زكية لعروسي , باريس
في كل مرة تطلق فيها رصاصة في هذه الأرض الضيقة بين البحر والذاكرة، لا يسقط جسد فقط. يسقط تعريف. يتشقق مفهوم. ويهتز يقين. فالشرق الأوسط ليس مسرحا للأحداث بقدر ما هو مختبر دائم للأسئلة الكبرى التي لم تجد جوابا منذ قرون: من نحن؟ ومن هو الآخر؟ وأين تنتهي الهوية ويبدأ الإنسان؟ حادثة إطلاق النار التي شهدها وسط إسرائيل ليست مجرد خبر أمني جديد يضاف إلى أرشيف الدم اليومي. إنها نافذة صغيرة فُتحت فجأة على متاهة سياسية وفلسفية هائلة. المفارقة الأولى تكمن في هوية المنفّذ كما أعلنتها السلطات الإسرائيلية: عربي يحمل الجنسيّة الإسرائيلية. وهنا يبدأ السؤال الذي غالبا ما يهرب منه الجميع. ماذا يحدث عندما تتصادم الهويّات داخل الجسد السّياسي نفسه؟ كيف يمكن لدولة أن تنظر إلى جزء من مواطنيها في الوقت نفسه باعتبارهم مواطنين وشبهة دائمة؟ وكيف يمكن لفرد أن يعيش داخل وطن يشعر أحيانا بأنّه ينتمي إليه قانونيا أكثر مما ينتمي إليه رمزيا؟
الفيلسوف الألماني هيغل كان يرى أن التاريخ يتحرك عبر الصراع من أجل الاعتراف. ليس الخبز أول مطالب الإنسان. ولا الأمن. بل الاعتراف. أن يرى. أن يعترف بوجوده. أن يشعر أن هويته ليست هامشا داخل سردية أكبر. في كثير من مناطق العالم، تتحول السياسة إلى إدارة للمصالح. أمّا هنا، فإن السّياسة تتحوّل باستمرار إلى إدارة للهويات الجريحة. ولهذا يبدو العنف أحيانا وكأنّه اللغة الأخيرة حين تفشل اللغات الأخرى. وهو فشل مأساوي لا يبرّر العنف، لكنّه يدفعنا إلى فهم التّربة التي ينبت فيها. ما يلفت الانتباه في هذا الحدث ليس فقط الرّصاص. بل الكلمات التي جاءت بعده. في لحظات التوتّر القصوى، تكشف المجتمعات عن وجهها الحقيقي. السّياسيون أيضا. وحين تصبح الدّعوة إلى الإعدام الفوري جزءا من الخطاب السّياسي، فإن السؤال لا يعود متعلّقا بالفاعل وحده. بل بالنظام الرّمزي الذي ينتج ردود الفعل. هنا نستحضر الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو الذي كان يرى أنّ السلطة لا تعمل فقط عبر القوانين، بل عبر اللّغة. الكلمات ليست بريئة. إنّها أدوات حكم. حين تتحوّل اللّغة إلى ساحة عقاب، يتحوّل المجتمع كلّه إلى محكمة مفتوحة.
إسرائيل اليوم تعيش مفارقة تاريخية شديدة التّعقيد. فهي دولة تأسّست على وعد بالأمن. لكنّها تجد نفسها بعد عقود من تأسيسها في حالة استنفار أمني دائم. وكلّما ارتفعت أسوار الحماية، بدا أنّ القلق يرتفع معها. وكأنّ المشكلة لم تعد أمنية فقط. بل وجودية. فالأمن قادر على حماية الحدود. لكنّه عاجز عن معالجة الأسئلة التي تسكن داخل النفوس. أمّا المواطنون العرب داخل إسرائيل فيقفون في منطقة رماديّة نادرة في التاريخ السّياسي الحديث. ليسوا خارج الدولة. وليسوا داخلها بالكامل من حيث التمثّلات والرموز والذاكرة الجمعية. إنهم يعيشون ما يمكن تسميته “مواطنة معلقة بين حقيقتين”. حقيقة قانونية. وحقيقة شعورية. ومن هذه المنطقة الرّمادية تولد أحيانا توترات لا تستطيع الإحصاءات ولا التقارير الأمنية تفسيرها بالكامل. لكن الخطأ الأكبر سيكون اختزال المشهد في ثنائية بسيطة بين الخير والشر. فالتاريخ لا يتحرك بهذه البساطة. الفيلسوفة حنّا أرندت حذرت منذ عقود من خطورة التفكير الثنائي. العالم أكثر تعقيدا. والإنسان أكثر تناقضا. والسياسة أكثر غموضا مما تسمح به الشعارات. كل رصاصة تطلق في هذه المنطقة لا تصيب شخصا فقط. بل تصيب فكرة التعايش نفسها. وتضيف طبقة جديدة من الشّك فوق جبال الشّك المتراكمة منذ أجيال.
المشكلة الأعمق أن الشرق الأوسط يعيش منذ عقود داخل ما يمكن تسميته “اقتصاد الخوف”. الخوف أصبح موردا سياسيا. وأداة انتخابية. وسلاحا إعلاميا. كل طرف يحتاج إلى خوفه الخاص كي يبرّر وجوده السياسي. وكلّما تراجع الأمل، ارتفع سعر الخوف في الأسواق السّياسية. من هنا يصبح السّؤال الحقيقي أكبر بكثير من حادثة إطلاق النّار نفسها. كيف يمكن بناء مجتمع يشعر فيه الجميع بأنهم جزء من القصّة نفسها؟ كيف يمكن تحويل المواطنة من وضع قانوني إلى شعور جماعي؟ كيف يمكن إنتاج ذاكرة مشتركة بين جماعات تحمل روايات تاريخية متناقضة؟ وهل تستطيع الدّول الحديثة فعلا أن تجمع بين هويات متعددة دون أن تتحول الاختلافات إلى قنابل مؤجلة؟ ليست المأساة في عدد الرّصاصات. المأساة أنّ المنطقة كلّها ما زالت تطلق النّار على الأسئلة بدلا من الإجابة عنها. كل حادثة جديدة تبدو وكأنها محاولة لإسكات سؤال قديم. لكن الأسئلة لا تموت. إنها تعود دائما. أكثر إلحاحا. أكثر عمقا. وأكثر قسوة. ولهذا ربّما لم يكن أخطر ما حدث في ذلك اليوم هو الرصاص الذي دوّى في الشوارع. بل الصّمت الذي بقي بعده. ذلك الصّمت الثّقيل الذي يترك المجتمعات وحيدة أمام المرآة، ويجبرها على مواجهة السؤال الذي تخشاه منذ زمن طويل: هل المشكلة في الأفراد الذين يضغطون على الزّناد؟ أم في التاريخ الذي يضع الزّناد في أيديهم؟
📲 Partager sur WhatsApp