بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ليست الخرائط أوراقا جامدة. إنها كائنات تتنفس. وكلّما تغير المناخ، تغيرت اللغة التي تتحدث بها الأرض إلى السياسة. وما يبدو اليوم ذوبانا صامتا للجليد، قد يكون في الحقيقة ولادة عالم جديد لم تكتمل خرائطه بعد. من يراقب القطب الشمالي بعين الطقس، سيرى درجات حرارة ترتفع، وجبالا جليدية تتراجع، وبحارا تتسع. أما من يراقبه بعين الجيوسياسة، فسيرى شيئا آخر تماما. سيرى الدول وهي تعيد رسم خطوطها بقلم لا يكتب بالحبر، بل بالموانئ، والكابلات البحرية، والأساطيل، والمعادن النادرة، والممرات التجارية التي لم تكن موجودة بالأمس. الجليد لا يذوب وحده. إنّه يذيب يقين العالم القديم.
لقد اعتادت البشرية أن تنظر إلى القطب الشمالي بوصفه هامشا أبيض في أعلى الخريطة، مكانا يصلح للبعثات العلمية أكثر مما يصلح لصناعة التاريخ. غير أن التاريخ يسخر دائما من الذين يعتقدون أن الأطراف ستظل أطرافا. ففي لحظة واحدة، قد يتحول الهامش إلى مركز، وقد تصبح المسافة القصيرة بين آسيا وأوروبا أهم من آلاف الأميال التي بنت عليها الإمبراطوريات ثرواتها. ليس القطب الشمالي هو الذي يقترب من العالم. بل العالم هو الذي يقترب منه. ذلك أن البحر لا يعترف بالعواصم، بل يعترف بمن يملك القدرة على قراءة المستقبل. وحين تضيق الطرق البحرية التقليدية، أو تصبح رهينة الحروب والاضطرابات، تبدأ الجغرافيا في اختراع مخارج جديدة، وكأن الأرض نفسها تعيد كتابة سيرتها الذاتية.
من مضيق جبل طارق إلى مضيق هرمز، ومن البحر الأحمر إلى قناة السويس، ومن بحر البلطيق إلى المحيط المتجمد، تبدو الكرة الأرضية وكأنها ساعة عملاقة، تتحرك عقاربها فوق الماء لا فوق الزمن. وكل ممر بحري يغلق، يفتح ممرا آخر. لكن الدول الذكية لا تنتظر حتى ترى الباب مفتوحا. إنها تبني المفتاح قبل ظهور القفل. وهنا يكمن جوهر المسألة. القضية ليست أن الجليد يذوب. بل أن المؤسسات السياسية ما زالت متجمدة. لقد أصبحت التكنولوجيا أسرع من القانون. وأصبحت الأقمار الصناعية ترى ما لا تراه الدبلوماسية. وأصبحت السفن الذاتية القيادة تسبق الاتفاقيات الدولية. وهكذا، يدخل العالم مرحلة لم يعد فيها الصراع يدور حول احتلال اليابسة، بل حول تنظيم البحر قبل أن يتحول إلى ساحة تنازع مفتوحة.
فالقرن الحادي والعشرون لا يكتب خرائطه بالمدافع فقط. إنه يكتبها أيضا بالألياف البصرية الممتدة في أعماق المحيطات، وبالبيانات التي تعبر الكابلات أسرع من الضوء، وبالموانئ الذكية، وبالذكاء الاصطناعي الذي أصبح يقرر أقصر الطرق التجارية قبل أن يقررها الإنسان. ولهذا، فإن القطب الشمالي ليس قضية بيئية فقط. إنه اختبار لقدرة الحضارة على أن تسبق الكارثة بالقانون. كل الحضارات العظيمة سقطت حين ظنت أن الجغرافيا ثابتة. لكن الجغرافيا أكثر الكائنات تقلبا. إنها تشبه البحر. هادئة على السطح. وثائرة في الأعماق. ولعل أكبر خطأ استراتيجي يمكن أن ترتكبه أوروبا اليوم هو أن تؤجل التفكير في القطب الشمالي إلى حين انتهاء أزماتها مع روسيا. فالتاريخ لا ينتظر المصالحات. والجليد لا يوقف ذوبانه حتى توقع العواصم اتفاقاتها. والاقتصاد لا ينام حتى تستيقظ السياسة. إن الزمن الجيوسياسي يتحرك بسرعة مختلفة عن الزمن الدبلوماسي.وهذا ما يجعل التأخر في بناء منظومة الحوكمة أخطر من التأخر في بناء الموانئ. فالميناء يمكن تشييده في سنوات. أما الثقة بين الدول، فتحتاج أحيانا إلى أجيال. ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس: من سيعبر الممرات القطبية؟ بل: من سيكتب قواعد العبور؟
ذلك أن من يكتب القانون قبل الآخرين، لا يحتاج دائما إلى أن يكون الأقوى عسكريا. يكفيه أن يكون أول من فهم المستقبل. إن الصراع القادم لن يكون بين الشرق والغرب كما عرفناه. بل بين من يملك المؤسسات، ومن يملك ردود الأفعال. وبين من يستثمر في الحوكمة، ومن يستثمر في إدارة الأزمات. إن العالم يدخل عصرا لم تعد فيه الحدود تبدأ عند اليابسة. فالحدود الجديدة تبدأ في البحر. وفي السحب الرقمية. وفي أعماق المحيط. وفي الثلوج التي كانت تبدو أبدية. ومن يتأمل المشهد كاملا، يدرك أن جبل طارق والقطب الشمالي ليسا فضاءين متباعدين. إنهما عقدتان في الحبل نفسه. كل اضطراب في الجنوب يعيد الاعتبار إلى الشمال. وكل انسداد في الممرات التقليدية يمنح الممرات الجديدة قيمة استراتيجية أكبر.
وهكذا، يتحول المحيط إلى شريان واحد، تتصل فيه نبضات المتوسط بأنفاس القطب، وتتداخل فيه التجارة بالطاقة، والأمن بالمناخ، والقانون بالقوة. إن العالم لا يعيش إعادة توزيع للثروة فقط. بل يعيش إعادة توزيع للجغرافيا نفسها. ولهذا، فإن الأمم التي ستقود المستقبل ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر الأساطيل. بل تلك التي تمتلك الخيال الاستراتيجي. الخيال الذي يرى الدولة بعد ثلاثين سنة، لا بعد الانتخابات المقبلة. والخيال الذي يدرك أن الحوكمة ليست وثيقة قانونية، بل بوصلة تمنع السفينة من الاصطدام بالمجهول. فالقطب الشمالي لا يطلب من العالم أن يكتشفه. لقد اكتشف نفسه. وهو الآن يطرق أبواب السياسة بهدوء الجليد، وبصبر المحيط، وبقوة الجغرافيا التي لا ترفع صوتها أبدا، لكنها في النهاية تفرض على الجميع لغتها. ومن لا يسمع همس الجغرافيا اليوم، سيستيقظ غدا على صراخ التاريخ.
📲 Partager sur WhatsApp