ثورة البذلة السوداء من أجل كرامة العدالة

بقلم عبد الله شوكا, كاتب وصحافي- المغرب

ليست البذلة السوداء مجرد لباس مهني يرتديه المحامي عند ولوجه قاعة المحكمة، بل هي رمز راسخ لهيبة العدالة، وعنوان لاستقلال الدفاع، وتجسيد لقيمة دستورية تجعل من المحاماة شريكا أصيلا في إقامة العدل وصيانة الحقوق والحريات. هي البذلة التي وقفت عبر التاريخ في وجه التعسف، وحملت على أكتافها آلام المظلومين، ونطقت بلسان من عجزوا عن الدفاع عن أنفسهم. هي التي واجهت السلطة بالحجة، والقوة بالقانون، والظلم بالحق، فلم تكن يومًا زينة شكلية داخل المحاكم، وإنما كانت ضميرا حيا، وصوتا لا يساوم على العدالة.

وعندما تضيق المساحات أمام البذلة السوداء، فإن الأمر لا يتعلق بالمحامي كشخص، ولا بالهيئة المهنية كمؤسسة، بل يتعلق بأحد أعمدة دولة القانون. فالمساس بكرامة المحامي هو، في جوهره، مساس بحق المواطن في دفاع مستقل، وبضمانات المحاكمة العادلة، وبالتوازن الذي تقوم عليه العدالة بين سلطة الاتهام وسلطة الدفاع. إن المحامي لا يدافع عن موكله فقط، بل يدافع عن فكرة العدالة ذاتها. قد يختلف مع القاضي، وقد يجادل النيابة العامة، وقد يواجه الرأي العام، لكنه يظل وفيًا لرسالته النبيلة التي تجعل من القانون ملاذا لا أداة للإقصاء، ومن المحكمة فضاء للإنصاف لا ساحة لإسكات الأصوات.

ولهذا، فإن أي تضييق يطال مهنة المحاماة، أو أي انتقاص من مكانة البذلة السوداء، لا ينبغي النظر إليه باعتباره خلافا مهنيا عابرًا، بل باعتباره قضية مجتمعية تمس ثقة المواطنين في العدالة، وتمتحن مدى احترام دولة المؤسسات لاستقلال مكونات منظومة القضاء. إن المجتمعات الديمقراطية بمدى احترامها لمن يحملون رسالة الدفاع عن الحقوق والحريات. فحين يفقد المحامي استقلاله، يفقد المواطن آخر حصونه القانونية، وحين تُنتقص هيبة البذلة السوداء، تصبح العدالة نفسها في حاجة إلى من يدافع عنها.

إنّ البذلة السوداء ليست خصما لأحد، وليست امتيازا لفئة دون أخرى، وإنّما هي حصن لكل مواطن قد يجد نفسه يومًا في مواجهة ظلم أو تعسف أو انتهاك لحق من حقوقه. وعندما ترتفع أصوات المحامين دفاعا عن كرامة مهنتهم، فإنها في الحقيقة تدافع عن حق المجتمع بأسره في قضاء مستقل، ودفاع حر، وعدالة لا تخضع إلا للقانون. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج المغرب إلى محام مرفوع الرأس، مستقل الإرادة، قوي الحجة، محصن بالكرامة، لأن قوة العدالة هي بمدى احترام كل مكوناتها، وفي مقدمتها هيئة الدفاع.

فلنحافظ على هيبة البذلة السوداء، لأنّها ليست قطعة قماش سوداء، بل راية للحق، ورمز للكرامة، وصوت للمظلوم، وضمانة من ضمانات دولة القانون. إن احترام المحامي ليس امتيازًا يمنح له، بل هو احترام لحق كل مواطن في الدفاع، واحترام للعدالة نفسها، التي لا تستقيم إلا بقضاء مستقل، ونيابة عامة مسؤولة، ودفاع حر لا يخشى إلا ضميره والقانون. كل التقدير والتضامن مع المحاميات والمحامين، وهم يؤدون رسالتهم النبيلة في خدمة العدالة، وصون الحقوق، وحماية دولة القانون والمؤسسات.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *