كيف نبني سجونا من الكلمات؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

لم يكن السواد، في بدايات اللغة، مجرد لون. كان كثافة وجودية، عمقا لا يدرك بالعين وحدها، بل بحدس المعنى قبل تشكّله. في مدوّنات الجاحظ، ذلك الرائي الذي جعل من التناقض منهجا، لم يكن الأسود نقيضا للأبيض، بل امتدادا للوجود في تنوّعاته. كان السواد يذكر كما يذكر الصمت: فضاء يتسع لكل الأصوات، لا سجنا يضيق بواحد منها. لكن السؤال المقلق ليس: متى تحوّل السواد إلى وصمة؟ بل: كيف استطاعت عين الإنسان أن ترى في الاختلاف تهديدا؟ إن التأمل في نشأة العنصرية يكشف عن مفارقة كبرى: الإنسان، هذا الكائن الذي أنشأ الحضارات، ظلّ أسير أقدم مخاوفه. الخوف من الآخر ليس مجرد نزوة عابرة، بل هو بقايا غريزة البقاء التي تجاوز زمنها، لكنها بقيت عالقة في اللاوعي الجمعي كشبح لم يُستدع

المثير للدهشة أن التراتبية العنصرية لم تنشأ حيث يتوقعها العقل الساذج. لم تبدأ مع تجارة العبيد، ولا مع الاستعمار الحديث. جذورها أعمق: في أول لحظة قرر فيها إنسان أن لغته أسمى من لغة جاره، أو أن إلهه أقرب من إله الآخر، أو أن نظامه المعرفي أصح من نظام الغريب. العنصرية، في جوهرها، ليست كراهية الآخر، بل تقديس الذات حتى التقديس الأعمى. هنا يكمن العبث المأساوي: نحن نصنف الآخرين لنفهمهم، ثم ننسى أن التصنيف مجرد أداة، فنحوله إلى قدر. نطلق على الإنسان وصفا فيصبح الوصف هو الإنسان. “أسود”، “أبيض”، “شرقي”، “غربي” – كلمات كانت جسورا للمعرفة، فصارت جدرانا للعزلة. لقد اكتشف الفلاسفة، من هيغل إلى فانون، أن نظرة الآخر تصنع الذات بقدر ما تصنعه هي. لكن ما لم ينتبه إليه كثيرون هو أن العنصرية ليست مجرد نظرة دونية، بل هي نظام بصري متكامل: كيف نُرى، كيف نُصنّف، كيف نُختزل إلى صورة واحدة لا تتغير. إنها سرقة التعقيد الإنساني، واختزاله في علامة واحدة.

ما فعله الاستعمار لم يكن مجرد نهب للثروات، بل نهب للروايات. لقد أُعيدت كتابة التاريخ بحيث يصبح البيض فاعلين والسود مفعولا بهم. تحولت إفريقيا من مهد الحضارة إلى “القارة المظلمة” التي تحتاج إلى نور. تحولت الحضارات العريقة إلى “قبائل بدائية” تنتظر من يكتشفها. لكن الأخطر من تشويه التاريخ هو تسليح الحاضر بهذا التشويه. حين يُستخدم الماضي لتبرير الحاضر، تتحول العنصرية من موقف فردي إلى بنية اجتماعية متماسكة. يصبح التفاوت الاقتصادي “طبيعيا”، والفقر الثقافي “مقدرا”، والتهميش “نتيجة حتمية” لقصور ذاتي.

نحن الآن في لحظة تاريخية فريدة: لحظة انكشاف العنصرية بكل وقاحتها. لم تعد تختبئ خلف الخطاب المهذب، بل صارت تُعلن نفسها صراحة، تُنظّر لنفسها، تبحث عن شرعية فكرية. وهذه، في المفارقة، فرصة ثمينة. لأن العدو حين يظهر بلا قناع، تصبح مواجهته أكثر وضوحا. لم نعد نحارب ظلا، بل نراه جليا كالشمس. السؤال: هل نملك أدوات المواجهة؟ الوعي الفلسفي وحده لا يكفي، لكنه شرط ضروري. أن تدرك أن أحكامك المسبقة ليست حقائق، بل مجرد انعكاسات لتربيتك وبيئتك وتاريخك، هو أول خطوة نحو التحرر. أن تعرف أن “الآخر” ليس مشكلة تحتاج إلى حل، بل عالم يحتاج إلى اكتشاف، هو بداية الحكمة.

ربما يكون المطلوب اليوم أكثر من مجرد نبذ العنصرية. المطلوب إعادة تعريف الإنسان نفسه. ليس ككيان ثابت له هوية محددة، بل ككائن متحول، دائم التكون، لا يكتمل إلا بالآخرين. الإنسان ليس جزيرة، بل محيط من العلاقات. ولون البشرة ليس جوهرا، بل عرضا، ليس عمقا، بل سطحا. المدهش أن الحلول ليست في المستقبل وحده، بل في الماضي أيضا. في استعادة تلك اللحظات التاريخية التي عرف فيها البشر كيف يتعايشون بسلام. في الأندلس، في بغداد العباسية، في إمبراطورية مالي، في لحظات التصوف التي رأت في كل إنسان تجليا للحق.

لو عاد الجاحظ اليوم، لرأى أن ما كان يجيب عنه في القرن الثالث الهجري ما زال مطروحا بذات الحدة، بل بذات السذاجة أحيانا. لرأى أن البشرية قطعت أشواطا في التكنولوجيا، لكنها لا تزال تتعثر في أبسط دروس الإنسانية. لكنه، وهو العاشق للجدل، سيدرك أن استمرار السؤال نفسه عبر القرون دليل على شيء واحد: أن القضية ليست هامشية، بل جوهرية. وأن المعركة ضد العنصرية هي في النهاية معركة ضد التبسيط المخل، ضد الكسل الفكري، ضد الخوف الذي يتخفى في ثوب اليقين.

الطريق لا يزال طويلا. لكن كل وعي فردي هو ضوء يضاء في الليل. كل نظرة ترى الإنسان لا اللون هي ثورة صغيرة. كل كلمة تنقذ إنسانا من اختزاله هي خلاص للجميع. لأن التحرر الحقيقي ليس حين يحرر الأبيض الأسود، ولا العكس. بل حين يحرر كل منا نفسه من سجن النظرة الواحدة. حين ندرك أننا، بكل ألواننا، لسنا إلا وجوها متعددة لحقيقة إنسانية واحدة: أن الاختلاف ليس تهديدا للوحدة، بل شرط إمكانها.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *