بقلم: عبد الرحمن مكاوي, باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية-باريس
في منطقة الشرق الأوسط، حيث تتشابك المصالح الاستراتيجية مع الحسابات الأمنية، لا تُقاس قيمة الوساطة بحسن النوايا، وإنما بحجم النفوذ والقدرة على التأثير في قرارات أطراف النزاع. وبين واشنطن وطهران، اللتين تخوضان صراعًا مفتوحًا تتجاوز أبعاده الملف النووي ليطال موازين القوى الإقليمية، يبرز كل من قطر وباكستان كقناتين دبلوماسيتين تسعيان إلى احتواء التصعيد، وإن اختلفت أدواتهما وحدود تأثيرهما. غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل تستطيع الدوحة وإسلام آباد صناعة السلام، أم أن أقصى ما يمكنهما تحقيقه هو إدارة الأزمة وتأجيل الانفجار؟
قطر… وسيط موثوق في مساحة ضيقة
تمتلك قطر واحدة من أكثر الأوراق الدبلوماسية حساسية في المنطقة. فمن جهة، تستضيف قاعدة العديد الجوية، أكبر منشأة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، بما يجعلها شريكًا أمنيًا رئيسيًا لواشنطن. ومن جهة أخرى، حافظت على علاقات سياسية واقتصادية مستقرة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو ما منحها مكانة فريدة باعتبارها قناة اتصال مقبولة من الطرفين. ولم يكن هذا الدور وليد اللحظة؛ فقد نجحت الدوحة في رعاية اتفاق تبادل السجناء بين الولايات المتحدة وإيران سنة 2023، كما احتضنت جولات من المفاوضات غير المباشرة بشأن الملف النووي، مؤكدة قدرتها على توفير فضاء للحوار في أكثر الملفات تعقيدا. ومع ذلك، فإن الوساطة القطرية تصطدم بحدود واضحة. فالدوحة قادرة على نقل الرسائل، وتهيئة أجواء التهدئة، وإدارة الملفات الإنسانية، لكنها لا تمتلك أدوات الضغط الكافية للتأثير في القرار الاستراتيجي الإيراني، ولا في توجهات المؤسسة العسكرية والأمنية الأمريكية. لذلك، يظل دورها أقرب إلى “قناة تواصل موثوقة” منه إلى وسيط قادر على فرض تسوية سياسية شاملة.
باكستان… هاجس الأمن قبل الدبلوماسية
إذا كانت قطر تتحرك انطلاقا من موقعها الدبلوماسي، فإن باكستان تنطلق من اعتبارات الأمن القومي. فالحدود الممتدة مع إيران، وما يرافقها من تحديات أمنية في إقليم بلوشستان، تجعل أي تصعيد عسكري بين واشنطن وطهران تهديدا مباشرا للاستقرار الداخلي الباكستاني. ومن هذا المنطلق، سعت إسلام آباد، عقب التوتر الذي شهدته الحدود الإيرانية-الباكستانية مطلع عام 2024، إلى لعب دور في تخفيف الاحتقان، عبر تحركات دبلوماسية هدفت إلى إعادة قنوات التواصل ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع. لكن قدرة باكستان على الوساطة تبقى محدودة هي الأخرى. فهي ترتبط بشراكات أمنية مع الولايات المتحدة، وتستند اقتصاديا إلى علاقات وثيقة مع المملكة العربية السعودية والصين، كما تواجه تحديات داخلية معقدة تقلص هامش حركتها الخارجية. لذلك، يرجح أن يظل دورها مقتصرًا على نقل الرسائل الأمنية وتنسيق إجراءات منع التصعيد، دون أن تتحول إلى مفاوض رئيسي بين واشنطن وطهران.
حدود الوساطة… عندما تغيب الإرادة السياسية
تكشف التجربة أن نجاح أي وساطة لا يرتبط فقط بكفاءة الوسيط، بل بوجود استعداد حقيقي لدى أطراف النزاع لتقديم تنازلات متبادلة. واليوم، تبدو هذه الإرادة غائبة. فالولايات المتحدة تتمسك بمنع إيران من امتلاك قدرات نووية عسكرية، بينما تواصل طهران ربط أي تفاهم برفع العقوبات والاعتراف بحقها في تطوير برنامجها النووي السلمي. وبين هذين الموقفين المتصلبين، تتحول الوساطة إلى أداة لإدارة الوقت أكثر منها وسيلة لحل الأزمة. كما أن غياب تفويض سياسي واضح من واشنطن أو طهران لأيّ وساطة قطرية أو باكستانية يجعل هامش المناورة محدودا، ويجعل قنوات الاتصال أقرب إلى “صندوق بريد دبلوماسي” منها إلى منصة تفاوض حقيقية.
قراءة استشرافية
خلال الأشهر المقبلة، من المرجح أن تحافظ قطر على موقعها باعتبارها القناة الأكثر موثوقية لنقل الرسائل، وتسهيل التفاهمات الإنسانية، وإدارة الملفات ذات الطابع العاجل. أما باكستان، فستواصل أداء دورها كوسيط أمني إقليمي يسعى إلى منع انتقال تداعيات الصراع إلى حدوده ومحيطه المباشر. أما على المدى المتوسط، فإن فرص نجاح أي وساطة ستظل رهينة بتحول جوهري في الحسابات الاستراتيجية للطرفين. فطالما استمرت واشنطن في سياسة الضغط القصوى، واستمرت طهران في تبني نهج المقاومة والصمود، فإن أي مبادرة وساطة، مهما بلغت مهارة أصحابها، لن تتجاوز حدود احتواء الأزمات وتأجيل المواجهة. إن الدبلوماسية، في نهاية المطاف، لا تصنع السلام بمفردها، بل تحتاج إلى إرادة سياسية تدرك أن استمرار الصراع أكثر كلفة من التوصل إلى تسوية. وحتى تتوافر هذه الإرادة، سيظل دور الوسطاء، مهما كانت خبرتهم ومصداقيتهم، محصورا في إبقاء أبواب الحوار مواربة، ومنع اشتعال المنطقة بالكامل، لا في إنهاء النزاع بصورة نهائية.
📲 Partager sur WhatsApp