بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في السياسة الفرنسية، لا تكفي السنوات الطويلة في السلطة لكي يصبح الرجل رئيسا. وقد لا تكفي النجاحات الاقتصادية، ولا الحضور الإعلامي، ولا حتى القرب من قصر الإليزيه. فالرئاسة في فرنسا ليست منصبا يصعد إليه السياسي على درجات الوظيفة العامة، بل هي عبور وجودي من مرتبة رجل الدولة إلى مرتبة صانع التاريخ. ولهذا يبدو برونو لومير اليوم وكأنه لا يعلن ترشحه للرئاسة بقدر ما يعلن انفصاله الرمزي عن المرحلة التي صنعته. ,فالوزير الذي أمضى سبع سنوات في وزارة الاقتصاد، وعاش في قلب التجربة الماكرونية بكل نجاحاتها وإخفاقاتها، لم يعد يتحدث بلغة الموظف السياسي الذي يقترح إصلاحات جزئية، بل بلغة رجل يريد أن يكتب فصلا جديدا. إنه يدرك أن الفرنسيين لا يبحثون في انتخابات عام 2027 عن مدير جديد للدولة، بل عن تفسير جديد للدولة نفسها. ولهذا جاءت عبارته الأكثر دلالة حين قال إنه لا يريد إصلاح النظام، بل يريد تغييره. هذه ليست جملة عابرة. إنها إعلان قطيعة مع مدرسة كاملة في الحكم.
من يتأمل شخصية برونو لومير يدرك أنه ينتمي إلى ذلك الجيل من السياسيين الفرنسيين الذين تشكلوا داخل مؤسسات الدولة قبل أن يتشكلوا داخل الأحزاب. فهو ابن المدرسة العليا للإدارة، وخريج تقاليد الجمهورية الخامسة التي صنعت نخبة تؤمن بأن الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل عقل الأمة وذاكرتها. لكن الرجل الذي نشأ داخل هذه المنظومة، يبدو اليوم وكأنه يكتب شهادة نقد لها. وهنا تكمن المفارقة. فأخطر النقد ليس ذلك الذي يأتي من الخارج. بل النقد الذي يخرج من قلب المؤسسة نفسها. إنه يشبه مهندسا قضى عمره في بناء قصر، ثم وقف ذات صباح ليقول إن أساساته لم تعد قادرة على حمل الطوابق الجديدة. غير أن السياسة لا تكافئ الاعترافات بسهولة. فالرأي العام يسأل دائما السؤال الأكثر قسوة: إذا كنت تؤمن اليوم بأن النظام وصل إلى نهايته، فأين كنت حين كنت أحد أكثر رجاله نفوذا؟ ذلك سؤال سيطارد برونو لومير طوال حملته، سواء أعلن ترشحه رسميا أم لم يعلنه. فالناخب الفرنسي يميز بين رجل اكتشف الحقيقة بعد خروجه من السلطة، ورجل حذر منها وهو داخلها. وهذه معضلة كل سياسي يحاول أن يقدم نفسه بصفته رجل التغيير بعد أن كان جزءا من النظام الذي يريد تغييره.
ومع ذلك، فإن اختزال خطاب لومير في هذا التناقض سيكون قراءة سطحية. فالرجل لا يخاطب فرنسا بوصفها اقتصادا فقط، رغم أنه أحد أبرز وزراء الاقتصاد في تاريخها الحديث. إنه يحاول أن يرسم صورة أكثر اتساعا. يتحدث عن تراجع الازدهار. وعن اهتزاز هيبة الدولة. وعن أزمة المدرسة. وعن أوروبا التي تجد نفسها بين التنين الصيني والنسر الأميركي، بينما تبدو القارة العجوز كأنها سفينة عظيمة فقدت الريح التي كانت تدفع أشرعتها. إنه لا يقدم برنامجا انتخابيا فحسب. بل يحاول أن يصنع سردية. وفي السياسة، السرديات غالبا أقوى من الأرقام. لكن خلف هذا الخطاب يكمن سؤال اقتصادي بالغ العمق. ففرنسا ليست دولة فقيرة. وليس اقتصادها منهارا. إنها واحدة من أكبر الاقتصادات في العالم. ومع ذلك يشعر جزء متزايد من الفرنسيين بأنهم يزدادون فقرا. وهنا يظهر الفرق بين الاقتصاد كما تراه المؤشرات، والاقتصاد كما يعيشه الناس. فقد يرتفع الناتج الداخلي الخام، بينما يتراجع شعور المواطن بالأمان الاقتصادي. وقد تنمو الشركات الكبرى، بينما يشعر الموظف بأن راتبه أصبح يلهث خلف التضخم. وهذه الفجوة هي أخطر ما تواجهه الديمقراطيات الحديثة. لأن الشعوب لا تصوت للنسب المئوية. إنها تصوت لما تشعر به في حياتها اليومية.

ويبدو أن برونو لومير فهم هذه الحقيقة متأخرا، لكنه فهمها. ولهذا لم يعد يتحدث كثيرا عن التوازنات المالية، بل عن استعادة الازدهار. فالسياسي الذكي لا يبيع الأرقام. إنه يبيع الأمل. والأمل في فرنسا اليوم أصبح سلعة سياسية نادرة. أما حديثه عن الدولة، فهو أكثر تعقيدا مما يبدو. حين يطالب بإعادة السلطة وهيبة القانون، فإنه يخاطب قلقا فرنسيا تراكم خلال سنوات، حيث تشعر قطاعات واسعة بأن الدولة لم تعد حاضرة بالقدر نفسه في بعض الأحياء، وأن القانون لم يعد يطبق بالإيقاع ذاته على الجميع. لكن بين استعادة هيبة الدولة، والحفاظ على دولة الحقوق والحريات، يمتد خيط دقيق جدا. فالسلطة التي تفقد هيبتها تضعف. لكن السلطة التي تبالغ في استعراض قوتها قد تفقد شرعيتها. والتوازن بين الاثنين هو أصعب امتحان لأي رئيس فرنسي مقبل.
ثم تأتي أوروبا. وهنا يتحدث برونو لومير بلسان رجل خبر دهاليز الاقتصاد العالمي. إنه يعلم أن فرنسا، مهما بلغت قوتها، لم تعد قادرة وحدها على منافسة الكتل الاقتصادية الكبرى. ولذلك يعيد اكتشاف الحقيقة القديمة التي قامت عليها أوروبا الحديثة: أن باريس لا تستطيع أن تقود المستقبل من دون برلين. لكن العلاقة بين فرنسا وألمانيا لم تعد كما كانت. فهي اليوم أشبه بنجمين يدور كل منهما في فلكه، بينما تتغير خرائط القوة العالمية بسرعة مذهلة. والسؤال لم يعد كيف تتعاون باريس وبرلين. بل كيف تمنعان أوروبا من التحول إلى هامش بين واشنطن وبكين. غير أن أكثر ما يكشف شخصية برونو لومير ليس برنامجه. بل لغته. فالسياسيون عادة يعدون بالإصلاح. أما هو فيتحدث عن القطيعة.
والفرق بين الكلمتين كبير. الإصلاح يعني أن البيت صالح للسكن، لكنه يحتاج إلى ترميم. أما القطيعة فتعني أن البيت نفسه لم يعد قادرا على حماية سكانه. وهذا خطاب يحمل مخاطرة كبرى.لأنه يرفع سقف التوقعات إلى مستوى يصعب تحقيقه. فكلما كبرت الوعود، أصبح الواقع أكثر قسوة. وربما لهذا لا ينبغي قراءة تصريحات برونو لومير باعتبارها بداية حملة انتخابية فقط. بل باعتبارها محاولة لتحرير نفسه من إرث إيمانويل ماكرون. فالسياسي الذي عاش سنوات طويلة في ظل رئيس قوي، لا يستطيع أن يصبح مرشحا طبيعيا إلا إذا أقنع الفرنسيين بأنه لم يعد امتدادا لذلك الرئيس، بل أصبح مشروعا مستقلا. وهذا هو الامتحان الحقيقي. ليس أن يقنع الناخب بأنه قادر على الوصول إلى الإليزيه. بل أن يقنعه بأنه خرج فعلا من ظل الإليزيه.
، تبدو صورة برونو لومير اليوم أقرب إلى بحار قضى سنوات طويلة يقود سفينة الجمهورية وسط العواصف الاقتصادية، ثم وقف على الشاطئ ليقول إن المشكلة لم تكن في طريقة الإبحار، بل في تصميم السفينة نفسها. لكن التاريخ السياسي يعلمنا أن اكتشاف العيوب لا يكفي لبناء سفينة جديدة. فبين تشخيص الأزمة وصناعة البديل بحر كامل من الأسئلة. والناخب الفرنسي، الذي خبر الوعود الكبرى والانكسارات الكبرى، لن يمنح ثقته لمن يرسم أجمل الخرائط، بل لمن يقنعه بأنه يعرف الطريق وسط الضباب. وهكذا، فإن معركة برونو لومير ليست مع منافسيه من اليمين أو الوسط فقط. إنها مع ماضيه. ومع ذاكرة الفرنسيين. ومع السؤال الذي يسبق كل انتخابات رئاسية في فرنسا: هل يبحث الفرنسيون عن رجل يجيد إدارة الدولة…أم عن رجل يعيد تعريفها؟
📲 Partager sur WhatsApp