القصيدة التي تتغذى على استعارتها

بقلم زكية لعروسي

الشعر لا يتنفس من الرئة
بل من ثقب في صدر السماء
حين نسيت أن تغلق فتحة الغياب
يولد الشعر يتيما
لكنّه يحمل في جيبه
مفتاح قبر لم يدفن بعد
ويمشي بيننا
كمن يعرف أسماء الموتى

من فم الغياب…تتدلّى أصابع من نور
تتحسس وجه العتمة
كطفلة أضاعت أمها في جنازة للكواكب
وحين أصمت
تبدأ السماء بالكلام
فأسمع النجوم
وأرى الكلمات تخرج من رحم الهاوية
مبلّلة بحليب العدم
تفتح أجنحتها
ثم تكتشف أنها ولدت بلا سماء

يا شعر…
أيّ وحش جميل يسكن؟
وأيّ يد خفية تدفعنا إلى تحويل الخراب
إلى موسيقى؟
نحن لا نكتب
نحن ننبش في جسد الصمت
عن نبضة ضلّت طريقها
نغزل العدم بخيوط مأخوذة من عرق الملائكة
ونخيط لجسد الفراغ قميصا
ثم نضحك
نمشي على حافة الممكن
كعميان يحملون مرايا
نرى وجوهنا في الجهة الأخرى
ولا نعرف هل موتانا يتلصصون علينا

أيتها القصيدة…
من علّمك هذا الصبر

وأنت ابنة رعشة تعيش على عصب الوجود؟
كيف تستطيعين
أن تمسكي الريح من حلقها
وتقولي لها:
اهدئي…
فالسماء لم تكتمل بعد؟
فيك يتزوج الجرح من الكلمة
ويذهب الجسد إلى عرس استعارته
عاريا من اسمه
فيك يصير الدم حبرا
والقبر نافذة
والميت قصيدة تتذكر فجأة
أنها لم تمت

اللغة تمشي على جرحها
وتجرّ خلفها رائحة المحو
كل بيت قبر صغير
لكن الموتى فيه
يتقلبون تحت البحور
ويُحلمَون في الخروج على هيئة فراشات سوداء

نكتب كي لا نشفى
فالشفاء مقبرة أخرى للذين فقدوا قدرتهم
على اختراع الألم
ونشفى كي نعود إلى الكتابة
كأن الجرح هو الباب الوحيد
الذي لا ينسى أسماءنا

أما الجنون…فليس عكس النظام
الجنون هو النظام حين يخلع قميصه
ويمشي عاريا في الشوارع
ويكتشف أن للخراب موسيقى
وأن للفوضى قلبا يدقّ في الوزن
فحين أعجز عن فهم العالم
أضعه في قصيدة
وحين تعجز القصيدة عن فهم
تدفنني فيها
ثم تنبت فوق قبري كلمة واحدة…
ولا أحد يعرف هل كانت تلك الكلمة
بداية الشعر أم نهايته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *