بقلم الصحافي رضوان البلدي، المغرب
تعاني فئات كثيرة في المجتمع من حيف ما يطال أحد حقوقها، غير أن معاناة حراس الأمن الخاص لا مثيل لها، فهي محنة قاسية امتدت عبر الزمن، وتدحرجت حتى لامست تقريبا مجمل حقوقهم، فدمرت أجزاء كبيرة من كرامتهم، يصعب ترميمها بسرعة. خلف تلك البذلة الرسمية التي توحي بالانضباط والسكينة، تختبئ قصص من التضحيات المنسية، هكذا هم حراس الأمن الخاص، جنود خفاء لا ينامون ليلا ولا يرتاحون نهارا، يواجهون مخاطر الطريق والتهديدات، ويقفون ساعات طوالا كتماثيل من الصبر على أرصفة المؤسسات، والشركات، والمستشفيات.
هذا الدرع البشري، الذي يتشكل من 400 ألف عامل وما يزيد، حسب التقديرات، وقبل أن يأتيهم “البشير”، ليخبرهم أن جلسات الحوار الاجتماعي الجارية هذا الشهر أثمرت قرارا سيخفض ساعات العمل من 12 إلى 08، ظل يعيش، منذ 2004، تاريخ دخول مدونة الشغل حيز التطبيق، هشاشة اجتماعية قاتلة، تلخصت عناوينها الكبيرة في أجور هزيلة لا تسد الرمق، ساعات عمل تتجاوز القانون، وغياب التغطية الصحية والضمان الاجتماعي الحقيقي، مما جعلهم في مواجهة مباشرة مع الفقر والكرامة المهدورة.
ومن أبشع أنواع الاستغلال، التي كان يتعرض لها حارس الأمن الخاص، هي أنه لا يشبه الآخرين بقطاعات أخرى، في معاناته، فهو وحده من يخرج عن تلك القاعدة العامة، التي تقضي بالعمل ثماني ساعات يوميا، وعليه أن يشتغل اثنتي عشرة ساعة، ويتلقى أجره على أساس ثماني ساعات فقط.
هذا الوضع الذي تطلق عليه أوصاف كثيرة، يسميه الفيلسوف والسياسي وعالم الاقتصاد الألماني، كارل ماركس، بـ”فائض القيمة”، أي الفرق بين القيمة التي ينتجها العامل بالفعل وأجره، أو بصيغة أوضح، ففائض القيمة، هو ذلك العمل غير المؤدى عنه الذي يستولي عليه الرأسمالي كمصدر للأرباح.
وقد خصص ماركس لهذا المفهوم حيزا كبيرا في كتابه الشهير “رأس المال”، إذ تناوله بالدرس والتحليل واستعمله كأساس لبناء انتقاداته للرأسمالية، فهو يرى، أي ماركس، في مفهوم فائض القيمة تجسيدا لاستغلال الطبقة العاملة و تراكم الثروة لدى أصحاب رأس المال.
أعتقد أنه حان الوقت لتصحيح هذا الوضع الشاذ، فهذا الإصلاح الذي حدد له عام 2027 موعدا لدخوله حيز التنفيذ، وإن جاء متأخرا، فإنه سيرفع الحيف عن فئة عريضة بالمجتمع، كما أنه سيساعدها على استعادة الإنصاف مع باقي فئات الأجراء، الذين حددت مدة عملهم القانونية في 44 ساعة أسبوعيا، مع احتساب الساعات الإضافية بعد هذا السقف، فانطلاقا من السنة المقبلة وبعد فترة انتقالية، سيتمكن حراس الأمن الخاص من استعادة ظروف عمل لائقة.
نأمل أن ينهي هذا الإصلاح المرتقب وضعا غير عادل ظل سائدا لسنوات، كما نأمل أن يتم احترام الجدول الزمني المسطر، حيث سيعرض مشروع تعديل مقتضيات مدونة الشغل في هذا الباب، على المجلس الحكومي قبل فاتح ماي، ثم يحال على البرلمان وفق مسطرة استعجالية، مع توقعات بالمصادقة عليه قبل نهاية دورة الربيع، وفي الأخير لا بد من وضع آليات مراقبة صارمة للسهر على الاحترام الفعلي للنصوص الجديدة، وذلك من خلال صون أكثر لكرامة حراس الأمن الخاص.
إنهم ليسوا مجرد أرقام في شركات الحراسة، بل هم بشر، آباء وأمهات، يعانون في صمت، يبتسمون في وجوهنا، بينما تصرخ احتياجاتهم وأسرهم خلف ستار الإهمال.. فإلى متى يظل حراس أمننا.. بلا أمن؟
📲 Partager sur WhatsApp