بقلم زكية لعروسي, باريس
في صباح ما، سيستيقظ طفل أمريكي، يفتح كيسا جديدا من حلوى M&M’s، فيكتشف أن الأزرق اختفى، وأن البني لم يعد هناك أيضا. سيبحث عنهما كما يبحث الإنسان عن زرّ مفقود في معطف قديم، ثم سيهز كتفيه ويواصل الأكل. لكن العالم، إذا كان يعرف كيف يقرأ التفاصيل الصغيرة، سيدرك أن ما اختفى ليس مجرد لونين، بل فصل كامل من الحكاية التي ترويها الحضارة عن نفسها. إن الألوان ليست أصباغا فحسب، بل هي اللغة الأولى التي اخترعتها الطبيعة قبل أن يكتشف الإنسان الأبجدية. لم يكن البحر أزرق لأنه يحتاج إلى ذلك، ولم تكن الغابات خضراء لأنها تحب هذا اللّون، بل لأنّ الكون، في لحظة غامضة من عمره، قرّر أن يكتب قصيدته الأولى بالضّوء. ثم جاء الإنسان…
ولأنّه لم يكتف بالطبيعة، صنع طبيعة أخرى داخل المصانع. اخترع أزرق أكثر زرقة من السماء، وأحمر أكثر وقاحة من الرمان، وأخضر لا وجود له إلا في المختبرات، حتى بدا وكأن نيوتن لم يكتشف الطيف الضوئي، بل اكتشف كتالوجا أوليا لصناعة الحلويات. واليوم، بعد أكثر من قرن من الكيمياء الغذائية، يعود الإنسان ليعلن، بشيء يشبه الاعتذار المتأخر، أنه يريد ألوانا «طبيعية». فجأة أصبحت المختبرات تبحث عن الشمندر والكركم والسبيرولينا، وكأنها تكتشف للمرة الأولى أنّ النباتات كانت رسامات بارعات قبل أن تصبح الكيمياء مهندسة للألوان.
يا لها من مفارقة. لقد قضى الإنسان مئة عام يحاول أن يجعل الطبيعة تشبه المصنع، ثم يقضي القرن التالي محاولًا أن يجعل المصنع يشبه الطبيعة. إنها ليست قصة حلوى. إنها قصة الحضارة الحديثة كلها. كتب الفيلسوف الفرنسي جان بودريار أن الإنسان لم يعد يعيش داخل الواقع، بل داخل نسخة مصطنعة منه، عالم من المحاكاة حيث تصبح النسخة أكثر حضورا من الأصل. ولو كان بودريار يتجول اليوم في ممرات متاجر الحلوى، لابتسم وهو يرى أن اللّون الأزرق لم يكن يوما لون الفول السوداني أو الكاكاو، بل كان لونا اخترعناه لكي نصدق أن المتعة تحتاج إلى قوس قزح صناعي. لكن ماذا لو كان اللّون نفسه يكذب؟
ليس كذبا أخلاقيا، بل كذبا بصريا. فالدّماغ لا يأكل الطعام كما هو؛ إنه يأكل لونه أولا. علماء الإدراك يخبروننا أنّ العين تتذوّق قبل اللسان، وأن اللّون يستطيع أن يقنعك بأن الحلو أكثر حلاوة، أو بأنّ الحامض أكثر حدة، حتى لو بقيت الوصفة نفسها. نحن لا نأكل الشوكولاتة فقط؛ نحن نأكل الوهم الذي يسبقها. ولهذا فإن حذف الأزرق والبني من النسخة الأمريكية الجديدة لا يبدو مجرد تعديل في قائمة المكونات، بل إعلانا فلسفيا عن نهاية عصر وبداية آخر. لقد تعب الإنسان من الكيمياء. أو ربما تعب من الخوف منها. فكلّ جيل يصنع شياطينه الخاصة. في خمسينيات القرن الماضي كانت البلاستيكات رمز الحداثة، ثم أصبحت رمز التلوث. كانت السجائر دليل الأناقة، ثم أصبحت عنوان التحذير. وكانت الألوان الصناعية دليل التقدم العلمي، ثم أصبحت، في نظر كثيرين، موضع ريبة وأسئلة صحية، حتّى عندما تختلف التقييمات العلمية من مادة إلى أخرى.
الغريب أنّ الطبيعة نفسها ليست بريئة كما نتخيل. فالفطر السام طبيعي. والزرنيخ طبيعي. ولدغة الكوبرا طبيعية. بينما كثير من الأدوية التي تنقذ ملايين البشر ليست طبيعية على الإطلاق. وهنا تسقط الثنائية الساذجة بين «الطبيعي» و«الاصطناعي». فالطبيعة ليست مرادفًا للخير، والكيمياء ليست مرادفا للشر. المسألة أعقد بكثير. إنها تتعلق بالعلم، والجرعات، والأدلة، والثقة، وبالطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى ما يضعه في فمه. ربما لهذا السبب يبدو اختفاء اللونين الأزرق والبني من بعض منتجات M&M’s حدثا أكبر من حجمه الحقيقي. إنه يروي قصة عصر فقد ثقته المطلقة في المختبر، لكنّه لم يستعد ثقته الكاملة في الطبيعة. إنّه يقف بين عالمين؛ لا يريد العودة إلى الماضي، ولا يطمئنّ تماما إلى المستقبل.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن الطفل الذي سيأكل هذه الحلوى الجديدة لن يفكر في كل ذلك. سيضحك، ويختار الحبة الحمراء أو الصفراء، وربما لن يلاحظ الغياب أصلًا. وحدهم الكبار يحولون الألوان إلى قضايا فلسفية، ويجعلون قطعة سكّر صغيرة مرآة تعكس قلق حضارة بأكملها. وهكذا، بينما يختفي الأزرق والبني من كيس الحلوى، يبقى السّؤال الحقيقي معلّقا في الهواء: هل نحن نصنع أطعمة تشبه الطّبيعة، أم نصنع طبيعة جديدة تشبه مخاوفنا؟ ربّما لا يتعلق الأمر بحبّتين من الشوكولاتة، بل بالإنسان نفسه؛ ذلك الكائن العجيب الذي لا يكفّ عن إعادة تلوين العالم، ثمّ يقضي عمره كلّه يبحث عن اللّون الأصلي الذي أضاعه بيديه.
📲 Partager sur WhatsApp