بقلم زكية لعروسي,باريس
كان القدماء يخافون الأشباح، ثم جاء العصر الصناعي فخاف الإنسان الآلة، ثم جاء القرن الحادي والعشرون ليبتكر خوفا أكثر تهذيبا وأشد سخرية؛ خوفا لا يحمل سكّينا ولا يطرق الأبواب ليلا، بل يقيم داخل أجسادنا في هدوء موظف حكومي متقاعد، يرفض الاستقالة، ويصرّ على تقاضي راتبه من العمر نفسه. أطلقوا عليه اسما سينمائيا يصلح لأفلام الرعب أكثر مما يصلح لمختبرات البيولوجيا: خلايا الزومبي. يا لسخرية اللغة! حتى العلم، ذلك الكائن الصارم الذي يزن الكلمات بميزان الذهب، بدأ يستعير قاموس هوليوود. لم تعد الخلية خلية، بل أصبحت “زومبي”. وكأن عصرنا لم يعد يكتفي بإنتاج الألقاب للسياسيين والمشاهير، بل قرر أن يمنحها حتى للخلايا المجهرية.
لكن الحقيقة أكثر شاعرية من الإسم، وأكثر قسوة من الخيال. هذه ليست خلايا ميتة، وليست حية بالمعنى الكامل. إنها أشبه بمحارب عجوز انتهت الحرب بالنسبة إليه، لكنه يرفض مغادرة الخندق. توقفت عن الانقسام، وتوقفت عن أداء وظيفتها، لكنها بقيت تحتل مكانها، ترسل إشارات التهابية إلى جيرانها، وكأنها رجل متقاعد يقضي يومه كله في نشر التشاؤم بين شباب الحي. من هنا تبدأ الفلسفة قبل أن يبدأ الطب. لقد قال Heraclitus إن كل شيء يجري، وإنك لا تعبر النهر نفسه مرتين. غير أن خلايا الشيخوخة تتمرد على هذا القانون؛ فهي لا تجري، ولا ترحل، ولا تسمح للنهر بأن يكمل طريقه. إنها تعلن العصيان على دورة الحياة ذاتها، لتصبح شاهدا على أن الزمن لا يهزم الجميع بالطريقة نفسها.

وكان آرتور شوبنهاور يرى أن الإرادة أعند من العقل. وربما لو رأى هذه الخلايا لابتسم ابتسامته السوداء وقال: حتى الخلية الصغيرة تمتلك إرادة البقاء، ولو كان بقاؤها عبئا على الجسد كله. ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أنها لا تتحدث عن الجلد وحده، بل عن الحضارة بأكملها. أليست المجتمعات أيضًا تمتلئ بخلايا زومبي؟ مؤسسات انتهى دورها لكنها ترفض الرحيل. أفكار ماتت منذ عقود لكنها ما زالت تصدر الضجيج. بيروقراطيات فقدت وظيفتها، لكنها لا تزال تستهلك الطاقة. كم من إمبراطورية سقطت لأنها لم تعرف متى تموت؟ وكم من نخبة بقيت فوق المسرح بعد انتهاء العرض، حتى ملّ الجمهور التصفيق؟
لقد كان الرومان يقولون: “لكل شيء أوانه.” أما عصرنا فيبدو أنه يريد أن يؤجل كل شيء؛ الشيخوخة، والموت، وحتى التجاعيد. وهنا يدخل اقتصاد الجمال على الخط، لا باعتباره علما، بل باعتباره شاعرا يبيع الأمل في قوارير زجاجية. كل يوم يولد كريم يعد بإيقاف الزمن، ومصل يَعد بإعادة كتابة التاريخ على سطح البشرة، وإعلان تجاري يتحدث عن “الخلود الخلوي” كما لو أن سقراط كان يعمل مديرا للتسويق في شركة مستحضرات تجميل. غير أن العلم أكثر تواضعا من الإعلانات. فحتى اليوم، لا توجد عصا سحرية تمحو هذه الخلايا أو تعيدها إلى شبابها. ما يملكه الباحثون هو فهم يتطور، وأسئلة أكثر من الأجوبة، ومحاولات لفهم كيفية الحد من آثارها أو التعامل مع بيئتها البيولوجية. أما الطريق إلى التحكم الكامل فيها فما يزال موضوعا للبحث، لا للوعد التجاري. وهذا درس أخلاقي قبل أن يكون درسا بيولوجيا.

لقد اعتقد الإنسان طويلا أن الشيخوخة عدو يجب القضاء عليه، بينما ربما كانت رسالة الجسد مختلفة تماما؛ فالشيخوخة ليست مؤامرة، بل لغة. ليست هزيمة، بل تفاوض طويل بين الزمن والكائن الحي. التجاعيد ليست مجرد أخاديد على الوجه، بل خرائط للحياة، تمامًا كما أن حلقات جذع الشجرة ليست عيبا في الخشب، وإنما شهادة ميلاد تتكرر كل عام. كان الفيلسوف ميشال دومونتاين يقول إن الفلسفة ليست إلا تعلما للموت. وربما تستطيع البيولوجيا الحديثة أن تضيف: وتعلما للشيخوخة أيضا. إن الخلايا الهرمة لا تخيفنا لأنها باقية، بل لأنها تذكرنا بأن الإنسان، مهما بلغت تقنياته، لا يزال يعيش داخل قانون أقدم من المختبرات كلها؛ قانون الزمن.

ولهذا فإن أعظم اكتشاف لا يكمن في مطاردة “خلايا الزومبي”، بل في اكتشاف أن الحياة نفسها لا تقاس بعدد الخلايا الشابة، وإنما بجودة السنوات التي تمنحها لهذه الخلايا. ولعل المثل الشعبي القديم كان أسبق من مختبرات القرن الحادي والعشرين حين قال: “درهم وقاية خير من قنطار علاج.” فالنوم الكافي، والغذاء المتوازن، والحركة، والابتعاد عن التدخين، والوقاية من الشمس، ليست نصائح مملة كما يظن البعض، بل هي أكثر التقنيات تقدمًا التي عرفها الإنسان حتى الآن. في النهاية، لم يخترع العلم وحشا جديدا، بل كشف لنا استعارة قديمة: داخل كل جسد مدينة، وداخل كل مدينة سكان يعرفون متى يرحلون… وسكان آخرون يرفضون المغادرة. وبين هؤلاء وأولئك تكتب قصة الشيخوخة، لا كفصل من فصول الرعب، بل كأحد أكثر نصوص الطبيعة بلاغة وغموضا.
📲 Partager sur WhatsApp
من لغز الحياة وخبث قوة الزمان التخريبية. لقد تم تعريف الإنسان بأنه كاءن فإن. ووعيه بهذه الحقيقة، أي فكرة التلاشي، والموت، بدأ يكابد البحث عن نبتة الخلود، ليقاوم فناءه. وكأن البشر يكرر بشكل أبدي سردية جلجامش. كل البشر جلجامش، ومع ذلك نمشي صوب حتفنا.