العازل الطبي وسط عباب الحرب

بقلم زكية لعروسي، باريس

قبل أيام، في مصنع عملاق وسط غابات ماليزيا المطيرة، حيث الرطوبة كفيلة بأن تجعل أي شيء يلتصق بأي شيء آخر، اجتمع مهندسون يرتدون معاطف بيضاء ليعلنوا خبرا هز أسرة البشرية جمعاء: سترتفع أسعار الواقيات الذكرية بنسبة تتراوح بين عشرين وثلاثين بالمائة. لم يهتز سوق الأسهم كثيرا، لكن في غرف النوم حول العالم، سمعت عزيزي القارئ أنفاسا تحبس للحظة. كايركس، الشركة الماليزية العملاقة التي تصنع واحدا من كل خمسة واقيات ذكرية على كوكب الأرض، وتزود علامات تجارية كبرى مثل ديوركس، قررت أن اللحظة قد حانت لرفع السعر. والسبب؟ لا، ليس نقصا في المطاط، ولا ثورة جنسية عكسية. بل ما يسمى بـ”السياق الجيوسياسي العالمي”. ترجمة: كل شيء غال, حتى ما يحمي النسل والتناسل.

لكن قبل أن ننتقل إلى الحاضر المرتفع الثمن، دعنا قارئي الكريم, نغوص في الماضي… حيث لم يكن الواقي الذكري مجرد سلعة، بل كان فكرة، فلسفة، خطيئة، نعمة، أداة سحرية، ووسيلة للهروب من لعنة التكاثر التي تطارد البشر منذ خلق آدم. عندما كان الإغريق يلبسون دروعا لحروب الفراش. ففي أثينا القديمة، حيث كان الفلاسفة يتجادلون حول طبيعة اللذة والخير والشر، لم يكن العشاق يتركون الأمر للصدفة. استخدم الإغريق أولى الوصفات الموثقة لتجنب الحمل: مزيج من زيت الزيتون، العسل، أوراق الصفصاف، وأحيانا بول التمساح (لا تسألني قارئي كيف اكتشفوا هذه المكونات، فبعض الأسرار تموت مع أصحابها). لكن الأكثر إدهاشا هو اكتشافهم لاستخدام أكياس المثانة البقرية. نعم، صحيح. كان العاشق الإغريقي، قبل أن يلقى حبيبته تحت ضوء القمر، يذهب إلى الجزار ليشتري قطعة من المثانة البقرية، ينقعها في الماء، ثم يرتديها كقفاز ثان. أبطال الأساطير الإغريقية، مثل هرقل وأخيل، ربما لم يذكروا ذلك في ملامحهم، لكن الأدلة الأثرية تقول إنهم كانوا يفضلون السلامة قبل المغامرة. أما الرومان، فلم يكونوا أقل ابتكارا بحيث استخدموا أكياس الماعز والأغنام، ونقعوها في زيت الكبريت لتطهيرها. لكن السخرية أن بعضهم كان يفضل استخدام شعر الماعز، لكن الطب الحديث أثبت لاحقا أن شعر الماعز لا يحمي من أي شيء سوى الاحتكاك المزعج.

في الحضارة العربية تراوح موضوع الواقي الذكري بين المنع والترخيص والعبقرية الفقهية. هنا يصبح الأمر أكثر عمقا. في التراث العربي الإسلامي، كانت قضية العزل (أو ما نسميه اليوم الانسحاب قبل القذف) موضوع نقاش فقهي حاد بين المذاهب. فالحنفية أجازوا العزل بإذن الزوجة، والمالكية كرهوه لكن أباحوه في بعض الظروف، والحنابلة قالوا إنه جائز لكن مع الكراهة، والشافعية تركوا الأمر لاجتهاد الزوجين. لكن الأهم أن الأطباء والعلماء العرب كانوا يدركون جيدا أن المني ليس مجرد سائل عادي، بل هو “حياة مصغرة”. ابن سينا في “القانون” وصف طرقا لمنع الحمل باستخدام أعشاب مثل النعناع البري، البقدونس البري، والزنجبيل مع العسل. أما الرازي، فكان أكثر جرأة: اقترح استخدام قطعة من القطن مبللة بزيت الزيتون ووضعها كسدادة طبيعية. وهناك مخطوطة نادرة في مكتبة الإسكندرية تعود للقرن الحادي عشر، تذكر وصفة غريبة لـ”جلد معالج من أمعاء الخروف” يوضع قبل الجماع. المخطوطة تقول: “يغسل بالزعفران والورد، ثم يجفف بالهواء، فيصبح كالحرير شفافا لا يحس به المرء ولا تشعر به المرأة.” هذا، أيها القارئ الكريم، هو أول واقي ذكري مائي رقيق في التاريخ! لو كايركس عرفت بهذه الوصفة، لكانت وفرت الملايين في البحث والتطوير.

على الجانب الآخر من العالم، كان اليابانيون في عصر إيدو يستخدمون واقيات ذكرية مصنوعة من قوقعة السلحفاة أو قرون الحيوانات. نعم، قوقعة السلحفاة! تخيل أن تحبَّ امرأةً في يابان القرن السابع عشر، وعليك أن ترتدي درعا حقيقيا قبل أن تلمسها. الشاعر الياباني باشو، الذي كتب الهايكو عن الضفادع والبرك القديمة، قال في إحدى قصصه غير المنشورة: “الحب كالسيف، لا تخرجه من غمده إلا وأنت متأكد من سلامته.” لكن الغريب أن الساموراي كانوا يفضلون استخدام الواقي النسائي المصنوع من ورق الأرز المقوى، والذي يسمى “كاما-بوكو”. كان هذا الورق يُغمس في زيت السمسم ويجفف في الشمس، فيصبح صلبا مثل الجلد لكنه هش كالحلم.

في أوروبا القرن السادس عشر، وبعد عودة كريستوفر كولومبوس من أمريكا، انتشر مرض الزهري كالنار في الهشيم. هنا ظهر طبيب إيطالي عبقري اسمه جابرييل فالوبيو (نعم، صاحب أنابيب فالوب التي تحمل اسمه حتى اليوم). هذا الرجل اخترع أول واقي ذكري طبي ضد الأمراض: قطعة من الكتان مشبعة بمحلول ملحي ومواد كيميائية، ثم تُترك لتجف. أطلق عليها اسم “الحجاب الإيطالي”. لكن الكنيسة الكاثوليكية كانت غاضبة. قالوا إن استخدام هذا الحجاب يمنع خلق الأرواح، وإنه خطيئة كبرى. فالوبيو، الذي كان كاهنا أيضا، رد بهدوء: “أنا أمنع الموت، لا أمنع الحياة.” توفي بعدها بعامين في ظروف غامضة.

والآن، نعود إلى ماليزيا عام 2026. كايركس ترفع الأسعار، والبورصات لا تهتم، لكن الناس يهتمون. لماذا؟ لأن المطاط الطبيعي المستخدم في صناعة الواقيات يأتي من دول جنوب شرق آسيا، وقد ارتفعت أسعاره بسبب الاضطرابات المناخية. ثم هناك سلسلة التوريد العالمية التي انهارت جزئيا بعد أزمة الطاقة. وأخيرا، هناك الحرب التجارية بين الصين والغرب، والتي أدت إلى زيادة تكاليف الشحن.لكن بعيدا عن الأرقام، هناك سؤال فلسفي أعمق: لماذا يصر البشر، منذ آلاف السنين، على بناء حواجز بينهم وبين لحظة المتعة القصوى؟ هل لأننا نخاف من الحياة أكثر مما نخاف من الموت؟ هل لأن الطفل غير المرغوب فيه هو أكبر كابوس للإنسان المتحضر؟ أم لأننا ببساطة نستمتع بتعقيد البساطة؟

في اليونان القديمة، كان الفيلسوف أبيقور يقول: “اللذة هي بداية الحياة ونهايتها.” لكنه لم يقل إن اللذة يجب أن تكون محصنة بمثانة بقرية. وفي العصر الحديث، يقول الاقتصاديون: “العرض والطلب يحددان السعر.” لكنهم نسوا أن الطلب على الواقيات ليس مجرد طلب اقتصادي، بل هو طلب وجودي: كل إنسان يريد أن يحب بأمان، لكنه لا يريد أن يدفع ثمنا باهظا مقابل ذلك. ومع ارتفاع الأسعار بنسبة ثلاثين بالمائة، سيجد الشباب أنفسهم أمام خيارات صعبة: إما أن يدفعوا أكثر، أو أن يقللوا من عدد المرات، أو أن يتحولوا إلى طرق تقليدية مثل العزل أو الأعشاب أو… الدعاء.

في اللحظة التي أكتب فيها هذه السطور قارئي ، في مصنع كايركس بماليزيا، تخرج آلاف العوازل الطبية من خطوط الإنتاج كل ساعة. بعضها سيذهب إلى أوروبا، بعضها إلى أمريكا، وبعضها إلى إفريقيا وآسيا. كل قطعة تحمل في داخلها وعدا بالأمان، لكنها تحمل أيضا سعرا جديدا يثقل كاهل الملايين. أتذكر تلك المخطوطة العربية القديمة التي وصفت “الجلد المعالج بالزعفران”. ربما كان العرب قبل ألف عام يدركون شيئا لا نزال نجهله اليوم: أن الحماية الحقيقية ليست فقط في المادة، بل في الحكمة. وربما لو عاد الجاحظ ليكتب عن هذا الموضوع، في كتاب الحيوان أو في طبائع الناس لقال: “البشر حمقى، يدفعون أموالا طائلة ليتلذذوا، ثم يدفعون أكثر ليتجنبوا نتائج لذّتهم. أما الحيوانات، فتتلذذ بلا ثمن، وتنجب بلا حساب، ولا تشتكي أبدا.” لكننا لسنا حيوانات. نحن بشر، نرتدي واقيات، ونرفع الأسعار، ونناقش الفقه والفلسفة، وننام ونستيقظ لنكتشف أن الحياة قصيرة جدا، والواقيات غالية جدا، والأطفال لا يأتون إلا عندما لا تكون مستعدا لهم. وتبقى الحقيقة الوحيدة: منذ مثانة البقر في اليونان القديمة، إلى ورق الأرز في اليابان، إلى المطاط الماليزي اليوم، ظل الإنسان يبحث عن طريقة ليقول للحياة: “ليس الآن.” والآن، وقد ارتفعت الأسعار، ربما تقول الحياة له: “حسنا… لكن ثمن التأجيل أصبح أغلى.”.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “العازل الطبي وسط عباب الحرب

  1. وللمساواة تم صنع حبوب منع الحمل كذلك، الحبوب التي كانت توزع في مغرب التمانينات تحت شعار تنظيم الأسرة. والكلمة الأخيرة لها قرابة بالأسرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *