(جواب من المهجر على الدكتور الجليل بنحمزة)بقلم زكية لعروسي, باريس
لن نتصادم مع فقهائنا. لن نقول إنهم أخطأوا. لن نُلصق بهم تهمة الجهل أو التحيز. الفقهاء رجال أجلاء، يعرفون النصوص، يحفظون السيرة، يحسنون الكلام. لكنهم – مثل كثير منّا – ينظرون إلى الأشياء من نافذة واحدة: نافذة خطبهم، نافذة منابرهم، نافذة يقينهم الذي لا يتزعزع. والمشكلة ليست في يقينهم، بل في أن اليقين أحيانا يجعلنا ننسى أن هناك نوافذ أخرى. لذلك، لن نجادلهم. سنطرح عليهم – بل على أنفسنا – أسئلة… أسئلة فلسفية، مؤرِّقة، لخلخلة ما ترسَّب من أحكام.
1- سؤال الجثة الأولى: ماذا لو كان ابن سينا حيا اليوم؟
دعونا نتخيل منظرا شبه مستحيل: ابن سينا، الشيخ الرئيس، صاحب “القانون في الطب”، الذي كان فارسيا من بخارى، درس وتعلّم ثم رحل إلى جرجان، ثم إلى الري، ثم إلى همذان، ثم إلى أصفهان. كان هاربا، متتبعا، غريبا في كل مدينة إلا في مدينتين: مدينتا العلم والألم. ماذا لو عاد ابن سينا إلى عصرنا، وتوجه إلى أحد فقهائنا يسألهم: “يا فقيه، أنا رجل طاعن في السن، تعبت من السفر، لكني في كل مرة أجد بلدا يطلب علمي، وأجد مستشفى ينتظر يدي، وأجد مريضا لا يعنيه من أين جئت بل يعنيه أن أشفيه. هل أنا خائن لأني تركت بخارى؟”. هل كان جواب الفقيه أن ابن سينا مذنب، وأن عليه أن يتحمل تقصير دولة لا تكاد تعرفه؟ أم أن ابن سينا سيكون استثناء، لأنه ابن سينا؟ طبعا سيكون استثناء. والغريب أن الفقهاء لا يلاحظون تناقضاتهم: يمجّدون أعلام الطب الرحَّالة من تراثنا، ويتهمون أطباء اليوم بالخيانة إذا فكروا في السفر. يا ترى، هل هناك فرق بين هجرة الأمس وهجرة اليوم؟ أم أن الفرق أن أعلامنا ماتوا، أما أطباؤنا فما زالوا أحياء، والخيانة أسهل ما تُرمى بها الأحياء؟
2- سؤال الجثة الثانية: ماذا لو كان المريض هو الفقيه نفسه؟
تصوروا مشهدا دراميا: أن الفقيه نفسه، يصاب فجأة بوعكة صحية نادرة، مرض لا يعرفه طبيب في مدينته، ولا في مدينتين مجاورتين، لكن طبيبا مغربيا هاجر قبل عشر سنوات إلى ألمانيا، تخصص في هذا المرض بالذات، وأصبح من أشهر أربعة أطباء في العالم يعالجونه. هل سيتصل الفقيه الجليل بهذا الطبيب؟ أم سيقول: “لا، هذا خائن، هجر بلده، سأموت كريما على يد طبيب محلي لا يعرف مرضي”؟ السؤال ليس تهكما. السؤال هو اختبار حقيقي للإخلاص للمبادئ. هل نتمسك بخطاب “لا تغادروا أوطانكم” حتى لو كان الثمن أرواحنا؟ أخشى أن يقول فقيهنا: هذه ضرورة. وهنا نكتشف أن “الضرورة” تُشرع للفقهاء قبل أن تُشرع للمغتربين.

3- سؤال الجثة الثالثة: ماذا لو عاد الطبيب المهاجر ليعالج “المنطقة التي فيها قرى بلا أطباء”؟
لقد أقرّ بعض فقهائنا أن هناك قرى كاملة لا يوجد فيها طبيب ولا ممرض ولا مركز صحي. والسؤال: هل هناك أموال سحرية ستنزل من السماء لإنشاء هذه المراكز؟ لا. هل هناك دفعة مفاجئة من الأطباء الذين سيُجبَرون على الذهاب إلى تلك القرى؟ لا. لكن هناك أطباء مهاجرون، نجحوا في كندا وفرنسا، وألمانيا, واستطاعوا أن يدّخروا أموالا، لو أرادوا أن يعودوا لفتح عيادات أو مراكز صحية في تلك القرى، لكان ذلك ممكنا. لكن الخطاب الذي يصفهم بـ”الهاربين”، بـ”الذين يتخلون عن أوطانهم” – ما الذي سيدفعهم للعودة؟ العودة تحتاج إلى احتضان، لا إلى توبيخ. العودة تحتاج إلى خطاب يقول: “نحن نفتقدكم، ونقدر تجاربكم، ونريد علمكم”. لا إلى خطاب يقول: “أنتم خونة لأنكم ذهبتم إلى هناك”. الغريب أن بعض فقهائنا يرددون أن النبي,عليه الصلاة والسلام, جاء ليخرج الناس من “الخرافة” في الطب. لكن هؤلاء الفقهاء أنفسهم يعيدون اليوم إنتاج خرافة جديدة: خرافة أن الطبيب الذي يغادر وطنه غير محب له. الخرافة هنا هي أن الحب يتحقق بالسجن الجغرافي، لا بالعطاء من حيث كنت.
4- سؤال الجثة الرابعة: ماذا لو كان الإطار الشرعي نفسه يحتاج إلى مراجعة؟
الفقهاء يتحدثون من مرجعية فقهية. لكنهم لم يتوقفوا عند سؤال: هل نحن نفهم النصوص الشرعية المتعلقة بالهجرة والسفر بالطريقة الصحيحة؟ النبي صلى الله عليه وسلّم هاجر. الصحابة هاجروا إلى الحبشة. هاجروا إلى المدينة. هاجروا إلى الشام ومصر والعراق بعد الفتوحات. الهجرة في الإسلام ليست عيبا، بل هي سنة كونية وإنسانية. التمييز بين “هجرة العبادة” و”هجرة الخيانة” هو تمييز أخلاقي، لكنه ليس تمييزا نصيا. فإذا كان الطبيب يهاجر ليبحث عن كرامته المهنية، وحقِّه في حياة إنسانية، وقدرته على تطوير علمه ليصبح أكثر نفعا للبشرية – فأين الخيانة في هذا؟ الخيانة الحقيقية هي أن تَبْقَى في وطنك، دون أن تقدم شيئا، أو أن تبقى في وطنك ويمكن أن تتسول الكرامة. ومن قال إن البقاء فضيلة مطلقة؟
5- سؤال الجثة الخامسة: ماذا لو انقلب السؤال ذاته؟
ربما يكون السؤال الأعمق: لماذا يغادر الأطباء وطنهم؟ ليس لأنهم خونة، بل لأن وطنهم في لحظة ما – بسبب تقصير سياسي واقتصادي وتنظيمي – يصبح غير قادر على استيعابهم. إذا نظرنا في التراث الطبي الإسلامي، نجد أن أعظم المراكز الطبية ازدهرت حيث توفرت البيئة الجاذبة: بيت الحكمة في بغداد، المستشفى النوري في دمشق، البيمارستان المنصوري في القاهرة. لم تكن هذه المستشفيات تعاني نقصا في الأطباء، لأن العلماء كانوا يتهافتون إليها طواعية. ليس لأنهم مجبَرون، بل لأنهم كانوا يرون فيها مستقبلا. إذاً، السؤال الذي على فقهائنا الأجلاء أن يسألونه ليس: “لماذا يهاجر الأطباء؟” بل: “لماذا لا يعود الأطباء إلى بلادهم بالآلاف كما كان يحدث في تراثنا المجيد؟” الجواب: لأن البيئة الجاذبة غابت، وحل محلها خطاب يصف الذاهبين بالخيانة. ومن المفارقات: الخطاب نفسه يزيدهم إحجاما عن العودة، لأنه يحول العودة إلى استسلام لمن أهانهم.
تخيلوا معي ,قرائي الأعزاء, أن أحد الأطباء المهاجرين، في عيادته بلندن أو مونتريال، أو هامبورغ حلم حلما: حلم أن فقيها مرض فجأة في رمضان، وأُدخل المستشفى، ولم يجد حوله سوى أطباء حديثي الممارسة والتدريب، لا خبرة لهم، وطبيبا مسنا واحدا بقى في البلاد لأنه لا يجيد اللغات ولم يسافر قط. حلم الطبيب أنه حضر إلى جناح الفقيه، ووقف على سريره، وابتسم ابتسامة حزينة. ثم قال له: “يا سيدي، في تراثنا, طلب العلم فريضة على كل مسلم, وقيل: “أطلبوا العلم ولو بالصين”. وأنا الآن في مهجري أتعلم كل يوم دواء جديدا، وأجرّب علاجات لم تصل إلى بلادنا بعد. لو بقيت في قريتي، لكنت طبيبا عاديا. لمّا هاجرت، صرت – بعد طول تعب وعناء – طبيبا استثنائيا. وما يتقنه الاستثنائيون هو ما يحتاجه الضعفاء، في كل مكان. حتى في بلادنا.” استفاق بعدها الطبيب. أسرع إلى حاسوبه. كتب رسالة إلى الفقيه الجليل, لم يرسلها بالطبع. لكنه احتفظ بها في درج مكتبه، وتحت عنوانها كتب بخط يده: “لعل يوما ما نفهم أن الهجرة ليست هروبا، بل بحثا عن حكمة نبوية ضاعت في دهاليز ….الخطب.” ثم عاد الطبيب إلى مريضه التالي.
📲 Partager sur WhatsApp
هذا المنطق في النظر الى الأمور من الزاوية التي اعتبرت منذ التأسيس الفكر والثقافة عندنا، زاوية كل الزوايا، ما انتهت به الأمور من تصادم ومحن بالسجن والتكفير….وحرق كتب، بل وحرق اصحابها( ابن الخطيب وباب محروق بفاس وقبلع الحلاج….) يؤرخها التاريخ، شاهد على ذلك. قبل ذلك حتى جا الخلفاء الذين يذكرون كصالحين ماتو قتلا، … محنة الفلسفة والفلسفة والمتصوفة…
على ذكر الطب، أن هذا الأخير هو ما دخلت معه الفلسفة لان الطب كان فرعا من فروعها، اهتم بالجسد وأعطابه. ولولا لم يكن جسد الخليفة معرض المرض لما تم الانفتاح على كتب الطب الإغريقية. ومع ذلك كان الصراع على من له الخطاب- السلطة. الفقيه ام الحكيم. النظر من الزاوية الوحيدة، مرض عضال تتكلمه النصوص التي تعتبر مؤسسة في التراث.
لا، وصف أطباء المهجر بالخيانة تعميم غير عادل ولا يعكس الواقع. كثير من الأطباء الذين غادروا بلدانهم فعلوا ذلك بحثًا عن ظروف أفضل للتعلم والعمل، لكنهم ما زالوا يساهمون في خدمة أوطانهم بطرق متعددة: عبر تحويلات مالية، دعم عائلاتهم، المشاركة في المبادرات الطبية، نقل الخبرات، أو العودة لاحقًا لخدمة مجتمعاتهم.
الهجرة ليست خيانة؛ هي في الغالب نتيجة ظروف صعبة في أنظمة الصحة والبحث في بلدهم الأم .
النص الذي كتبته ليس مجرد طرح، بل هو تفكيك هادئ لنقطة حساسة: التناقض بين تمجيد الهحرة العلمية في التراث وشيطنتها في الواقع. لكن إذا أردنا أن ندفع الفكرة خطوة أبعد، فهناك زاويتان تستحقان المواجهة بصراحة.
أولاً، المقارنة مع ابن سينا قوية بلاغياً، لكنها ليست متماثلة تماماً. في زمنه، لم تكن هناك دولة وطنية بالمعنى الحديث، ولا منظومة التزامات مهنية مرتبطة بتمويل عمومي أو حاجة وطنية ملحّة. اليوم، كثير من الأطباء تدرّبوا بموارد دولهم، وهنا يظهر سؤال أخلاقي مختلف: هل الهجرة حق فردي مطلق، أم أنها مشروطة بمسؤولية اجتماعية؟ هذا لا ينقض طرحك، لكنه يجعل القضية أعقد من مجرد تناقض فقه
ثانياً في سؤالك عن المريض الفقيه أنت تضع يدك على جوهر الإشكال: ازدواجية المعايير. لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف أن الفقه نفسه يحتوي أدوات لمعالجة هذا التوتر، مثل مفهوم “الضرورة” و”المصلحة”. المشكلة ليست دائماً في الفقه كنص، بل في طريقة تنزيله انتقائياً. بمعنى آخر: الخطاب الذي يحرّم الهجرة بإطلاق، هو نفسه الذي سيجد مخرجاً حين تمس الحاجة شخصيا