يوم سقى كيراحدائق الحي بمشروب كوكا

الحلقة الرابعة ضمن سلسلة: أسطورة النكتة في الحي المحمدي (المرحوم كيرا)

بقلم عبد الله شوكا, كاتب وصحافي-المغرب

في سبعينيات القرن الماضي، كانت الانتخابات في الحي المحمدي بالدار البيضاء موسما قائما بذاته. الأزقة تضج بالحركة، والمرشحون يجوبون الدروب، والوعود الانتخابية تتطاير في الهواء أكثر من الحمام الذي كان يحط فوق أسطح المنازل. ورغم احتدام المنافسة بين الأحزاب، فإن برامج المرشحين لم تكن تتجاوز إصلاح مصباح هنا، وتزفيت زنقة هناك، ووعدا بإزالة حفرة استعصت على الزمن. أما طرائف الحملات الانتخابية، فكانت لا تقل غرابة عن الوعود نفسها. فقد اشتهر بعض المترشحين بإهداء النساء فردة واحدة من “الشربيل”، ويؤجلون الفردة الثانية إلى ما بعد الفوز، وكأن صوت الناخبة لا يكتمل إلا إذا اكتمل الشربيل!

وسط هذه المسرحية الانتخابية المفتوحة، كان المرحوم كيرا يجلس متفرجا… لكنه لم يكن متفرجا عاديا. كانت عيناه تلتقطان التفاصيل، وعقله يحولها إلى نكتة، ولسانه يصنع منها حكاية يرددها الناس سنوات طويلة. كان يعرف أن كثيرا من الوعود الانتخابية تشبه السحاب في عز الصيف؛ تملأ السماء ضجيجا، لكنها لا تمطر شيئا.

وذات حملة انتخابية، لمح أحد المترشحين وهو يطرق أبواب المنازل، يحدث السكان عن مستقبل مشرق، ويغدق عليهم الوعود يمينا وشمالا. ابتسم كيرا ابتسامته المعهودة، وقال في نفسه: “إذا كان الوعد ببلاش… فخليني أنا حتى أنا نترشح!” انتظر حتى يغادر المترشح أحد البيوت، ثم طرق الباب نفسه. فتح له السكان، فإذا به يقف بكل وقار، وكأنه مرشح رسمي لا ينقصه سوى الشعار الانتخابي. قال لهم بجدية يحسد عليها: “أنا أيضا مرشح للانتخابات… وإذا صوتّم عليّ، فأعدكم بأنني سأسقّف الحي المحمدي كلّه، حتى لا تبلّلكم الأمطار ولا تحرقكم شمس الصيف. وسأركّب له أكبر ضواية في المغرب… أما حدائق الحي، فلن تسقى بالماء بعد اليوم، بل بمشروب كوكا!”

ساد صمت لثوان.. ثم انفجر الجميع ضاحكين. ضحك الأطفال، وضحكت النساء، وحتى الشيوخ الذين أثقلتهم الأيام، لم يستطيعوا مقاومة المشهد. لم يكن كيرا يسخر من الناس، بل كان يسخر من تلك الوعود التي تكبر كلّما اقترب موعد الانتخابات، ثم تختفي بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع. لقد فهم سكان الحي الرسالة دون حاجة إلى شرح. فحين تصبح الوعود بلا حدود، لا يبقى أمام الساخر إلا أن يرفع سقفها أكثر… حتى يصل إلى تسقيف حي بأكمله، وسقي حدائقه بمشروب “كوكا”!

وهكذا، تحولت تلك الواقعة إلى واحدة من أشهر طرائف المرحوم كيرا، وأصبحت دليلا على أن النكتة الذكية قد تكون أبلغ من أطول خطاب انتخابي، وأن الضحكة أحيانا تقول الحقيقة بصوت أعلى من كل الشعارات. رحم الله كيرا… فقد كان يعرف أن السخرية ليست مجرد وسيلة للإضحاك، بل لغة راقية لقول ما يعجز الآخرون عن قوله، بابتسامة لا تجرح أحدا، لكنها تترك أثرا لا ينسى.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *