بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
ليس في تاريخ العربية قصائد قيلت، وإنما فيه قصائد وقعت؛ وقعت كالصواعق على جبين الزمان، فأحرقت الأقنعة، وتركت للحق وجهه عاريا لا يستتر إلا بنوره. ومن تلك القصائد، درة الفرزدق في الإمام علي بن الحسين زين العابدين؛ فهي ليست أبياتا من بحر الطويل، وإنما أمواج من بحر الحقيقة، ارتطمت بالصخور، فتكسرت وبقي الموج. ليست كل القصائد تولد لتنشَد، ولا كل الأبيات تقال لتطرب السامعين؛ فمن الشعر ما يولد على ألسنة الشعراء، ثم انتهاء المجلس، ومنه ما يولد في ساعة صدق فيغدو وثيقة يقرؤها التاريخ قبل أن يحفظها الرواة. ومن هذا الضرب الرفيع قصيدة الفرزدق في الإمام علي بن الحسين زين العابدين، تلك القصيدة التي خرجت من قلب شاعر أبيّ، فلم تكن مدحا يتكسّب به، ولا ثناء يبتغى به رضا، وإنّما كانت كلمة حقّ دفعت ثمنها حبسا، وربحت بها خلودا.
كان المشهد في رحاب البيت الحرام، حيث تتجرد النفوس من زينة الدنيا، ويقف الناس سواء أمام ربهم. ازدحم الطائفون على الحجر الأسود، فعجز هشام بن عبد الملك عن الوصول إليه، وأقام ينتظر انحسار الزحام. ثم أقبل الإمام زين العابدين، فما هو إلا أن عرفه الناس حتى حتى تنحّت الجموع كما تتشقق الأرض عن نبع قديم، وكأن الأرواح عرفت صاحبها قبل أن تعرفه الأبصار، وكأن القلوب كانت تحفظ ملامحه من عهد كتبته السماء ولم تطوه الأيام. كانت هيبته تسير أمامه، وفضله يسبق خطاه. كانت مكة يومئذ لا تطوف بالكعبة وحدها، بل كانت تطوف حول معنى أعظم من الحجر، معنى الهيبة التي يمنحها الله لعباده الصالحين.
هنالك ارتبكت السياسة أمام جلال الحقيقة. وسأل هشام بن عبد الملك سؤالا لم يكن يطلب جوابا، وإنّما كان يريد أن يدفن الشمس في جيب الليل: من هذا؟ ويا لسذاجة السؤال حين يلقى على باب العظمة! أيسأل عن النور من أبصر النهار؟! أويسأل عن البحر وفي ثياب السائل رائحة الملح؟! أو يجهل من كانت مكة تحفظ وقع قدميه كما يحفظ القلب خفقته؟ في تلك اللحظة لم يتكلّم الفرزدق، بل تكلّم الضمير الذي ضاقت به أضلاع شاعر. فخرج صوته كأنّما انشق من صخرة، لا يخشى ولا يرجو جائزة، وأنشد:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
والبيت يعرفه والحل والحرم
فلم يمدح رجلا، وإنّما استنطق الجماد. جعل الرمال ذاكرة، وجعل الحجارة شهودا، وجعل الكعبة نفسها راو من رواة الفضائل. لقد استعان بالمكان ليقيم الحجة على الإنسان، وكأن لسان حاله يقول: إذا أنكرته الوجوه، فلن تنكره الأرض التي شربت من آثار خطاه. ثم ارتفع البيان درجة أخرى، فقال:
هذا ابن خير عباد الله كلهم
هذا التقي النقي الطاهر العلم
فلم يكن النسب عنده شجرة تتفيأ بظلها البطون، بل نورا يؤيده العمل، وهيبة تزكيها العبادة، وطهرا لا تصنعه التيجان، وإنما تصنعه السجودات الطويلة في جوف الليل. ثم أبدع الفرزدق صورة لو أن البلاغة كانت إنسانا لوقفت لها إجلالا:
يغضي حياء ويغضى من مهابته
فلا يكلَّم إلا حين يبتسمجمع في بيت واحد بين الحياء الذي يزيّن الكريم، والهيبة التي تفرضها الفضيلة، فكأن الوقار قد اتخذ من الإمام مسكنا، وكأن التواضع تاج لا يلبسه إلا العظماء. ثم بلغ الفرزدق ذروة البيان حين قال:
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله
بجدّه أنبياء الله قد ختموافأغلق أبواب الجدل، وأقام الحجة بالنسب الشريف، مقرونا بما عرف عن الإمام من صلاح وعلم وعبادة.
وجاء البيت الذي صار مثلا في الكرم والجود:
ما قال: لا، قطّ إلا في تشهده
لولا التشهد كانت لاؤه نعمفجعل كلمة “لا” غريبة عن لسانه، لا ينطق بها إلا في شهادة التوحيد، مبالغة في وصف سماحته وبذله.
يا لها من مفارقة عجيبة! حياء يخفض الجفن، وهيبة ترفع الرؤوس. تواضع يفر من المدح، وجلال يطارد الأبصار. فكأن الوقار قد اتخذ من الإمام عرشا، وكأن السكينة كانت تمشي في ثيابه. ثم ألقى الشاعر سهمه الأخير، فلم يصب الإمام مدحا، بل أصاب خصومه خزيا، حين قال:
وليس قولك: من هذا؟ بضائره
العرب تعرف من أنكرت والعجم
وهنا تتحول القصيدة من ثناء إلى محكمة، ومن مديح إلى حكم تاريخي. فما عاد السؤال سؤالا، بل صار إدانة للسائل؛ لأن العظمة لا تنقصها جهالة الجاهل، كما لا ينقص الشمس أن يعمى عنها الأعمى. ولم تكن هذه الأبيات مجرد مديح، بل كانت محاكمة أخلاقية لمن حاول إنكار الحقيقة. ولهذا لم يحتملها هشام، فأمر بحبس الفرزدق، ظنّا منه أنّ السجن يقيّد الكلمة، وغفل عن أن القصائد إذا خرجت من ضمير صادق أصبحت عصيّة على القيود. دخل الشاعر السجن، لكن قصيدته خرجت إلى الآفاق، تحفظها الصدور، وتتناقلها الأجيال، حتى غدت أشهر من السجن المسجون. لقد أغلق باب من الحديد، وفتح باب من الخلود.
دخل الشاعر زنزانة ضيقة، لكنّ قصيدته خرجت تتسع لها الأمصار. قيّد الجسد، وانطلقت الحروف. أغلقت الأبواب على الإنسان، وبقيت المعاني تحلّق كما يحلّق النسر فوق الغبار.وهكذا انتصر الشعر يوم انحاز إلى الحقيقة، وانتصرت الكلمة يوم رفضت الظلم . وبقي الفرزدق مثالا للشاعر الذي جعل من القصيدة موقفا، ومن البيت الشعري شهادة لا يطويها الزمن، وبقي الإمام زين العابدين علما من أعلام الفضيلة، تشهد له سيرته كما شهدت له قصيدة الفرزدق، ويشهد له التاريخ كما شهدت له بطحاء مكة: «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته، والبيت يعرفه والحل والحرم.»
إن الكلمة إذا خرجت من قلب لا يشتريه الذهب، صارت سيفا لا يفلّه الحديد. لقد رحل الفرزدق, وبقي البيان. فالقصيدة اليوم تتلى في مشارق الأرض ومغاربها، بل تعيش في أفواه الناس، كما تعيش النجوم في ذاكرة اللّيل. وهكذا يثبت التاريخ، مرة بعد مرة، أن الحق قد يسجن صاحبه، ولكنّه لا يسجن أبدا، وأنّ القصيدة إذا حملت روح الصدق، أصبحت سفينة تعبر القرون، لا تغرق في بحر النسيان، ولا تكسر أشرعتها رياح السياسة، لأنّها صنعت من نور، والنور لا يعرف إلا طريق الانتشار.
📲 Partager sur WhatsApp
هذه أكثر من كونها قصائد، بل ما يرقى إلى ” الحدث” ، بالمعنى الهيدجيري. بحيث كان فعل الكتابة ” تحريرا” بالمعنى القوي للكلمة، ليس تحريرا. الكتابة هنا كتابة بزمن البطء، زمن السكون الذي يهمس بأثر وميض ما لم يقل بعد، البيان الذي يقهر قوة الزمن التخريبية.