بقلم زكية لعروسي, باريس
كانت أمي خيرة، المرأة التي لم تقرأ كتب الجيوسياسة يوما، تفهم العالم بحدس القرويات اللواتي يلتقطن حركة التاريخ من رائحة الهواء. حين كانت ترى الصينيين في الوثائقيات القديمة، تضحك وهي تقول بلهجتها المغربية: «هاد الناس… جنون فالعقل.» لم تكن تقصد الجنون بمعناه الساذج، بل ذلك النوع المخيف من الذكاء البارد؛ ذكاء النمل الذي لا يصرخ أبدا، لكنه يبني إمبراطوريات تحت الأرض بينما الفيلة تتقاتل فوقها. ثم تضيف جملتها التي تبدو اليوم وكأنها نظرية استراتيجية كاملة: «إسكاتهم سياسة… فوت الواد الهرهوري، لا تفوت السكوتي.»
ويا لها من حكمة تصلح لتفسير الصين أكثر من آلاف التقارير الغربية. فالعالم اعتاد أن يخاف من الضجيج: من خطابات ترامب النارية، ومن استعراضات بوتين العسكرية، ومن الحروب التي تدخل المدن مثل دبابة مجنونة. لكن الصين؟ الصين لا تدخل التاريخ بالعاصفة. إنها تتسلل إليه مثل الماء. بينما كان الروس يحرقون أعصابهم في أوكرانيا، والأمريكيون يبددون طاقتهم في الشرق الأوسط وصراعاتهم الداخلية، كانت الصين تفعل الشيء الأخطر: الانتظار.
في الثقافة الغربية، ينظر إلى الصبر كفضيلة أخلاقية. أما في الصين، فالصبر سلاح هندسي. الصيني لا يريد الانتصار اليوم. يريد أن يصبح غدا الشيء الذي لا يستطيع العالم العيش بدونه. لهذا يبدو شي جينبينغ كإمبراطور خرج من مخطوط قديم أكثر منه رئيس دولة حديثة. لا يصرخ. لا يهدد كثيرا. لا يكتب تغريدات غاضبة في الثالثة صباحا. لكنه يتحرك كما يتحرك لاعب الـ«غو» الصيني القديم: يترك خصمه يربح المربعات الصغيرة بينما يطوقه ببطء حتى يكتشف متأخرا أن الرقعة كلها أصبحت للصين.
أوروبا ظنت طويلا أن بكين مجرد مصنع عملاق للأحذية والهواتف. أمريكا اعتقدت أنها تستطيع استخدام الصين كآلة إنتاج رخيصة ثم احتواءها لاحقا. روسيا توهمت أنها شريك ندّي. لكن الصين كانت تفكر بمنطق مختلف تماما: منطق الإمبراطوريات الطويلة النفس. في التاريخ الصيني، تقاس السياسة بالقرون. ولهذا يبدو المشهد الحالي مذهلا: ترامب يأتي إلى بكين محاطا بالكاميرات والأضواء كقيصر روماني يبحث عن التصفيق. بوتين يأتي مثقلا بالحروب والعقوبات كجنرال خرج متعبا من الثلج.
أما شي جينبينغ، فيجلس في المنتصف مثل راهب قديم يعرف أن الزمن يعمل لصالحه.
هنا تحديدا نفهم معنى «الإمبراطورية الوسطى». الصين لا تريد فقط أن تكون قوة عظمى. إنها تريد أن تصبح مركز الجاذبية الذي تدور حوله القوى الأخرى. إن أخطر ما في الصين ليس جيشها ولا اقتصادها فقط. بل قدرتها على تحويل الصمت إلى استراتيجية كونية. الغرب يتحدث كثيرا. الصين تبني كثيرا. الغرب يعلن العقوبات. الصين توقع عقود الموانئ والطرق والرقائق الإلكترونية والكابلات البحرية. الغرب يفكر بمنطق الانتخابات القادمة. الصين تفكر بمنطق القرن القادم. ولهذا تبدو تايوان اليوم أكثر من جزيرة. إنها اختبار صبر بين حضارتين: حضارة تؤمن بالسرعة، وأخرى تؤمن بالتراكم البطي

حتى دعم بكين لموسكو يشبه الأسلوب الصيني القديم في الحروب: لا تتورط بالكامل، لكن لا تترك خصم خصمك يسقط أيضا.
تمنح روسيا ما يكفي لتستمر، لا ما يكفي لتنتصر نهائيا. فالصين تعرف أن روسيا المعزولة والمحتاجة أفضل لها من روسيا القوية المستقلة. إنها قسوة الجراح الذي يعرف بالضبط أين يضع المشرط. وهنا تعود أمي خيرة لتربح الجولة كلها بجملة واحدة: «السكوتي أخطر من الهرهوري.» فالسياسي الذي يصرخ كثيرا يكشف خوفه بسرعة. أما الذي يصمت طويلا، فهو غالبا يعيد ترتيب العالم في الظل.
الصين اليوم لا تستعرض عضلاتها مثل أمريكا، ولا تستعرض جراحها مثل روسيا. إنها تفعل شيئا أعمق بكثير: تعيد تعريف معنى القوة نفسها. القوة لم تعد دائما دبابة تعبر الحدود. أحيانا تكون ميناء في إفريقيا. أو مصنع بطاريات.
أو شبكة 5G. أو عملة تتسلل ببطء إلى التجارة العالمية مثل نهر تحت الأرض. العالم يظن أنه يشاهد مباراة بين واشنطن وموسكو وبكين. لكن الحقيقة ربما أكثر غرابة: روسيا تقاتل كي لا تسقط. أمريكا تصرخ كي لا تفقد الهيمنة. أما الصين…فتجلس بهدوء الإمبراطور الذي يعرف أن التعب سيأكل الجميع قبله. وربما لهذا السبب تبدو بكين اليوم كمدينة لا تحكم العالم بالقوة فقط، بل بالإرهاق البطيء لخصومها. إنها الإمبراطورية التي تمشي على رؤوس أصابعها…لكن الأرض كلها تسمع اقترابها.

نص جميل و هادئ و يمشي على رؤوس أصابعه لكننا نسمعه.