المغرب مجد على قدمين ومملكة من ضوء لا تحترق

بقلم زكية لعروسي, باريس

أيّ ريح هذه التي تظنّ أنّ بإمكانها اقتلاع جبل كتبته الأزمنة بحروف من صوان؟ وأيّ يد هذه التي تتوهّم أنّ قطعة قماش يمكن أن تنزل سماء شيِّدت من الوفاء، أو أن تطفئ شمسا اعتادت أن تشرق من جبين التاريخ؟ قد تعيّر الحوادث بحجمها، لكن بعض الأفعال هي بضآلة أصحابها. وما يرى اليوم ليس طعنا في راية، وإنما امتحان لأخلاق البشر أمام معنى الرموز. فالرايات ليست أنسجة تتراقص مع الريح، بل هي ذاكرة الشعوب، وعهد الأجداد، ونبض الأرض حين تنطق باسمها. المملكة المغربية ليست صفحة في كتاب الجغرافيا، ولا سطرا في أرشيف السياسة، بل هي قارّة من المعاني، إذا مشت، مشى التاريخ وراءها يدوّن وقع خطاها. هي شجرة لا تقاس بظلِّها، بل بجذورها التي تشرب من أعماق القرون، حتى صار الزمن نفسه يستريح في ظلالها.

ولذلك، فإن من يظن أن الإساءة إلى رمز من رموزها تنقص من مقامها، يشبه من يرمي البحر بحصاة، ثم ينتظر أن ينكسر الموج. هيهات. إن الجبال لا تجرح بندبة غبار، والشموس لا تنطفئ لأن عابرا أغلق عينيه. لقد علّمتنا المملكة أن الكبرياء ليس صراخا، بل سكينة الواثق. وأن القوة ليست في الانتقام، بل في الثبات. وأن العظمة لا تحتاج إلى شاهد يشهد لها، لأن التاريخ نفسه أحد أبنائها البررة. أما الأسود، أولئك الذين يحملون الوطن في صدورهم قبل أن يحملوه على أكتافهم، فقد أثبتوا مرارا أن الانتماء ليس هتافا في مدرج، بل ميثاق روح مع الأرض. يربحون بكرامة، ويخسرون بكرامة، ويبقى اسم المغرب فوق النتائج، لأن الأوطان ليست بالأهداف، بل بالهامات التي لا تنحني.

ولئن آلمتنا مثل هذه المشاهد، فإن الألم لا ينبغي أن يتحوّل إلى حقد، ولا الغضب إلى ظلم. فكرامة الإنسان لا تجزَّأ، واحترام الشعوب أصل من أصول الحضارة. إنما يدان الفعل إذا ثبت وقوعه، لا الناس، وتستنكر الإساءة، لا الهويات. أيها المغرب…يا بلاغة الأطلس حين يكتبها الحجر، ويا حكمة الصحراء حين تتوضأ بالرمل، ويا بحرا كلما ظنّت الأمواج أنها تحيط به، اكتشفت أنها مجرد ضيوف على شاطئه. ستبقى عاليا، لأن العلوّ طبيعتك، لا صفة استعرتها من أحد. وستبقى رايتك خفّاقة، لا لأن الريح ترفعها، بل لأن شعبا كاملا يحملها في قلوبه قبل أن تحملها السواري.

وإذا كانت بعض الأفعال العابرة تحاول أن تترك ندبة على وجه الكرامة، فإن الكرامة الحقيقية لا تخدش. إنها كالنور؛ قد يحاول أحدهم أن يحجب المصباح، لكنه لن يمنع الفجر من أن يأتي. سلام على المملكة، وهي تمشي بين الأمم مرفوعة الرأس، يسبقها تاريخها، وتحرسها مؤسساتها، ويصونها شعبها، وتلتف حولها محبة أبنائها في الداخل والخارج.وسلام على كل يد اختارت الاحترام بدل الإساءة، والحكمة بدل الانفعال، والإنسانية بدل الكراهية؛ فبمثل هذه الأخلاق تبنى الحضارات، وتبقى الأوطان شامخة، لا تهزّها زوابع العابرين، ولا تنال منها ظلال اللحظات.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *