بقلم زكية لعروسي، باريس
نيويورك، 26 أبريل 2026 – بناء رقم 405 ليكسينغتون أفينيو يقاوم الزمن، لكن هل يقاوم نيران العالم؟ في بهو المبنى الزجاجي الذي يطل على نهر إيست ريفر، حيث تتقابل أعلام 193 دولة كجيش من الخرق الملونة، تجلس لجنة الاستماع لتعاقب أربعة مرشحين يريدون أن يصبحوا الخادم الأعلى للعالم. ميشيل باشيليه (74 عاماً) من تشيلي، رافائيل غروسي (الأرجنتين)، ريبيكا غرينسبان (كوستاريكا)، وماكي سال (السنغال). كأن الأمم تختار حارسا لمقبرة جماعية تتسع لضحايا لا ينتهون: أوكرانيا تحترق، السودان يغرق في حمام دم، غزة تحت الأنقاض، والساحل الإفريقي يرقص الموت البطيء. السؤال الذي يهمس به شبح الفيلسوف توماس هوبز في أروقة الجمعية العامة: «في زمن أصبحت فيه الحروب سيدة الموقف، وأصبح مجلس الأمن ناديا للصراخ العقيم، هل ما زالت هيبة الأمم المتحدة سوى حلم لا يليق إلا بحكايات ألف ليلة وليلة؟»

لنقم قارئي العزيز بجولة سريعة في كرنفال المرشحين، قبل أن نغوص في الفلسفة الناعمة:
ميشيل باشيليه: صوت الضمير المتعب
امرأة حاربت الديكتاتورية في تشيلي، وعانت النفي، وعادت لتحكم بلدها مرتين. ثم أصبحت مفوضة سامية لحقوق الإنسان، حيث قضت سنوات في الصراخ بأن القصف على المدنيين جريمة حرب – دون أن يسمعها أحد. باشيليه تقول اليوم: «وجود امرأة في القمة سيكون إشارة أمل.» نعم، كالقمر في ليلة مظلمة، جميل ومضيء لكنه لا يوقف الانهيار. في خطابها أمام الأعضاء، صوّرت نفسها على أنها «صوت الأخلاق»، الشخص الذي يقول الحقيقة حتى تحت وطأة الضغط من الأقوياء. لكنها نسيت أن تقول: الأخلاق وحدها لا توقف الدبابات.
رافائيل غروسي: الرجل الذي يداعب اليورانيوم
الرئيس الحالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الرجل الذي يقضي وقته في التفتيش عن المختبرات النووية السرية في إيران وأوكرانيا. غروسي يمثل النهج التقني: يحل المشاكل عبر الخبراء والأجهزة. لكن السخرية: في عالم تحترق فيه المفاعلات وتهدد القنابل الذرية، هل يكفي مختبرو فيينا؟
ريبيكا غرينسبان: صانعة المعجزات الصغيرة
كوستاريكا بلد بلا جيش. المرأة التي أدارت برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وأقنعت العالم بأن الفقر يمكن هزيمته. لكن سؤال عابر، سيدتي ريبيكا : ماذا ستفعلين عندما تجلسين مع بوتين أو نتنياهو أو قادة السودان المتقاتلين؟ هل ستعطينهم وصفة الإصلاح الاقتصادي؟
ماكي سال: الدبلوماسي الإفريقي صاحب الخبرة
الرئيس السنغالي السابق الذي توسط في نزاعات إفريقية كثيرة، من مالي إلى السودان. يمثل التجربة الميدانية، ويعرف كيف يتعامل مع الانقلابات والإرهاب. لكن الجرح الإفريقي عميق، وبلاده غارقة في تداعيات التراجع الفرنسي والتدخل الروسي. هل يستطيع إنقاذ القارة، ثم العالم؟
:من يملك المفاتيح الحقيقية؟ الانتخاب ليس في يد الشعب، بل في يد مجلس الأمن. وهناك، سيكون لكل مرشح عوائق
– باشيليه: تواجه غضب الصين وروسيا بسبب تقاريرها الحقوقية «المتحيزة»، بحسب وصفهما.
– غروسي: مرشح تقني، تحبه الدول الغربية، لكنه لا يملك تجربة قيادة أزمة كبرى كحرب عالمية.
– غرينسبان: كوستاريكا صديقة للجميع، لكنها لا تملك ثقلا دبلوماسيا كافيا
– ماكي سال: إفريقيا تطالب بدورها (تقليديا بالتناوب بين القارات)، لكنه قد يواجه اعتراضا غربيا بسبب ملف حقوق الإنسان في السنغال.
التوقعات المبكرة (غير الموثوقة دوما): غروسي يبدو الأكثر حظا كرجل أزمات، لكن باشيليه قد تفوز بمشاعر العالم. العبرة: الفائز الحقيقي ليس من يدير المنظمة، بل من يقرر ألا تتدخل في مصالحه.

إذن، ما جدوى هذا الصرح الشاهق إذا كانت الحروب تندلع كالنار في الهشيم؟
قبل 80 عاما، تأسست الأمم المتحدة على أمل واحد: ألا تتكرر مجازر الحربين العالميتين. كان عملاقاها، روزفلت وتشرشل وستالين، يؤمنون بأن «مائدة مستديرة من الحوار» تكفي لوقف إطلاق النار. لكن التاريخ أدار ظهره للفلاسفة. ها هو الفيلسوف الألماني كارل شميت يبتسم في قبره: «السياسة هي التمييز بين الصديق والعدو.» في قاعات الأمم المتحدة، يلتقي الأصدقاء والأعداء كوجوه متوترة خلف طاولات خشبية. لكن عندما تحتد المعارك، تعلو النداءات بالحقوق، وتفشل القرارات، ثم يموت الأطفال تحت القنابل الذهبية.
تخيلوا معي: الأمم المتحدة الفاعلة كصانع ساعات ماهر في زمن الساعات الإلكترونية. كل ليلة، يجلس الأمين العام ليصلح حركة العالم، لكن التروس متهالكة، والعقارب لا تتقدم. وفي الصباح، يستيقظ على خبر: إبادة جماعية جديدة في مكان ما، فيجمع مجلس الأمن، يصوتون، يقررون، يمررون القرارات إلى طاولة مهملة. في وسط هذا العبث، يقدم المرشحون الأربعة وعودا: باشيليه تريد إصلاح مجلس الأمن (الأمن الدائمون: مستحيل). غروسي يريد تعزيز التفتيش (المنتهكون: امسحوا التقرير). غرينسبان تزيد المساعدات (الحكومات الفاسدة: أين المال؟). ماكي سال يطالب بـ«صوت الجنوب» (الشمال القوي: لا).
فهل نحن بحاجة لأمم متحدة، أم أمم منفصلة؟ الجواب الفلسفي القاسي: لا يمكن للعالم أن يحكم نفسه بنفسه. إن غابت هيبة المنظمة الدولية، فلا يمكن للشركات المتعددة الجنسيات أو التحالفات العابرة أن تقدم عدالة عالمية. لكن وجودها مثل فانوس سحري قديم – ما زال يضيء، لكن لا يطرد الظلام كله. الفائز الحقيقي في هذه الانتخابات ليس أحد الأربعة، بل الجنس البشري – إذا نجح المرشح في لملمة ما تبقى من كرامة السياسة الدولية. أما إذا فشل كل شيء، فنحن أمام مستقبل حيث تحكم الحرب العالم، وتصبح الأمم المتحدة متحفاً يزار ليرى كيف حلم البشر بالسلام.

عزيزي القارئ، تخيل أنك تركب طوفانا. من تريد قائدا؟ طبيبا ليعالج الجرحى (باشيليه)؟ مهندسا ليصلح المحرك (غروسي)؟ طاهيا ليطعم الجياع (غرينسبان)؟ أم قبطانا يجيد التعامل مع العواصف (ماكي سال)؟ لا يهم كثيرا من سيجلس على الكرسي في الطابق 38 من مبنى الأمم المتحدة. الأهم: هل سيكون مختلفا عن غوتيريس، الذي رأى الانتهاكات والتزم الصمت مرات كثيرة؟ هل يمتلك الجرأة لأن يقول للاعبين الكبار: «حان وقت التوقف؟» أم سيصبح مجرد ختم مطاطي لمجلس الأمن كما في كل مرة؟ غدا سنعرف الفائز. لكن الحقيقة: في زمن تصاعدت فيه نيران الحروب من أوكرانيا إلى غزة إلى السودان إلى الكونغو، لم يعد المطلوب أمينا عاما، بل معجزة. والمعجزات، كما تعلمون، ليست متوفرة في كتالوج الجمعية العامة.
📲 Partager sur WhatsApp.
