الساحل: مالذي تفعله الجزائر؟

بقلم:زكية لعروسي, باريس

هناك حروب تخاض بالمدافع. وحروب تخاض بالخرائط. وحروب أخطر لا ترى أصلا. لا يسمع أحد دويّها، لكنها تعيد رسم مصائر القارات. إنها حروب الممرات، والموانئ، وخطوط الطاقة، والتحالفات الصامتة. وفي هذا المستوى العميق من التاريخ، يبدو أن التنافس بين المغرب والجزائر دخل مرحلة جديدة تختلف عن كل ما عرفته المنطقة منذ استقلال البلدين. فالصحراء، التي كانت لعقود مركز الجاذبية السياسية والإعلامية للصراع، لم تعد وحدها المسرح الرئيسي. هناك ما هو أبعد جنوبا. هناك الساحل. هناك غرب إفريقيا. وهناك معركة القرن الحادي والعشرين: من سيتحكم في بوابات إفريقيا نحو العالم؟

الخطأ الشائع هو اختزال الخلاف المغربي الجزائري في ملف حدودي أو قضية الصحراء. الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فنحن أمام رؤيتين مختلفتين للفضاء المغاربي والإفريقي. المغرب ينظر إلى نفسه باعتباره جسرا. بين إفريقيا وأوروبا. بين الأطلسي والمتوسط. بين الجنوب والشمال. أما الجزائر فتنظر إلى نفسها باعتبارها مركز ثقل جيوسياسيا ولد من رحم ثورة تحرير كبرى ومن عمق استراتيجي صحراوي هائل. وحين تلتقي رؤيتان تعتبر كل منهما نفسها مركزا طبيعيا للمجال الإقليمي، يصبح التصادم شبه حتمي. إنه ما وصفه المؤرخ الإغريقي ثوسيديدس قبل ألفين وخمسمائة عام حين قال إن الصراعات الكبرى تنشأ عندما تصعد قوة جديدة وتشعر قوة أخرى بأن مكانتها مهددة. فهل خسرت الجزائر معركة الصحراء؟ هذا السؤال يثير حساسية سياسية كبيرة. لكن التحليل الاستراتيجي يقتضي النظر إلى الوقائع لا إلى الأمنيات. خلال السنوات الأخيرة تحققت تحولات مهمة لصالح المقاربة المغربية:

– اعترافات دولية متزايدة بأهمية مبادرة الحكم الذاتي.

– افتتاح قنصليات في العيون والداخلة.

– توسع الحضور الاقتصادي المغربي في إفريقيا.

– تراجع الزخم الدبلوماسي لجبهة البوليساريو مقارنة بما كان عليه خلال الثمانينيات والتسعينيات.

لكن التاريخ يعلمنا أن الدول لا تتوقف عند خسارة معركة واحدة. الدول العميقة تعيد التموضع. تعيد توزيع الموارد. وتبحث عن جبهات جديدة. ومن هذه الزاوية يمكن تفسير الحراك الجزائري المتزايد في الساحل وغرب إفريقيا. ليس باعتباره انسحابا. بل باعتباره التفافا استراتيجيا. أحيانا تغير فكرة واحدة موازين منطقة بأكملها. وهذا ما فعلته المبادرة الأطلسية المغربية. لأنها لا تتحدث عن السياسة فقط. بل عن الجغرافيا الاقتصادية. فإذا أصبح بإمكان مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر الموانئ المغربية، فإن خريطة النفوذ التقليدية في الساحل ستتغير بالكامل. ولأول مرة منذ عقود قد يتحول المغرب إلى الرئة البحرية الرئيسية لدول الساحل. وفي الجغرافيا السياسية ليست الطرق مجرد طرق. إنها شرايين قوة. من يتحكم في الشريان يتحكم في اتجاه الدم.

هنا تبدأ منطقة الظلال. ومن الضروري التمييز بين الحقائق المؤكدة والتحليلات والفرضيات. لا توجد أدلة قاطعة على وجود “تحالف سري” منظم ضد المغرب. لكن توجد مؤشرات على تقاطع مصالح بين أطراف متعددة لا تنظر بعين الارتياح إلى الصعود المغربي. ومن منظور استراتيجي يمكن تخيل عدة مسارات:

1- استراتيجية الاحتواء

أي جعل تمدد النفوذ المغربي في الساحل أكثر كلفة وتعقيدا. ليس عبر المواجهة المباشرة. بل عبر بناء شبكات بديلة للطاقة والنقل والتعاون الأمني.

2- استراتيجية التوازن

العمل على منع أي دولة ساحلية من الارتماء الكامل في الفضاء المغربي. والدفع نحو سياسات تعدد الشركاء.

3- استراتيجية التأثير الناعم

:عبر أدوات أقل صخبا لكنها أكثر استدامة

– الروابط الدينية.

– الجامعات.

– المنح الدراسية.

– التعاون الأمني.

– المشاريع الطاقية.

.هل نحن أمام محور جديد؟ هذا السؤال يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. في الأدبيات الجيوسياسية لا يكفي وجود مصالح مشتركة للحديث عن محور. فالمحاور تحتاج إلى: رؤية مشتركة. قيادة واضحة. تنسيق دائم. حتى الآن تبدو الصورة أقرب إلى تقاطع مصالح بين أطراف مختلفة أكثر من كونها تحالفا متماسكا. لكن التاريخ مليء بتحالفات بدأت كتقاطعات ظرفية ثم تحولت إلى بنى استراتيجية طويلة الأمد. وهنا تكمن أهمية مراقبة التطورات المقبلة. لو عاد ابن خلدون اليوم وتأمل ما يجري بين المغرب والجزائر، ربما لقال إن العصبية لم تختف. بل غيرت أشكالها فقط. في الماضي كانت القبائل تتنافس على الواحات. واليوم تتنافس الدول على الموانئ. في الماضي كان الصراع على القوافل. واليوم على خطوط الغاز والكابلات البحرية. لكن المنطق العميق واحد: من يسيطر على طرق العبور يملك القدرة على تشكيل التاريخ.هل هو حقد أم منطق دولة؟

في الخطاب الشعبي المغربي كثيرا ما يطرح الأمر باعتباره تعبيرا عن “حقد جزائري” دائم تجاه المغرب. لكن التحليل الجيوسياسي يحتاج إلى مسافة نقدية. فالدول لا تتحرك بالمشاعر فقط. حتى الخصومات الطويلة تخضع لحسابات المصالح والأمن والنفوذ. صحيح أن الذاكرة التاريخية المثقلة بالخلافات والحروب وسوء الثقة المتبادل تلعب دوراً مهما. لكن اختزال كل شيء في الحقد قد يحجب فهم آليات القوة الحقيقية. السؤال الأهم ليس: هل تكره الجزائر المغرب؟ بل: ما الذي تعتبره الجزائر تهديدا لمصالحها الاستراتيجية؟ وما الذي يعتبره المغرب حقا طبيعيا في التوسع الاقتصادي والدبلوماسي؟ هنا يكمن جوهر الصراع. هناك سيناريوهات محتملة حتى 2030:

السيناريو الأول: انتصار الأطلسي المغربي

نجاح مشاريع الموانئ. تقدم مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي. اندماج أكبر لدول الساحل في الفضاء الاقتصادي المغربي. في هذه الحالة سيصبح المغرب أحد أهم المراكز اللوجستية في إفريقيا.

السيناريو الثاني: التوازن الطويل

لا ينجح أي طرف في حسم المعركة. المغرب يتقدم. والجزائر تعرقل جزئيا. وتحافظ دول الساحل على سياسة المناورة بين الجميع.وهو السيناريو الأكثر احتمالا حاليا.

السيناريو الثالث: الانفجار الإقليمي

تصاعد التوترات السياسية والأمنية. دخول قوى دولية جديدة على الخط. تحول الساحل إلى ساحة تنافس حاد بين مشاريع متعارضة. وهو السيناريو الأخطر والأكثر تكلفة للجميع. وربما يكون السؤال الحقيقي مختلفا تماما عما يتداوله الإعلام اليوم وهو سؤال يزلزل اليقين ماذا لو كانت المعركة الجارية ليست بين المغرب والجزائر أصلا؟ ماذا لو كانت المعركة الحقيقية تدور حول من سيكتب مستقبل إفريقيا الغربية؟ هل سيكون فضاء أطلسيا منفتحا على التجارة العالمية؟ أم فضاء أمنيا مغلقا تحكمه هواجس السيادة والصراع؟ هل ستنتصر الجغرافيا الاقتصادية؟ أم ستنتصر الجغرافيا السياسية التقليدية؟

من السهل أن يظل المراقب أسير الملفات القديمة. الصحراء. الحدود. الأزمات الدبلوماسية. لكن التاريخ غالبا ما يتحرك حيث لا ينظر الجميع. وفي هذه اللحظة بالذات يبدو أن مركز الثقل الحقيقي يتحرك جنوبا. نحو الساحل. نحو الموانئ. نحو الغاز. نحو الممرات التجارية. ومن هناك، بعيدا عن الشعارات، تصاغ معادلات القوة الجديدة. بالنسبة للمغرب، الرهان لم يعد فقط الدفاع عن مكتسباته الدبلوماسية، بل تحويل موقعه الجغرافي إلى قدر استراتيجي دائم. وبالنسبة للجزائر، التحدي يتمثل في منع تشكل نظام إقليمي جديد تشعر أنه قد يقلص من وزنها التقليدي. أما إفريقيا الغربية، فهي ليست مجرد ساحة لهذا التنافس. بل قد تكون المستفيد الأكبر إذا نجحت في تحويل تنافس الجارين إلى مشاريع تنمية وربط وبنية تحتية. وهكذا يبقى السؤال مفتوحا: هل سيكتب المغرب والجزائر فصلا جديدا من التنافس الخلاق الذي يخدم المنطقة؟ أم أن شبح الريبة التاريخية سيظل يحكم مستقبل المغرب الكبير لعقود أخرى؟ إن الإجابة عن هذا السؤال قد لا تحدد مصير البلدين فقط، بل مصير جزء واسع من إفريقيا في القرن الحادي والعشرين.

📲 Partager sur WhatsApp

2 thoughts on “الساحل: مالذي تفعله الجزائر؟

  1. تماما هذا هو جوهر الصراع بين المغرب والجزائر. اذن ما الحل؟
    بحسب المحللين الاستراتجيين: الحرب ستكون أمرا حتميا.
    هذا الطرح يحتمل الكثير من الواقعية، لأنه الصراع حياة او موت، لكن اعتقد ان حوارا بناءا وبرغماتيا بين الطرفين يمكن أن يجنب المنطقة حربا، ستكون مكلفة، في حال وقعت

  2. تحليل صائب من كل الوجهات
    ينطبق على المغرب الأقصى وسياسته الحكيمة ولكن لا ينطبق على المغرب الأوسط
    المسار التاريخي لهده الأخيرة لا يسمح لها ان تكون في موقع الموازنة .
    لان المغرب بلد طموح بلد يشتغل ولا يعرف التوقف ……بينما ما أصبح يسمى بالجزائر الحالية كانت غائبة بل منعدمة في مسرح التاريخ لان أرضها كانت مستعمرة بحضارات اجنبية لا علاقة لها بالعمق التاريخي المغاربي. هده الحضارات تخدم مصالح اوطانها….وحينما غادرت اراضي المغرب الأوسط تركت شعوبا لا تعرف عن ماضيها بل وان عجلة التطور توقفت لأكثر من أربعة قرون، لدا أمام هدا الواقع وجدت نفسها عارية ، نخباء وبكرة في سجل التاريخ العام لشمال أفريقيا.
    فبدل من ان تعيد النظر في أمرها وتشتغل في إعادة ما فقدته لأكثر من أربعة قرون ، قررت أن تسرع الخطى بالسرقة والنهب للتراث للتاريخ …..لكي تظهر في خانة من التاريخ وتملأ فراغ عميق
    فلم تجد إلا المغرب الشامخ بتاريخه التابث، يمشي بخطي تابثة لا يتزعزع لتلسق رجليه كحشرة الجردان طامحة في عاقلة مسيرته.
    فهي بعيدة عن التنافس، عن العمل الجاد…..
    ادا صعب ان نتكلم يوما عن التنافس الصائب والايجابي بين الطرفين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *