالبة بمنع الناس من السفر، فالهجرة حق واختيار شخصي، وليس لأن كل مهاجر هو ضحية لنظام سياسي. ولكن لأن الدولة، حين تجد أن جيلا من شبابها ينظر إلى البحر باعتباره بابا أكثر إغراء من الوطن، مطالبة بأن تسأل نفسها عن نوع الحياة التي جعلت هذا الباب ممكنا في مخيلتهم.
والسؤال لا يتعلق فقط بالبطالة. فوفقا للبنك الدولي، بقي الاقتصاد الجزائري شديد الاعتماد على المحروقات، التي مثلت بين 2020 و2024 نحو 13 بالمئة من الناتج و83 بالمائة من الصادرات و46 بالمائة من إيرادات الميزانية. وفي 2024 بلغ معدل البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة نحو 29.3 بالمائة. وفي الوقت نفسه تؤكد المؤسسة أن الاقتصاد حقق نموا قويا وأن قطاعات خارج المحروقات توسعت، ما يعني أن الصورة ليست صورة اقتصاد منهار، بل اقتصاد يحقق نموا دون أن يحول هذا النمو بالسرعة الكافية إلى فرص مستقرة وواسعة للشباب. وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي أن تقلق الحكومة أكثر من عدد القوارب نفسها. قد ينمو الاقتصاد، فيما لا يشعر الإنسان أن حياته تنمو.
يمكن للناتج المحلي أن يرتفع، ويمكن للدولة أن ترفع الأجور، ويمكن أن تتوسع الاستثمارات العامة، ويمكن أن تنخفض معدلات التضخم، ثم يبقى شاب في الخامسة والعشرين يشعر أن عمره كله موضوع في غرفة انتظار. وهذه هي المشكلة التي لا تحلها الخطب. فالاقتصاد الجزائري ما زال محكوما بدرجة كبيرة بنموذج تقوده الدولة وتدعمه عائدات النفط والغاز. وصندوق النقد الدولي يقول بوضوح إن الاعتماد على المحروقات والتدخل الواسع للدولة يخلقان تشوهات تحد من نمو القطاع الخاص وخلق الوظائف، وإن المدى الطويل يحتاج إلى إصلاحات أعمق في الحوكمة والمنافسة والقطاع الخاص والاستدامة المالية. هذه ليست تهمة من خصم سياسي. إنها مشكلة يضعها تقرير اقتصادي دولي على الطاولة. وهنا ينبغي أن تكون المحاسبة السياسية أكثر ذكاء من مجرد القول إن الحكومة «فشلت» أو إنها «نجحت». السؤال الحقيقي هو: لماذا ظل اقتصاد بحجم إمكانات الجزائر عاجزا عن تحويل موارده الطبيعية إلى اقتصاد يشعر فيه الشاب أن مستقبله قابل للبناء؟

فالجزائر لا تعاني من غياب الموارد. تعاني من مشكلة تحويل الموارد إلى مستقبل. وهذا فرق هائل. النفط والغاز يستطيعان شراء الإسمنت، لكنهما لا يبنيان بالضرورة قطاعا خاصا حيويا. يستطيعان تمويل الجامعة، لكنهما لا يضمنان أن الشهادة ستؤدي إلى وظيفة. يستطيعان تمويل الدعم، لكنهما لا يصنعان تلقائيا شعورا بالكرامة الاقتصادية. يستطيعان أن يمنحا الدولة قدرة مالية كبيرة، لكنهما لا يمنحان المواطن بالضرورة إحساسا بأنه شريك في صناعة المستقبل. وهنا تصبح الدولة الريعية أشبه بأب ثري يطعم أبناءه جيدا، لكنه لا يسمح لهم باختيار الطريق الذي يريدون أن يسلكوه. المشكلة ليست في الطعام. المشكلة في الباب. وقد تقول الحكومة، بحق، إنها قامت بإصلاحات استثمارية وتشريعية، وإن الصادرات خارج المحروقات ارتفعت، وإن القطاعات غير النفطية حققت نموا، وإنها تحاول بناء اقتصاد أكثر تنوعا. وهذه حقائق ينبغي عدم تجاهلها.
البنك الدولي نفسه يشير إلى خطوات في قوانين الاستثمار والمناجم والبنوك، وإلى نمو الصادرات غير الهيدروكربونية. لكن الإصلاح الذي يحتاجه الشباب ليس فقط إصلاحا في النصوص. إنه إصلاح في الإحساس بالفرصة. فالاقتصاد ليس فقط بما تنتجه الدولة، بل بما يستطيع الفرد أن يتخيله لنفسه داخله. وهنا نصل إلى السياسة. لأن الإنسان لا يهاجر من البطالة وحدها. يهاجر أحيانا من الشعور بأنه لا يستطيع التأثير في حياته. ومن الصعب فهم هذا الشعور من دون النظر إلى المجال العام الجزائري. فمنظمة العفو الدولية وثقت خلال 2025 استمرار التضييق على حرية التعبير والتجمع والتنظيم، وأشارت إلى اعتقالات ومحاكمات طالت ناشطين وصحفيين، خصوصا بعد ظهور حركة «مانيش راضي» التي عبّرت عن الاستياء من الظروف الاجتماعية والاقتصادية والقيود على الحقوق. كما وثقت المنظمة حالات قالت إنها تضمنت محاكمات جائرة وقيودا على النشاط السياسي والإعلامي. وهذه تقييمات لمنظمة حقوقية وليست حكما قضائيا شاملا على كل مؤسسات الدولة أو كل القضايا، لكنها تظل معطى سياسيا لا يمكن تجاهله عند تحليل علاقة الشباب بالدولة.
وهنا تصبح الهجرة أكثر من مسألة أجور. إذا كان الشاب لا يستطيع أن يغير واقعه بسهولة في الداخل، فقد يحاول تغيير المكان نفسه. وإذا كان المجال العام ضيقا، يصبح جواز السفر نوعا من بطاقة الخروج. وهذا لا يعني أن كل مهاجر جزائري معارض سياسي. بالعكس. أغلب المهاجرين لا يحملون برنامجا سياسيا في جيوبهم. لكن السياسة تدخل حياتهم من النوافذ الصغيرة: في العمل، في الجامعة، في الإدارة، في الحصول على ترخيص، في التعبير عن الرأي، في الثقة بالقانون، في الشعور بأن الكفاءة يمكن أن تتقدم دون الحاجة إلى أبواب خلفية. وهنا تصبح الدولة أمام مشكلة أخطر من المعارضة المنظمة: اللامبالاة. المعارض يبقى في البلد ويحاول تغييره. أما الشاب الذي فقد ثقته في إمكانية التغيير فقد لا يعارض أحدا. قد يشتري تذكرة. أو يبحث عن مهرب. أو يجمع المال. أو يبيع دراجته. ثم يختفي. إنه لا يرفع شعارا. إنه يرفع المرساة. السلطة تستطيع أن تراقب الاحتجاج في الشارع، لكنها لا تستطيع بسهولة مراقبة لحظة انطفاء الانتماء في رأس شاب. يمكنها أن تمنع تجمعا. يمكنها أن تراقب منشورا. يمكنها أن تغلق فضاء سياسيا. لكن كيف تمنع فكرة واحدة من التكاثر في رأس شاب: «ربما حياتي تبدأ عندما تنتهي رؤيتي لهذا الشاطئ.»
هنا يصبح البحر مرآة سياسية. ليس لأن البحر يعارض الحكومة، بل لأن القارب يكشف شيئا لا تستطيع البيانات الرسمية إخفاءه: هناك فجوة بين صورة الجزائر التي تصنعها الدولة عن نفسها، وصورة الجزائر التي يحملها بعض شبابها في خيالهم. الدولة تقول: سيادة. الشاب يسأل: فرصة. الدولة تقول: موارد. الشاب يسأل: وظيفة. الدولة تقول: نمو. الشاب يسأل: ماذا عن حياتي؟ الدولة تقول: إنجازات. الشاب يسأل: هل أستطيع أن أكون جزءا من هذه الإنجازات؟ الرد الأمني وحده على الهجرة يشبه محاولة إيقاف نزيف بربط اليد. يمكن إغلاق طريق. ثم يظهر طريق آخر. يمكن تشديد الرقابة. فتصبح الرحلة أكثر خطرا. يمكن ملاحقة المهربين. وهذا ضروري لحماية الأرواح من شبكات تستغل اليأس. لكن إذا بقي الطلب على الهجرة قائما، سيبحث اليأس عن طريق جديد. وقد أظهرت بيانات فرونتكس بالفعل كيف تستطيع شبكات التهريب إعادة توجيه المسارات عندما تتغير الرقابة. لهذا فإنّ السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى الحكومة الجزائرية ليس: كيف تمنعونالشباب من الرحيل؟ بل: ما الذي ستفعلونه حتى لا يصبح الرحيل أكثر إغراء من البقاء؟
وهنا لا يكفي أن تقول الدولة إن الجزائر بلد غني. على الدولة أن تجعل المواطن يشعر بأن هذه الثروة تمر في حياته لا فوق رأسه. ولا يكفي أن تقول إن الاقتصاد ينمو. عليها أن تجعل الشاب يرى نصيبه من هذا النمو في فرصة حقيقية. ولا يكفي أن تقول إن البلاد مستقرة. فالاستقرار السياسي الذي لا يصاحبه أفق اجتماعي قد يتحول في نظر بعض الشباب إلى استقرار للانتظار. والأخطر من الفقر هو أن يعتاد الإنسان على فكرة أن الفقر قدر. والأخطر من البطالة أن يعتاد المتعلم على أن شهادته لا تفتح بابا. والأخطر من المعارضة أن يعتاد المواطن على أن الصمت أسهل. لكن الأخطر من كل ذلك هو أن يصبح الوطن، في مخيلة أبنائه، مكانا يجب مغادرته كي تبدأ الحياة. هنا فقط ينبغي أن تقلق السلطة. لأنّ الدولة تستطيع أن تمنع القارب. لكنها لا تستطيع أن تمنع الخيال الذي صنع القارب. ويمكنها أن تبني مزيدا من الحواجز على الساحل. لكن لا يمكنها أن تبني حاجزا داخل رأس شاب قرر أن مستقبله موجود في مكان آخر.
البحر، في هذه القصة، ليس عدوا للجزائر. إنّه شاهد. شاهد على اقتصاد يحتاج إلى تنويع أعمق، وعلى قطاع خاص يحتاج إلى مساحة أكبر، وعلى إدارة تحتاج إلى مزيد من الفاعلية، وعلى مجال عام يحتاج إلى ثقة أوسع، وعلى جيل لا يريد فقط أن يأكل ويعمل، بل يريد أن يشعر بأن حياته ملك له. والحكومة الجزائرية تستطيع أن ترد على هذا الكلام بأرقام النمو والاستثمار والدعم والمشاريع. لكن هناك رقما واحدا لا يظهر في الميزانية: عدد الشباب الذين توقفوا عن تخيل مستقبلهم داخل الجزائر. هذا الرقم لا تحصيه وزارة. ولا يظهر في تقرير اقتصادي. ولا يمكن ضبطه على الحدود. إنه يعيش في مكان أكثر خطورة من كل المعابر: في الخيال. وحين يصل الوطن إلى تلك النقطة، لا يعود السؤال: لماذا يهاجرون؟ بل يصبح السؤال الأكثر قسوة: ماذا حدث في الداخل حتى صار البحر، بكل ما فيه من موت، يبدو لبعض الشباب أقل رعبا من المستقبل؟
