المِحْنة… يوم حاولت الدولة أن تحكم السماء

الجزء الأوّل: كيف تحولت مسألة في علم الكلام إلى أكبر اختبار لعلاقة السلطة بالعلم والضمير في الحضارة الإسلامية

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

في تاريخ الحضارات، ليست كل المعارك التي تغيّر وجه الزمن معارك بالسيوف. بعض المعارك تبدأ بسؤال، ثم تتحول إلى قضية دولة، ثم تصبح مرآة تكشف علاقة الإنسان بالسلطة والحقيقة. كانت محنة خلق القرآن في العصر العباسي واحدة من تلك اللحظات الفارقة. فقد بدأت نقاشا بين علماء الكلام حول طبيعة صفة الكلام الإلهي، ثم انتقلت إلى مجال السياسة حين تبناها الخليفة المأمون وجعلها جزءا من سياسة الدولة، فوجد علماء كبار أنفسهم أمام امتحان لم يكن حول المعرفة فقط، بل حول حدود الطاعة وحدود الضمير. وفي قلب هذه العاصفة ظهر أحمد بن حنبل، لا بوصفه قائد تمرد، ولا بوصفه صاحب مشروع سياسي، بل بوصفه عالما اختار أن يدفع ثمن قوله بدل أن يقول ما لا يعتقده. لكن قراءة المحنة بعد أكثر من ألف عام تكشف أنها لم تكن قصة رجل واحد أو خليفة واحد، بل كانت لحظة تاريخية اجتمع فيها العقل والسلطة والدين والإنسان في مواجهة واحدة. لأن المقال طويل جدا، سأقدّمه على أجزاء متتابعة،تعليقات تحريرية؛ سيكون النص نفسه فقط.

لم تبدأ المحنة يوم وقف أحمد بن حنبل أمام المعتصم. ولم تبدأ يوم خرجت أوامر المأمون إلى عماله وقضاته تمتحن العلماء في مسألة خلق القرآن. فالأحداث الكبرى لا تولد لحظة ظهورها، بل في اللحظات الخفية التي تسبقها؛ حين تتحرك الأسئلة تحت سطح التاريخ كما تتحرك النار تحت الرماد. فالزّلزال لا يبدأ يوم تسقط البيوت. إنه يبدأ يوم تضطرب طبقات الأرض في الأعماق. وكذلك الأفكار. قد تولد في مجلس عالم. ثم تنتقل إلى كتاب. ثم تصبح موضوع مناظرة. ثم، في لحظة فاصلة، تدخل قاعة السلطان. وهنا يتغير كل شيء. لأن الفكرة، وهي في يد العالم، لا تملك إلا الحجة. أما إذا دخلت قصر الحاكم، فإنها تكتسب قوة أخرى: قوة الأمر. ومنذ تلك اللحظة لا يعود السؤال: ما مدى صحة الفكرة؟ بل يصبح السؤال الأخطر: من يملك حق فرضها؟

كان القرن الثالث الهجري عصرا تتسع فيه بغداد حتى كأنها قلب العالم النابض. لم تكن مدينة للسياسة فقط، بل مدينة للمعرفة. في أسواقها التقت اللغات. وفي مجالسها التقت الحضارات. وفي خزائنها وبيوت علمها بدأت مرحلة جديدة من التفاعل بين التراث الإسلامي وما وصل إليه المسلمون من علوم الأمم الأخرى. كانت الترجمة في أوج ازدهارها. وكانت الأسئلة الفلسفية والمنطقية تدخل بقوة إلى المجال الفكري الإسلامي. لم يكن ذلك يعني أن المسلمين تركوا دينهم، بل كانوا يعيشون لحظة تاريخية فرضت عليهم أن يجيبوا عن أسئلة جديدة بأدوات جديدة. كيف يُدافع عن العقيدة أمام من لا يشارك في مقدماتها؟ كيف تفهم العلاقة بين العقل والوحي؟ ما حدود قدرة الإنسان على معرفة ما وراء الحس؟ كانت تلك أسئلة عصر كامل. ومن رحم هذه الأسئلة نشأ علم الكلام.

لم يكن علم الكلام في بدايته خصما للدّين، كما قد تصوره بعض القراءات المتأخرة. بل كان محاولة للدفاع عن العقائد بلغة عقلية في عالم أصبح الجدل الفكري فيه أكثر تعقيدا. ومن بين أبرز مدارس هذا الاتجاه ظهرت المعتزلة. وقد ركّزوا على قضايا التوحيد والعدل، ورأوا أن العقل الذي وهبه الله للإنسان قادر على إدراك أصول كبرى في النظر إلى الله والكون والإنسان. ومن هنا جاءت مسألة خلق القرآن. ولكي نفهم المحنة بعدل، يجب أن نخرج من التبسيط. فلم يكن قول المعتزلة إنّ القرآن مخلوق يعني عندهم أن القرآن ليس وحيا، أو أنّه مجرد كلام بشري، كما قد يفهم أحيانا في بعض العروض السريعة. بل كانت المسألة مرتبطة بتصورهم لطبيعة الصفات الإلهية، ورغبتهم في تأكيد التنزيه والتوحيد. أما خصومهم من أهل الحديث، وفي مقدمتهم أحمد بن حنبل، فرأوا أن هذه المسائل لا يجوز أن تحسم بأدوات عقلية منفصلة عن النصوص، وأن الدخول في هذا الباب قد يؤدي إلى تجاوز ما ورد عن السلف. وهكذا كان الخلاف في جوهره خلافا حول: كيف نفهم الغيب؟ لا حول: هل نؤمن بالوحي أم لا؟

لكن التاريخ لا تصنعه الأفكار وحدها. تصنعه أيضا اللحظة التي تدخل فيها الأفكار عالم السلطة. وهنا يظهر المأمون. كان المأمون شخصية استثنائية في التاريخ العباسي. خليفة واسع الثقافة. راعيا للعلم والترجمة. محبا للمناظرة والمعرفة. وقد ارتبط اسمه بازدهار الحياة الفكرية في بغداد. لكن المفارقة الكبرى في شخصيته أنّ الرجل الذي فتح أبواب البحث والنقاش، هو نفسه الرجل الذي حاول أن يجعل رأيا فكريا معينا جزءا من سياسة الدولة. وهنا تبدأ المأساة. فالمأمون لم يكن يرى نفسه عدوا للعلماء. ولم يكن، وفق ما تكشفه رسائله وأخباره، يتحرك من منطلق احتقار الدين. بل كان يعتقد أنّه يؤدي دورا دينيا وسياسيا. كان يرى أن الخليفة مسؤول عن حماية العقيدة كما هو مسؤول عن حماية الدولة. لكن المشكلة الكبرى في التاريخ ليست دائما في سوء النية. أحيانا تأتي الكارثة من يقين شديد بأنّ الإنسان يملك الحقيقة كاملة.

حين أصدر المأمون أوامره بامتحان العلماء في مسألة خلق القرآن، لم يعد الخلاف مجرد مناظرة بين مدارس فكرية. انتقل من مجلس العلماء إلى جهاز الدولة. ومن هنا بدأت المحنة. لأنّ العلم يعيش بالاختلاف. أما السلطة فتعمل بالقرار. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين السؤال والأمر. بين الباحث الذي يقول: “أقنعني.” والحاكم الذي يقول: “أطعني.” كان المأمون يرى أن ما يدعو إليه دفاع عن التوحيد. وكان خصومه يرون أن فرض هذا الرأي خطر على استقلال العلم والدين. وهنا تكمن مأساة المحنة كلّها. فلم تكن بين من يحبون الدّين ومن يكرهونه. بل بين أناس اختلفوا في الطريق إلى الحقيقة. كان كل طرف يملك لغة دينية. وكان كل طرف يعتقد أنّه يحمي جانبا من جوانب الإسلام. لكن حين دخلت الدولة طرفا في الخلاف، تغيرت طبيعة المعركة. فالفكرة التي كانت تناقش في الكتب أصبحت تختبر في أجساد الناس.

يتبع في الجزء الثاني: المأمون ورسالة الامتحان، ومحمد بن نوح وأحمد بن حنبل في الطريق إلى اللّقاء الذي لم يحدث مع الخليفة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *