حين تزرع السيادة بماء البحر

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

ليست السيادة، في القرن الحادي والعشرين، راية ترفع فوق الحدود فحسب، بل مشروعا تنمويا يجعل الأرض تتحدث بلغة العمران، ويجعل الاقتصاد أبلغ الحجج في تثبيت الحقائق. وهكذا تبدو الصحراء المغربية اليوم. ففي أقصى الجنوب، حيث كانت قسوة المناخ تقدَّم طويلا بوصفها قدرا جغرافيا، اختارت المملكة المغربية أن تحوِّل التحدي إلى فرصة، وأن تجعل من البحر، الذي ظل قرونا يرسم حدود اليابسة، شريانا جديدا للحياة. إن مشروع تحلية مياه البحر لإرواء أكثر من ألف هكتار من الأراضي الزراعية في جهة الداخلة ليس مجرد ورش فلاحي، بل إعلان عن ميلاد فلسفة تنموية جديدة، قوامها أن المستقبل لا ينتظر، بل يصنع.

لقد أدرك المغرب، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أن معركة التنمية في الأقاليم الجنوبية ليست معركة أرقام أو استثمارات معزولة، وإنما معركة رؤية. ومن هنا جاءت المشاريع الكبرى في الموانئ، والطاقات المتجددة، والبنيات التحتية، والربط اللوجستي، لتتضافر اليوم مع مشاريع الماء والزراعة، في لوحة واحدة تعيد تعريف الصحراء بوصفها فضاء للإنتاج، لا مجرد امتداد جغرافي. إن تحلية مياه البحر في منطقة تعاني شح الموارد المائية ليست انتصارا للتقنية وحدها، بل انتصار للعقل السياسي الذي قرأ مبكرا أن الأمن المائي سيغدو أحد أعمدة السيادة الوطنية. فالمغرب لا يكتفي بمواجهة آثار التغير المناخي، بل يسعى إلى تحويل الابتكار البيئي إلى رافعة للتنمية الاقتصادية، حيث تتكامل الزراعة مع الصناعة الغذائية، وتلتقي الاستثمارات مع البنية التحتية، في نموذج يجعل من كل قطرة ماء قيمة مضافة.

ولعل الأهم من المشروع ذاته هو الرسالة التي يحملها إلى العالم. فالأقاليم الجنوبية لم تعد تعرَّف بما يقال عنها في المحافل السياسية، بل بما ينجز فيها على أرض الواقع. إن الطرق والموانئ ومحطات التحلية والمشاريع الفلاحية أصبحت لغةً جديدة للدبلوماسية المغربية؛ لغة لا تعتمد على الخطابة، بل على الوقائع. فحين تستثمر الأرض، وتخلق فرص العمل، وتبنى سلاسل إنتاج حديثة، يصبح الاقتصاد هو المرافعة الأقوى. وهنا تتجلى إحدى أبرز سمات الدبلوماسية الملكية: تحويل التنمية إلى أداة من أدوات السياسة الخارجية. فالمغرب لم يختر أن يرد على التحولات الإقليمية بالشعارات، بل بالاستثمار. ولم يجعل من الصحراء ملفا دفاعيا فحسب، بل جعلها ورشا مفتوحا للاقتصاد العالمي، يستقطب رؤوس الأموال، ويجذب التكنولوجيا، ويمنح الفاعلين الدوليين أسبابا إضافية للنظر إلى الجنوب المغربي باعتباره فضاء واعدا.

إن العقود الطويلة الأمد المخصصة للمستثمرين، وربطها بإمكانية إقامة أنشطة صناعية مرتبطة بالإنتاج الزراعي، تعكس انتقالا نوعيا في التفكير الاقتصادي. فالغاية ليست استغلال الأرض فقط، بل بناء منظومات إنتاج متكاملة، تخلق الثروة محليا، وتعزز القيمة المضافة، وتربط الفلاحة بالصناعة والتصدير والخدمات اللوجستية. وهذا هو جوهر الرؤية الملكية: التنمية ليست مشروعا ظرفيا، بل بناء مؤسساتي طويل النفس، يراكم الإنجازات عامًا بعد عام، حتى تتحول الاستثمارات المتفرقة إلى منظومة اقتصادية متماسكة. لقد أصبحت الداخلة، بما تشهده من مشاريع، أكثر من مدينة جنوبية؛ إنّها مختبر مغربي لفكرة جديدة عن التنمية في البيئات الجافة، ونموذج إفريقي في كيفية تحويل ندرة المياه إلى دافع للابتكار، لا إلى ذريعة للجمود.

ومن هنا، فإن الحديث عن تحلية مياه البحر يتجاوز البعد التقني. إنه حديث عن سيادة غذائية، وأمن مائي، وجاذبية استثمارية، واستقرار مؤسساتي، ورؤية دولة تدرك أن النفوذ في العصر الحديث يبنى أيضا بالحقول الخضراء، كما يبنى بالموانئ والمناطق الصناعية. إن الدبلوماسية الملكية لم تكتف بفتح الأبواب أمام الشراكات الدولية، بل هيأت لهذه الشراكات أرضا صلبة تقوم على الثقة والاستقرار واستمرارية القرار. ولهذا لم تعد الشركات العالمية تنظر إلى الأقاليم الجنوبية باعتبارها هامشا بعيدا، بل بوصفها نقطة ارتكاز نحو إفريقيا، ومجالا رحبا للاستثمار في قطاعات المستقبل.

إن أعظم ما يحققه هذا المشروع ليس فقط تحويل ماء البحر إلى ماء عذب، بل تحويل الجغرافيا إلى فرصة، والمناخ إلى تحدٍّ قابل للتجاوز، والصحراء إلى عنوان لقدرة الإنسان المغربي على صناعة المستقبل. وهكذا، فإن ما يجري اليوم في الداخلة ليس قصة محطة تحلية فحسب، بل فصل جديد من قصة دولة اختارت أن تجعل من التنمية لغة سيادتها، ومن الاستثمار برهان رؤيتها، ومن الصحراء المغربية فضاء تتجسد فيه الإرادة السياسية في أوضح صورها: إرادة البناء، وإرادة الاستدامة، وإرادة المستقبل.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “حين تزرع السيادة بماء البحر

  1. الفلسفات المؤسسة للفكر، وجميع الشراءع، اعتبرت الماء أصل الوجود، ومن الماء يكون كل شيء حي.
    غير أنه في هذا الزمن، زمن أرقى صور التقنية، أمست البحار والمحيطات مصر هذه الماء الحيوية، المادة التي تتحول معها الفضاءلت التي التي كانت تنعت يوصلها صحراء، أصبحت تصدر ما لم يكن في الحسبان: إمكانات الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *