خيوط فيها شفاء: صدلية الأجداد والفقراء

بقلم زكية لعروسي, باريس

في الزمن القديم، قبل أن تسطو القارورات البلاستيكية على رفوف البيوت، وقبل أن تصير الصيدليات معابد يتبارى عند أبوابها أبناء الحداثة، كانت أمي خيرة تملك من العلم ما لا تملكه اليوم ألف أطروحة. كانت تعرف أن خيوط العنكبوت ليست قذارة تُكْنس، بل هي حرير السماء الذي نزل على الأرض لتتشفع به الأجساد. أبي… ذاك الرجل الذي كان يمشي في الدنيا بهيبة الأنبياء المنسيين، كان يحرص كل صباح على تفقد أعشاش العنكبوت في زوايا البيت. لا يمسحها بيد جاحدة، بل ينظر إليها بعين من يعرف أن في هذه الخيوط الهشة سرا من أسرار البقاء. وكنا نحن الصغار نضحك من أمره، نستغرب كيف يُبقي على هذه “الأوساخ” في بيتنا، بينما جيراننا يتفاخرون ببيوتهم النظيفة التي لا تعرف عشا ولا خيطا. لم نكن نعلم أن أبي كان يحفظ في تلك الخيوط سر الحياة.

“الجرح يا بنتي، إذا استعصى عليه الدم، فأتي بخيط عنكبوت”… هكذا كانت تقول أمي خيرة، وهي تغمد إصبعا مقطوعا أو جرحا غائرا بذلك الحرير الأبيض. وكنا نرى بأم أعيننا كيف ينقطع الدم كأنما أمره ملك الموت أن يتوقف. كانت خيوط العنكبوت في بيتنا أشبه بضمادات مجانية، لا تحتاج إلى وصفة طبية ولا إلى نقود.فقد أدرك – أولئك الأجداد الأميون في ظاهرهم، العلماء في بواطنهم – أن وهن بيت العنكبوت في الظاهر في قوله تعالى: “وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ” هو قوته في الباطن. فما من بيت أضعف من خيوط العنكبوت، وما من بيت أقدر على الصمود أمام الرياح.

اليوم… تغير الزمن. يا للهول! تغير الزمن فصار الإنسان يظن أن خيط العنكبوت من “الوساخة”، وأن البيت الذي لا يعرف هذه الخيوط هو بيت التحضر والرقي. أصبحنا نكنس البيوت من خيوط العنكبوت كما نكنس الذنوب، نمسحها بيد متعالية، ننظر إلى هذه العجائب نظرة الساخر الجاهل. وفي المقابل، ماذا أدخلنا إلى بيوتنا؟ سموما نعرفها بأسماء براقة: معطرات الجو التي نستنشقها فنقتل خلايانا ظنا منا أننا نعطر المكان. مبيدات حشرية نرشها بخفة، لا نعلم أنها سموم تمتصها بشرتنا وتصل إلى دمائنا. مواد تلميع وأدوات تنظيف تعلن عن نفسها بصوت عال, وفي الخفاء تفتك برئتنا وأرواحنا. بل أمعنا في الجريمة… فأصبحنا نتداوى بالسموم! “خذ حبة قبل الأكل” …لم يعد الطب عندنا إلا حبوبا وكبسولات. اشتكى رأسك؟ حبة. اشتكى ظهرك؟ حبة. اشتكى قلبك؟ حبة. أتعبتك الدنيا؟ حبتان. صرنا نعيش في زمن لا يعرف أن خيط العنكبوت كان يوقف النزيف، وأن العسل كان يبرئ الجروح، وأن الحبة السوداء كانت شفاء من كل داء. “ما نزل داء إلا وأنزل له دواء” … هذا ما كان يقوله الأجداد. لكننا نحن اليوم، في غطرستنا، نعتقد أن الدواء لا يأتي إلا من معامل الكيماويات.

أمي خيرة – التي لم تتعلم القراءة والكتابة – كانت تحفظ من الأمثال ما لا تحفظه مكتبة. كان لديها مثل لكل داء، ولكل موقف. عن خيوط العنكبوت، كانت تقول: “خيط العنكبوت يمسك الجرح ولا يمسك الرزق”. كان معناها – فيما أظن – أن هذه الخيوط العجيبة قادرة على إيقاف الدم وربط الجروح، لكنها لا تستطيع أن تمسك الأرزاق إذا أراد الله أن تفلت. وتقول أيضا: “بيت العنكبوت يابنتي، إذا شوفتيه تستقذرينه، وإذا استعملتيه غاي تقديريه”. كنا نضحك ونحن صغار، واليوم أدرك معنى كلماتها: نحن نستقذر ما لا نعرفه، ونستهين بما لا نفهمه. وكم ضربت لنا هذا المثل حين كنا نستهين ببعض الأمور: “العنكبوت يا بنتي، يبني بيته من ريقه، والإنسان يبني بيته من تعبه. وريقه أهون من تعبه، لكن بيته يبقى وبيوتنا تتهدم” . يا لروعة هذه الحكمة! العنكبوت يبني ببساطة من لعابه، فيصنع أعقد البيوت. ونحن نبني بالإسمنت والحديد، وبيوتنا تتهاوى. فماذا تبقى لنا من هذه التقاليد؟

لا شيء تقريبا. تلك المعارف التي كانت تناقلتها الأجيال – عن خيوط العنكبوت للجروح، عن الحجامة للسموم، عن العسل للالتهابات، عن السواك للأسنان – أصبحت اليوم مجرد “خرافات قديمة” في نظر جيل يظن أن التقدم هو أن يستورد كل شيء من الخارج، حتى طب الأعشاب. أصبحنا نحارب الطبيعة كما نحارب عدوا. نشعل النار في الغابات لنبني مجمعات سكنية. نسمم التربة بالأسمدة الكيماوية لنزرع طعاما بلا روح. نقتل الحشرات بالمبيدات فنقتل معها العناكب التي كانت تحمي بيوتنا من البعوض والذباب.

ماتت الطبيعة. ومع موتها، ماتت الأرواح. لأن الروح – كما كانت أمي خيرة تقول – “تتنفس الطبيعة، فإذا ماتت الطبيعة، اختنقت الأرواح” . نعم، اختنقت الأرواح. أرواحنا اليوم مختنقة بين جدران الإسمنت، بين روائح المعطرات الكيماوية، بين حبات الدواء التي نبتلعها بلا وعي. وتغيرت ملامح الوجوه. لم تعد وجوهنا تعرف البهجة التي كانت تعرفها وجوه الأجداد. صارت ملامحنا شاحبة، صفراء، مرهقة. نضع على وجوهنا موادا كيماوية باهظة الثمن لنبدو أصغر سنا، فنكبر قبل أواننا. نغطي تجاعيدنا بطبقات من البلاستيك السائل، ونحن لا نعلم أن التجاعيد الحقيقية ليست على البشرة، بل في الروح التي أتعبتها السموم. “الوجه يا بنتي مرآة الروح” … كانت أمي تقول. واليوم أرى الوجوه حولي، لا أرى فيها أرواحا. أرى مرايا مكسورة، أو مرايا يعكس بعضها بعضا، فلا تعكس شيئا حقيقيا. يا له من انقلاب!

أتأمل اليوم وأنا أقرأ عن خيوط العنكبوت، كيف أن العلماء في أرقى الجامعات يدرسون هذا “الحرير المعجزة”، يحللون تركيبها من البروتينات، يدرسون قوتها التي تفوق الفولاذ، ومرونتها التي لا مثيل لها. يريدون أن يصنعوا منها خيوطا للجراحة، وسترات واقية من الرصاص، بل يريدون أن يقلدوها مخبريا. نحن ندفع الملايين لنكتشف ما كان يعرفه جدي في قريته! نحن نصنع من خيوط العنكبوت أبحاثا في مجلات علمية محكمة، بينما كان جدي يصنع منها حياة. نكتب عن خيوط العنكبوت مقالات في “العالم” و “ناشيونال جيوغرافيك”، بينما كانت أمي خيرة تضعها على جرحي فتداوي به صمتا. انتهى الزمن الذي كنا نعرف فيه كيف نعيش …. هكذا أقول لنفسي. انتهى الزمن الذي كانت فيه خيوط العنكبوت جزءا من صيدلية البيت، والعسل جزءا من وصفات الجمال، والحبة السوداء جزءا من كل وجبة. أصبحنا نشتري الصحة من الصيدليات، والجمال من محلات التجميل، والروح من مراكز التأمل التي تبيع لنا الهدوء بأسعار مرتفعة.

ربما لم يكن العنكبوت يوما ليظن أن خيوطه التي يبني بها بيته ستصبح يوما حديث المجلات العلمية. ربما لم يكن ليتخيل أن البشر سينفقون المليارات لدراسة ما تفعله غدده ببساطة. لكنني أتساءل: نحن الذين ندرس خيوط العنكبوت اليوم في المعامل، هل نعرف كيف نستخدمها كما كان أجدادنا يستخدمونها؟ نحن الذين نبني بيوتنا من الزجاج والفولاذ، هل نعرف معنى أن نبني بيتا من ريقنا؟ أتذكر مقولة أخرى لأمي خيرة، كانت تقولها وأنا صغيرة ولا أفهمها: “احذري يا بنتي أن تصيري مثل العنكبوت الذي يبني بيته من جوفه، ثم يظل في بيتو جائعا!” . كنت أضحك ولا أفهم. واليوم أظن أني فهمت.

نحن اليوم نبني بيوتا من “جوفنا” – من تعبنا وعرقنا ودمائنا – ثم نعيش فيها جائعين. جائعين للروح، جائعين للحكمة، جائعين للطبيعة التي قتلناها بأيدينا. أغلق حاسوبي, قارئي, اليوم، وأنا أنظر إلى زاوية البيت. هناك عش عنكبوت صغير، نسيته المكنسة الكهربائية، أو ربما تهاونت عنه. أراه يتمايل بهدوء مع هواء المكيف. أتأمله. أراه خيطا أبيضا رفيعا، لا يكاد يرى. لكنني أعرف – منذ أيام طفولتي- أن هذا الخيط الضعيف قادر على إيقاف نزيف الجروح. ونزيفنا اليوم ليس نزيف دم. نزيفنا اليوم نزيف روح. نزيف إنسانية. نزيف تلك الحكمة القديمة التي كانت تجعلنا نعرف كيف نعيش مع الطبيعة لا ضدها. نزيف تلك البساطة التي كانت تجعلنا نعرف أن خيط العنكبوت ليس قذارة، بل هو شفاء. ليت لي خيط عنكبوت اليوم، لأضعه على جرح هذا الزمن. ليت أمي خيرة إلى جانبي، لتقول لي كلماتها التي كانت توقف نزيف الجهل: “يا ابنتي، الدنيا دوارة. ما استقذره الناس اليوم، سيقدرونه غدا. وما قدروه اليوم، سيستقذروه بعد حين. والعبرة عند الله، وخيوط العنكبوت في بيته” .آمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، الذي جعل من كل شيء خلقا، ومن كل خلق آية، حتى من خيوط العنكبوت.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “خيوط فيها شفاء: صدلية الأجداد والفقراء

  1. من جهة أولى، ما كتبته ليس عن العناكب بقدر ما هو عن زمنٍ كان فيه الإنسان أكثر قربًا من الطبيعة، وأكثر تواضعًا أمام “الأسرار الصغيرة” التي لا تراها العين الحديثة. الأب هنا ليس فقط رجلًا يُبقي خيوط العنكبوت، بل رمزٌ لحكمة فطرية تُقدّس ما يبدو تافهًا، وترى في الهشاشة معنى للحياة. والأم تمثّل معرفة تقليدية لم تُكتب في الكتب لكنها عاشت في التجربة. هذا البعد الأدبي في النص قوي ومؤثر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *