بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ثمة طائرات تصنع لتطير، وطائرات تصنع لتخيف السماء قبل أن تطير. أما الـF-35 الأمريكية، فقد تبدو كأنّها صُنعت لتطرح سؤالا أكثر غرابة: ماذا يحدث حين يصل المستقبل إلى مدرج الطائرات قبل أن يكون قد انتهى من كتابة نفسه؟ على الورق، تبدو المقاتلة الشبحية الأمريكية كأنها خرجت من حلم عسكري شديد البرودة: جسد أسود يختفي عن الرادارات، وحواسيب ترى أكثر مما تراه العين، وأجهزة استشعار تجمع العالم في صورة واحدة، وطائرة لا تكتفي بالطيران بل «تفكر» في المعركة. لكن تقارير أمريكية حديثة،، ترسم صورة أقل لمعانا: طائرات تسلَّم، لكنها ليست بكامل قدراتها القتالية؛ وأجهزة رادار تتأخر حتى تسلَّم بعض الطائرات الأمريكية من دون رادارها؛ ونظام تبريد يعاني من قصور لن يجد له حلا كاملا، وفق التقديرات الواردة في التقرير، قبل وصول تطوير جديد للمحرك في العقد المقبل.
المفارقة هنا ليست أن آلة معقدة يمكن أن تعاني من الأعطال. فهذا أمر طبيعي. المفارقة أن الـF-35 ليست مجرد آلة؛ إنها مشروع استراتيجي هائل، بُني حول وعد بأن تكون الطائرة منصة المستقبل التي توحّد سماء حلفاء كثيرين. ولذلك فإن كل خلل فيها لا يبقى داخل هيكل من التيتانيوم والكابلات، بل يمتد إلى الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية للدول التي اشترتها. في قلب المشكلة يوجد نظام TR-3، وهو الجيل الجديد من حاسوب الطائرة. كان يفترض أن يمنحها قدرة حسابية أكبر، وأن يفتح الباب أمام وظائف قتالية أكثر تطورا. لكن التحديث تحوّل، بحسب التقارير الأمريكية، إلى نوع من «العقل الجديد» الذي لم يتعلم بعد كيف يعيش داخل الجسد القديم. فتوقفت الولايات المتحدة عن تسليم الطائرات لنحو عام، بينما استمرت خطوط الإنتاج في العمل. وهكذا تراكمت الطائرات في المخازن، كأن المستقبل نفسه أصبح بضاعة تنتظر قطعة ناقصة. الحل كان غريبا بقدر المشكلة: تسليم الطائرات بقدرات برمجية محدودة، تسمح لها بالطيران، لكنها تحرمها من بعض الوظائف القتالية المعقدة.
وهنا تظهر الجملة الأكثر إثارة للقلق: الطائرة يمكنها أن تقلع، وتطير، وتهبط، لكنها ليست بالضرورة قادرة على أن تكون تلك الطائرة التي وعد بها المشتري. وهذا فرق هائل. في الحرب الحديثة، لم تعد المعركة بين معدن ومعدن. المعركة أصبحت بين عقول إلكترونية، وشبكات، ومستشعرات، وقدرة على دمج المعلومات في أجزاء من الثانية. الطائرة التي ترى صاروخا قبل أن يراها العدو تملك لحظة حياة إضافية. والطائرة التي تفشل في جمع بيانات مستشعراتها أو تشغيل وسائل الحرب الإلكترونية قد تتحول، رغم سرعتها وشبحيتها، إلى جسد باهظ الثمن يحلق في فضاء لا يرحم. ومع ذلك، يجب الحذر من تحويل هذه القصة إلى جنازة للـF-35. فالمقاتلة حققت بالفعل إنجازات عملياتية واسعة، ونفذت آلاف الطلعات في الشرق الأوسط، ولعبت أدوارًا مهمة في اختراق الدفاعات الجوية وتحقيق التفوق الجوي. التكنولوجيا لا تصبح فاشلة لمجرد أنها لم تبلغ الكمال.
لكن الحرب لا تمنح شهادات تقدير على النوايا. وهناك تفصيل آخر أكثر غرابة: بعض الطائرات الأمريكية سُلّمت، وفق التقرير، من دون الرادار الجديد APG-85 بسبب تأخر إنتاجه، مع استخدام وزن بديل في مقدمة الطائرة للحفاظ على توازنها. طائرة مقاتلة حديثة، إذن، تنتظر جزءا من حواسها. كأن مهندسا صنع جسدا مذهلا، ثم قال له: اذهب الآن، وسنضع عينيك لاحقا. المشكلة الأعمق ربما ليست في الرادار ولا في الحاسوب ولا في التبريد منفردا. إنها في فلسفة المشروع نفسه. فالـF-35 أصبحت شبكة ضخمة من البرمجيات والمحركات والمستشعرات والأنظمة والتحديثات وسلاسل الإمداد الدولية. وكلما ازداد ذكاء السلاح، ازداد عدد الأشياء التي يمكن أن تتعطل فيه. لقد انتقلت البشرية من عصر الطائرة التي تحتاج إلى طيار، إلى عصر الطائرة التي تحتاج إلى منظومة كاملة كي تكون طائرة. وهنا يكمن السؤال السياسي الكبير: متى يصبح الاعتماد على التكنولوجيا نوعا جديدا من الهشاشة؟
الدول التي اشترت الـF-35 لم تشتر طائرة فحسب. لقد اشترت مكانا داخل منظومة أمريكية هائلة، وراهنت على أن هذه المنظومة ستظل متقدمة لعقود. وهذا يفسر استمرار جاذبية الطائرة رغم عيوبها: البديل ليس مجرد شراء مقاتلة أخرى، بل بناء تصور عسكري مختلف. أما حادثة إصابة طائرة F-35 أمريكية بصاروخ إيراني، بحسب الرواية الواردة في التقرير، فتضيف طبقة أخرى إلى الحكاية. فالـF-35 ليست طائرة سحرية. الشبحية لا تعني الاختفاء، والتكنولوجيا لا تعني العصمة، والتفوق لا يعني أن السماء أصبحت ملكا دائما لمن يملك أحدث جهاز. ربما هذه هي الحقيقة الأكثر إنسانية في قصة الـF-35: لقد حاول الإنسان أن يصنع آلة لا تُفاجأ، فصنع آلة شديدة التعقيد يمكن أن تفاجئه هي نفسها. ليست المشكلة أن الـF-35 «طائرة سيئة». الأدق أنها طائرة عظيمة، لكنها تحمل على ظهرها عبء مشروع بالغ الطموح، إلى درجة أن اكتمالها أصبح معركة بحد ذاته. وفي السماء، لا يوجد شيء اسمه «نسخة تجريبية» عندما يبدأ الصاروخ بالاقتراب. هناك فقط سؤال واحد، قاسٍ وبسيط: هل تعمل الآلة الآن، عندما تحتاج إليها الآن؟
