(هل يشيخ الحلم الأوروبي أم أنه يعيد اختراع تناقضاته؟)
بقلم زكية لعروسي, باريس
هناك بلدان تموت عندما تجوع، وهناك بلدان لا تموت رغم أن الفقر يتمدد في أحيائها كجذر شجرة خفي لا يراه العابرون. وفرنسا تبدو اليوم من هذا الصنف الثاني؛ بلد ترتفع فيه مستويات المعيشة، بينما يزداد عدد الذين يقفون خارج مأدبة الازدهار، كأن الاقتصاد يصعد بالمصعد، فيما يصعد المجتمع السّلالم المكسورة. المفارقة ليست رقما في تقرير إحصائي، بل رواية كاملة. كيف يمكن لبلد يزداد فيه متوسط الدخل أن يحتفظ بأعلى معدل للفقر منذ ثلاثة عقود تقريبا؟ وكيف يستطيع مجتمع أن ينتج مزيدا من الثروة، وفي الوقت نفسه ينتج مزيدا من الإحساس بالهشاشة؟
إنها ليست معادلة اقتصادية فحسب، بل سؤال حضاري. كان الإغريق يقولون إن المدينة العادلة لا تُقاس بعظمة معابدها، بل بعدد من لا يضطرون إلى النوم خارج أسوارها. وكان أرسطو يرى أن غاية الاقتصاد ليست تراكم المال، وإنما تحقيق الحياة الكريمة داخل المدينة. أما العرب، فقد جعلوا من العدل توأم العمران. كتب ابن خلدون أن الظلم مؤذن بخراب العمران، لا لأنه يسرق المال فقط، بل لأنه يسرق الثقة، والثقة هي العملة التي لا يطبعها أي بنك مركزي.
واليوم تبدو فرنسا وكأنها تقف في منتصف هذا الجسر؛ لم يصل عمرانها إلى الخراب، لكنه يسمع لأول مرة صدى الخطوات القادمة من الضفة الأخرى. لقد تغير معنى الفقر. لم يعد الفقير هو الذي لا يجد رغيفا، بل صار في كثير من الأحيان ذلك الذي يعمل، ويدفع الضرائب، ويستيقظ باكرا، ثم يكتشف أن نهاية الشهر أسرع من راتبه. صار الفقر في أوروبا أكثر دهاء؛ لا يظهر في صور المجاعات، بل في القلق المزمن، وفي الإيجارات التي تلتهم الرواتب، وفي الأسر التي تؤجل الإنجاب، وفي شباب يحملون شهادات جامعية لكنهم يحملون معها خوفا دائما من المستقبل.

هنا يكمن التحول الفلسفي. ففي القرن العشرين كانت أوروبا تعد مواطنيها بالارتقاء الاجتماعي، أما في القرن الحادي والعشرين فأصبحت تعدهم بعدم السقوط. وهذا فرق هائل بين حضارة تصنع الأحلام، وحضارة تدير المخاطر. غير أن الفقر لا يعني بالضرورة أن البلد يضمحل. التاريخ أكثر حكمة من الانطباعات السريعة. الإمبراطورية الرومانية عرفت الثراء واللامساواة معا. وبريطانيا الصناعية شهدت فقرا هائلا وهي في ذروة قوتها. والولايات المتحدة ما تزال أكبر اقتصاد في العالم رغم وجود ملايين الفقراء. إذن، ليس الفقر وحده علامة الانحدار. الانحدار الحقيقي يبدأ عندما تفقد المؤسسات قدرتها على تصحيح الاختلالات، وعندما تتحول اللامساواة من ظاهرة اقتصادية إلى قدر اجتماعي. ذلك هو الخطر الحقيقي. أما السؤال الأكثر إثارة فهو: لماذا ما تزال فرنسا مقصدا للمهاجرين؟ لأن البشر لا يقارنون بين الحلم والواقع، بل بين واقعين. المهاجر القادم من دولة تمزقها الحرب أو البطالة أو انهيار الخدمات لا يقارن فرنسا بفرنسا الأمس، وإنما يقارنها ببلده اليوم.
ورغم ارتفاع الفقر، ما تزال فرنسا تمتلك ما يشبه “رأسمال الحضارة”: تعليما عاما، ونظامًا صحيا، وحماية اجتماعية، وقضاء مستقلا نسبيا، وبنية تحتية، وسوق عمل، وضمانات قانونية، ومساحات واسعة من الحرية الفردية. إنها ليست جنة. لكنها بالنسبة لكثيرين أقل قسوة من الجحيم. ولهذا يستمر المهاجرون في القدوم. إنهم لا يهاجرون نحو الكمال، بل نحو احتمال أفضل. ومن هنا نفهم المفارقة الكبرى. قد يشعر الفرنسي أن بلاده فقدت جزءا من وعدها التاريخي، بينما يشعر القادم إليها أنّها ما زالت تحقق وعدا لم تعرفه بلاده أصلا. إنّ الحقيقة الواحدة تتحول إلى حقيقتين بحسب موقع الناظر. وهل أوروبا تتعثر؟ ربما. لكنّ التعثر ليس السقوط. القارة العجوز تعيش أزمة نموذج أكثر مما تعيش أزمة ثروة. لقد نجحت في إنتاج المال أكثر مما نجحت في توزيع الطمأنينة. نجحت في مضاعفة الإنتاجية، لكنها لم تستطع مضاعفة الشعور بالأمان.

صار الإنسان الأوروبي أكثر ثراء من أسلافه، لكنه أقل يقينا بمستقبله. وهذا هو الوجه الجديد للفقر؛ ليس نقص النقود وحده، بل نقص اليقين. لا تكشف أرقام الفقر مستقبل فرنسا بقدر ما تكشف سؤالا يواجه العالم كله: كيف يمكن لمجتمع أن يزداد ثراء، بينما يتراجع إحساس أفراده بالعدالة؟ إن الثروة تصنع الأسواق، أما العدالة فتصنع الأمم. وحين يختل الميزان بينهما، لا ينهار البلد فورا، لكنه يبدأ في سماع أصوات الشقوق وهي تتسلل إلى جدران البيت الكبير. وفرنسا اليوم ليست قصة فقر فقط. إنّها مختبر عالمي لاختبار سؤال سيطارد القرن الحادي والعشرين كله: هل تستطيع الديمقراطيات الحديثة أن تنتج الازدهار للجميع، أم أنّ الازدهار نفسه أصبح يعرف طريقا واحدا يصعد فيه إلى الأعلى، بينما يترك ظله الثقيل في الأسفل؟
📲 Partager sur WhatsApp