بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
إن التاريخ الحديث يثبت أن الدول التي تحسن إدارة موقعها، وتحسن توظيف استقرارها، وتقرأ تحولات العالم بعين الاستباق، تستطيع أن تجعل القوى الكبرى تتنافس على أبوابها، لا لأنها الأقوى عسكريا، بل لأنها الأكثر قيمة استراتيجيا. وهنا تكمن الحكاية المغربية. فما يتداول اليوم في الأوساط الصناعية والدفاعية بكوريا الجنوبية حول احتمال اهتمام سيول ببرنامج غواصات مستقبلي للمغرب، لا ينبغي أن يقرأ باعتباره مجرد خبر يتعلق بصفقة محتملة، بل باعتباره مؤشرا آخر على التحول العميق الذي عرفته مكانة المملكة خلال العقدين الأخيرين. فالتقرير الذي استندت إليه وسائل إعلام كورية ومغربية لا يتحدث عن عقد موقع، ولا عن مناقصة رسمية، وإنما يصنف المغرب ضمن الأسواق المستقبلية التي تستحق المتابعة. وهذه الحقيقة، في ذاتها، تحمل دلالة سياسية واقتصادية تتجاوز الغواصات إلى فلسفة الدولة المغربية في إدارة نفوذها.
لقد نجحت الدبلوماسية الملكية، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، في إعادة تعريف المغرب داخل المعادلة الدولية. فلم يعد يُنظر إلى الرباط باعتبارها مجرد مستورد للتكنولوجيا أو السلاح، بل أصبحت فضاءً تتقاطع فيه المصالح الصناعية واللوجستية والاستثمارية، وشريكا يملك القدرة على إنتاج القيمة المضافة، وعلى توفير بيئة مستقرة في إقليم يتسم بتقلبات جيوسياسية متسارعة. إن هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، ولا ثمرة ظرف إقليمي عابر، بل نتيجة رؤية طويلة النفس، آمنت بأن النفوذ في القرن الحادي والعشرين هو بقدرة الدولة على أن تصبح عقدة استراتيجية في سلاسل الاقتصاد العالمي، ومركزا لتلاقي المصالح لا لتصادمها.

ولذلك، حين تتنافس ألمانيا وكوريا الجنوبية وتركيا وفرنسا والولايات المتحدة وإسرائيل والصين على فرص الشراكة مع المغرب، فإنها لا تتنافس على سوق استهلاكية محدودة، وإنما تتنافس على موقع جغرافي يكاد يكون الاستثناء الوحيد الذي يجمع بين إفريقيا وأوروبا والمحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط في نقطة ارتكاز واحدة. إن المغرب لا يبيع موقعه الجغرافي، بل يحوله إلى رأسمال سيادي. ولعل هذا ما يفسر أن الحديث عن الصناعات الدفاعية في المغرب لم يعد يقتصر على عقود التوريد، بل أصبح يمتد إلى نقل التكنولوجيا، والتجميع المحلي، والتصنيع المشترك، وبناء منظومات إنتاج تجعل من المملكة شريكًا صناعيًا، لا مجرد زبون.
ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الكوري الجنوبي. فبعد الإخفاق في برامج كبرى بكندا وبولندا، تبحث الصناعات البحرية الكورية عن أسواق تتوافر فيها ثلاثة عناصر: الاستقرار السياسي، والقدرة الاقتصادية، والرؤية بعيدة المدى. وهذه العناصر الثلاثة أصبحت اليوم جزءًا من الصورة التي يقدمها المغرب عن نفسه. غير أن قراءة هذا الاهتمام ينبغي أن تبقى متزنة. فليس كل اهتمام يتحول إلى عقد، وليس كل تقدير صادر عن مؤسسة مالية أو صناعية يعني أن قرارا سياديا قد اتخذ. إن السياسة الدفاعية المغربية عرفت تاريخيا بأنها تتسم بالصبر، وتعدد الخيارات، ورفض الارتهان لمصدر واحد. ولذلك فإن مجرد إدراج المغرب ضمن الأسواق المحتملة لا يعني أنّ الرباط حسمت خيارها، بل يعني أن المملكة أصبحت من الدول التي يسعى المصنعون العالميون إلى كسب ثقتها. وهذا، في حد ذاته، تحول بالغ الدلالة.

لقد نجحت الدبلوماسية الملكية في أن تجعل من الثقة المغربية موردا استراتيجيا نادرا. فحين تتنافس الشركات العالمية على نيل شراكة مع دولة ما، فإنها لا تشتري عقدا فقط، بل تسعى إلى الظفر بثقة مؤسسة دولة أثبتت، عبر السنوات، أنها لا تبني قراراتها على الانفعال، وإنّما على حسابات دقيقة تجمع بين الأمن القومي، والمردودية الاقتصادية، والاستقلالية الاستراتيجية. إن المملكة، في ظل القيادة الملكية، لم تجعل من تنويع الشراكات شعارا دبلوماسيا، بل حولته إلى عقيدة دولة. ولهذا نراها تبني شراكات وثيقة مع الولايات المتحدة، وتطور تعاونها مع أوروبا، وتنفتح على آسيا، وتعمق حضورها في إفريقيا، دون أن تدخل في سياسة المحاور أو الارتهان. إنها دبلوماسية الجسور، لا دبلوماسية الخنادق. وهنا تكمن عبقرية النموذج المغربي؛ فهو لا يستثمر في الأزمات، بل في الاستقرار. ولا يصنع نفوذه بالضجيج، بل بالثقة. ولا يفرض حضوره بالخطاب، بل بالإنجاز. ولذلك، فإن مجرد ورود اسم المغرب في تقارير الصناعات الدفاعية العالمية، بوصفه سوقا واعدة أو شريكا محتملا، لم يعد حدثا استثنائيا، بل أصبح انعكاسا طبيعيا للمكانة التي راكمتها المملكة في النظام الدولي.
قد تبرم صفقة الغواصات مع كوريا الجنوبية، وقد تبرم مع ألمانيا، أو مع شريك آخر، وقد لا تبرم في المدى المنظور أصلا. لكن الثابت أن القيمة الحقيقية ليست في اسم المصنع الذي يفوز بالعقد، وإنما في حقيقة أن القوى الصناعية الكبرى باتت ترى في الرباط عنوانًا لمستقبل استراتيجي يستحق المنافسة. وهذا هو الإنجاز الذي يتجاوز العقود العسكرية، لأنه يعكس نجاح رؤية جعلت من المغرب دولة يُتنافس عليها، لا دولة تبحث عمن يمنحها فرصة. وهكذا، حين تتزاحم الأعلام الصناعية على أبواب الرباط، فإن المشهد لا يروي قصة غواصتين محتملتين، بل يروي قصة دولة استطاعت، بهدوء وحكمة واستمرارية، أن تحوّل الجغرافيا إلى نفوذ، والدبلوماسية إلى قوة ناعمة، والثقة إلى أحد أثمن أصولها السيادية في عالم لم يعد يعترف إلا بمن يملك القدرة على صناعة موقعه بنفسه.
📲 Partager sur WhatsApp