حين يطرق البحر أبواب السياسة: سبتة والهجرة

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

ليست الهجرة غير النظامية مجرد أجساد تعبر الماء. إنها، في حقيقتها، اللغة التي تتكلم بها الاختلالات حين تعجز السياسة عن الإصغاء إليها. وكل موجة بشرية تتقدم نحو الضفة الأخرى لا تحمل معها حقائب، بل تحمل تاريخا من الخيبات، وجغرافيا من الفوارق، واقتصادا يبتلع أبناءه، وعالما أصبح يقيس قيمة الإنسان بمكان ولادته لا بكرامته. وهكذا، حين استيقظت سبتة على مئات الوجوه الخارجة من زرقة البحر، لم يكن البحر هو الذي تحرك، بل التاريخ. ولم تكن الأمواج هي التي دفعت القوارب، بل دفعتها قرون من اللاعدالة، وسنوات من الاختلالات، وشهور من الإشاعات التي تصنعها شبكات الاتجار بالبشر، وأوهام العالم الرقمي الذي يقنع المراهق بأن الفردوس يقيم خلف السياج.

غير أن اختزال ما يحدث في سبتة في كونه أزمة حدود، هو تبسيط يظلم الحقيقة. فالحدود لا تصنع الأزمات. إنها فقط تكشفها. إن البحر الأبيض المتوسط لم يعد بحرا. لقد تحول إلى مرآة عملاقة يرى فيها العالم وجهه الحقيقي. وكلما انحنى فوق مياهه، اكتشف أن ما يغرق ليس المهاجر فقط، بل أيضا الضمير الإنساني. من هنا، تبدو سبتة اليوم وكأنها ليست مدينة، بل مختبر جيوسياسي مفتوح. ففيها تتقاطع أوروبا مع إفريقيا، ويلتقي الأمن بالتنمية، ويتجاور القانون الدولي مع المأساة الإنسانية، وتصبح كل موجة بحر سؤالا موجها إلى أكثر من عاصمة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: لماذا وصل هؤلاء؟ بل: لماذا ما زالوا يعتقدون أن البحر أقل قسوة من اليابسة؟

ذلك هو السؤال الذي يجب أن يقلق الجميع. لقد أصبح المغرب، خلال العقدين الأخيرين، أحد أكثر الدول استقرارا في محيط إقليمي مضطرب. استثمر في البنيات التحتية، وطور اقتصاده، وعزز حضوره الصناعي، ووسع شراكاته الدولية، وأصبح فاعلا محوريا في قضايا الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب. ومع ذلك، فإن الجغرافيا لا تستأذن النجاح. فالمغرب لا يجاور أوروبا فقط. إنّه يجاور أيضا أزمات الساحل، وانهيارات ليبيا، وتحولات غرب إفريقيا، وشبكات الجريمة العابرة للحدود، وأحلام ملايين الشباب الذين يرون في الشمال آخر خرائط النجاة. ولهذا، فإن كل قراءة تحاول تحميل المغرب وحده مسؤولية ما يحدث في سبتة، تتجاهل حقيقة جغرافية وسياسية لا يمكن القفز فوقها. إن المملكة ليست مصدرا للهجرة فقط. بل أصبحت أيضا بلدا للعبور، وبلدا للاستقرار، وبلدا يتحمل، نيابة عن جزء كبير من أوروبا، عبء حماية إحدى أكثر الحدود حساسية في العالم.

ولذلك، فإن التعاون المغربي الإسباني أصبح ضرورة استراتيجية. إن أمن الرباط يبدأ من استقرار مدريد. وأمن مدريد يبدأ من استقرار الرباط. وهذه ليست عبارة إنشائية. بل حقيقة تؤكدها الوقائع. إن شبكات تهريب البشر لا تعترف بالأعلام الوطنية. ولا تقرأ البيانات السياسية. ولا يهمها إن كان المهاجر مغربيا أو من إفريقيا جنوب الصحراء. إنها تتغذى على الفوضى. وكلما اختلفت الدول، ازدادت أرباحها. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في رفع الأسلاك، ولا في مضاعفة الدوريات البحرية فقط، وإنما في تجفيف المنابع التي تنتج اليأس. فالمهاجر لا يولد على الشاطئ. إنه يولد داخل مدرسة فقيرة، أو في قرية بلا أفق، أو في اقتصاد عاجز عن احتضان شبابه، أو في خطاب رقمي يبيع الوهم على أنه قدر. ولذلك، فإن المعالجة الأمنية وحدها، مهما بلغت قوتها، لن تكون كافية.

إن البحر لا يهزم البحر. بل تهزمه العدالة. وفي خضم هذه التطورات، تعود بعض القراءات إلى تفسير كل موجة هجرة باعتبارها رسالة سياسية، أو ورقة ضغط دبلوماسية، أو انعكاسا لتوازنات إقليمية جديدة. غير أن التحليل الرصين يفرض الحذر. فالعلاقات المغربية الإسبانية بلغت، خلال السنوات الأخيرة، مستوى من النضج جعلها تتجاوز منطق الأزمات الظرفية نحو بناء شراكة استراتيجية تشمل الأمن والطاقة والاستثمار والهجرة. ومن مصلحة الرباط، كما من مصلحة مدريد، حماية هذا المسار، لا المغامرة به. أما تحويل كل تحرك بشري إلى نظرية مؤامرة، فهو يمنح المهربين أهمية لا يستحقونها، ويصرف الأنظار عن الأسباب الحقيقية التي تدفع آلاف الشباب إلى المقامرة بأرواحهم.

إن أخطر ما في الهجرة غير النظامية أنها لا تهدد الحدود وحدها. إنّها تهدد الفكرة نفسها. فكرة الدولة. وفكرة التنمية. وفكرة العدالة. وفكرة الأمل. وإذا مات الأمل، أصبح البحر أقل رعبا من اليابسة. وهنا تكمن المأساة. المغرب اليوم ليس أمام اختبار أمني فقط. إنه أمام اختبار حضاري. كيف يواصل أداء دوره كشريك موثوق لأوروبا، دون أن يتحول إلى منطقة عازلة تتحمل وحدها أعباء القارة؟ وكيف يحافظ على التزامه الإنساني، دون أن يسمح لشبكات الجريمة بتحويل أراضيه إلى منصات للعبور؟ وكيف يستمر في بناء نموذجه التنموي، بينما تتدفق نحوه أزمات لا يصنعها وحده؟

هذه الأسئلة أكبر من سبتة. وأكبر من مدريد. وأكبر من الرباط. إنها أسئلة القرن الحادي والعشرين. سيظل البحر شاهدا لا يتكلم. لكنه يعرف أكثر مما نقول. يعرف أن الأمواج لا تصنع المآسي. بل تحملها فقط. ويعرف أن الحدود ليست جدرانا بين دولتين، بل ندوبا تركها التاريخ على جسد الجغرافيا. ويعرف أيضا أن الدول العظيمة لا تقاس بعدد الأسوار التي تبنيها، بل بعدد الأبواب التي تفتحها للمستقبل. ولهذا، فإن ما يحدث في سبتة ينبغي أن يدفع المغرب وإسبانيا، ومعهما أوروبا وإفريقيا، إلى الانتقال من إدارة الهجرة إلى معالجة أسبابها، ومن سياسة رد الفعل إلى بناء رؤية مشتركة تجعل البحر جسرا للتعاون، لا مقبرة للأحلام. لأن الوطن، أي وطن، لا تحميه الأسلاك وحدها. تحميه العدالة. ويحميه الأمل. ويحميه الإنسان عندما يشعر أن المستقبل يمكن أن يولد على اليابسة، فلا يضطر إلى البحث عنه في قلب البحر.

📲 Partager sur WhatsApp

2 thoughts on “حين يطرق البحر أبواب السياسة: سبتة والهجرة

  1. جواب عملي وجودي على ضجيج خطابات التنمية البشرية بدون طحين.
    حفيف لغة توميء بدون لغط عن سؤال العدالة الاجتماعية في توزيع ثروة البلاد خدمة لكرامة كل مواطن.

  2. إنه لتحليل نقدي بناء يهدف إلى الإصلاح بعد هذا التشخيص الذي ينتظر علاجا لأسباب الداء وليس للأعراض السطحية.
    هنيئا لك زكية بالتذكير إلى ضرورة مراجعة التدبير الإجتماعي والأقتتصادي والعزم على تطبيق آليات تخضع للمراقبة والمحاسبة الصارمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *