بقلم زكية لعروسي، باريس
في مشهد يشبه الأساطير التي تنقلب فيها الحقائق على أعقابها، تخطط ألمانيا ـ أمة الفلسفة والنظام ـ لفرض ضريبة على السكر في المشروبات الغازية بدءاً من عام 2027. ليس لأن السكر سمٌّ كما ظن الأطباء القدامى، ولا لأنه حلاوة كما تغنى الشعراء، بل لأنه أصبح عجزا في الموازنة، وثقبا في جيب الخزانة، وذريعة لإعادة توزيع آلام الإنفاق العسكري ونفقات الحرب البعيدة التي تلقي بظلالها على مواطن “الكفاءة الألمانية”. فيا للعجب! إن السكر الذي كان رمز الندى والغبطة، والذي تغنى به حكماء العرب واليونان، ها هو اليوم يتحول إلى عداء اقتصادي، وإلى ثغرة تستدعي التدخل الضريبي. فيما تعلن برلين حاجتها إلى 110 مليارات يورون مستدانة عام 2027، تصبح زجاجة الكولا عدوا للدولة، وكأن في فقاعاتها صافرات إنذار اقتصادية تعلن حالة الطوارئ.

كان السكر في العصور الوسطى درة الملوك، يُوزن بالذهب ويُحفظ في خزائن الأمراء. وكان الأطباء الأوائل، وعلى رأسهم ابن سينا، ينظرون إليه كدواء مقو للروح، مغذ للفؤاد. إذ يقول في “القانون”: “السكر يفرح القلب ويجلو البصر ويصلح المزاج الصفراوي”. بل كان الحكماء العرب يزعمون أن السكر يُذهب السموم، وليس أنه سمُّ العصر كما صرحت به منظمة الصحة مؤخرا. أما في التراث اليوناني، فكان السكر -حينا وصلهم من الهند وفارس- عُدَّ “طعام الآلهة”، وأشار إليه أرسطو وفلاسفة مدرسة اليونان باسم “المحلى السماوي”، وأوصى به جالينوس في علاجات السعال والأوجاع الصدرية. أما في عصر الحداثة السائلة، فقد انقلبت الآية: صار السكر مؤشرا على الأمراض المزمنة، وحجة لتزيين الضرائب، ووسيلة لتبرير التقشف. سبحان من يقلب الأشياء: السكر الذي كان يُهدى إلى الملوك بات اليوم سببا في فرض الغرامات على العامة!
إن ما تعتزمه ألمانيا لا هو ضريبة صحية بالكامل، ولا هو إجراء اقتصادي مجرد. إنه ما يمكن وصفه بـ”التحايل المؤسسي”: تلبيس العجز بلبوس الصحة، وتغليف التقشف بجلباب المصلحة العامة. يقول الألماني العادي، الذي يقرأ الخبر في الترام متوجسا: “كيف تحوّلت قنينة الكوكاكولا التي ابتعتها إلى وسيلة لتمويل الدبابات التي ترسل إلى الشرق؟”. وهذا هو السؤال الفلسفي: هل الدولة تحارب السكر أو تحارب عجزها؟ وهل المواطن ـ الذي يزيد وزنه شرقه وغربه يدفع الثمن مرتين: مرة بالمرض، ومرة بالضريبة؟ في مراوغة ماكياڤيلية، تحوّلت الخطيئة الصحية إلى مادة خاضعة لضريبة القيمة المضافة المبطنة، بينما يبقى السؤال الأكبر مختبئا في أرقام خانقة: ارتفاع الدين، غلاء العسكرة، سقوط النمو.

ناهزت الميزانية الألمانية لعام 2026 خزيا صامتا: إذ تقفز الديون من 66.9 مليار (2025) إلى 98 مليارا (2026) ثمَّ إلى 110 مليار يورو (2027). النفقات العسكرية تقفز من 2.8% من الناتج المحلي إلى 3.7% بحلول 2030. والإصلاحات الضريبية خاوية، باستثناء التفكير بـ”تسنين” الشراب الفوار. ولكن: ما بال السكر وحده بؤرة الجريمة المالية؟ أليس التبغ سيضرَب أيضا؟ نعم، كُتب في الأسطر الصغيرة: “مناقشة زيادة جبايتها”. وما دامت مقادير النفقات تتسع مثل نهم متعطش، والثغرات تتفاقم بينما الأزمات من الشرق والغرب تطبق على بقايا الرفاه الأوروبي، فجُرم السكر المرتكب هو أنه مازال يستهلك بلهفة !

ذكر القرآن العسل، وهو أطيب من السكر الصناعي، ووصف الجنة بأنهارها. وكان السكر العربي الأندلسي يستخدم كتحفة طهو في زمان الأمويين في الأندلس. ودخلت كلمة «السكر» ذات الجذر العربي الفصيح إلى اللاتينية واليونانية والإنكليزية. فمشكلة السكر اليوم، بوصفه “مرضا”، هي مشكلة امتلاء صناعي لا مشكلة جوهر السكريات. ولئن كان السكر من القوت، فإن الإفراط الأوروبي بإضافة السكر إلى كل شيء صنع وباء العصر. ولكن حين تُضرب ضريبة على السكر في ألمانيا، لا لسبب صحي فحسب، بل لتدبير الدين الحربي، فإنها مرّة أخرى تُسقط القناع عن السياسة البيئية-الصحية الزائفة عندما تهب رياح الخزينة من حيث لا يحتسب صانع القرار.
تأمل, قارئي,: بعد عقد، ستُشترى زجاجة سوداء من محل برليني بعد أن تدفع ضريبة سكر مضاعفة، وبعض ثمنها سيحوَّل إلى مصنع أسلحة بعيد. ستقرأون على علبة الكولا: “سعر البندقية يشمل ضريبة الحلاوة”، وتتساءلون: هل هذا هو الأوتوبيا الألمانية؟ وبينما الدولة تتباهى بإنقاص السكر من الأجساد، تزيد الأجساد توترا بفعل النفقات العسكرية والإنهاك الاقتصادي. والسخرية القاتلة أن الحرب تستهلك السكر الطبيعي في دماء البشر المجهَدين! أما الفلاسفة العرب واليونان، فسيتقلبون في قبورهم لو شاهدوا “حلاوة” تفرض ضرائب كـ”خطيئة” بينما “مرارة” الحروب تُمنح اسم “الدفاع عن الحرية”. السكر الحقيقي لا يكمن في المشروبات فقط، بل في الشعارات المستهلكة التي تبرر سفاسف السياسة بغشاوة الصحة العامة.
عندما كانت فرنسا تُسنّ ضريبة السكر عام 2012 ثم تشددها 2018 و2025، ضحِك المشرّعون قائلين: “إنها ضريبة السلوك”. أما الآن، وألمانيا تنظر إلى السكر كبطيخة مالية تقطَّع لعلاج عجز الحرب، فإن المضحك المبكي أن ضريبة السكر اكتشفت كضريبة حرب مستترة. لقد آن الأوان للاعتراف بأن:
– الأزمة ليست في السكر، بل في “سُكَّر الفقر” الذي يجعل الشعوب تدفع ثمنا لغلاء العسكرة.
– الضريبة لن تغير السلوك، كما لم تغيره في بريطانيا والمكسيك وفرنسا من قبل.
– المؤسف حقاً هو تحويل الأدوية إلى أدوات ضرائبية، وتحويل الغذاء إلى مادة تُسلح الخصوم.
وإذا كان السكر سمّا، كما يردد الأطباء الجدد، فإن السمّ الأكبر هو تخلي الحكومات عن العدالة الاجتماعية لتستجير بفرض ضرائب الانحلال الصحي المزعوم. أخيرا، يكتب أحد شعراء الكاباريه العبثي في برلين: “سكرتي في فمي مرة… وعدتني الدولة ألما وحربا فضربتني ضريبة من حلاوة حلمي المحطم”. تلكم هي ألمانيا بعد قرن من الفلسفة: تفرض ضرائب الحلاوة… والموت أضحى دون ضريبة؟!
📲 Partager sur WhatsApp