المغرب… من الجغرافيا إلى الذكاء الاصطناعي

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

الثروات الجديدة في القرن الواحد والعشرين لم تعد تختبئ في باطن المناجم، وإنما في أعماق الخوارزميات، ولم تعد الحدود ترسمها الجيوش وحدها، بل ترسمها مراكز البيانات، والحوسبة السحابية، وشبكات الذكاء الاصطناعي. وفي هذا العالم الذي يعاد تشكيله بلغات رقمية جديدة، لا يكتفي المغرب بأن يكون شاهدا على التحولات، بل يصر على أن يكون أحد مهندسيها. إن ما يحققه المغرب اليوم في مجال الرقمنة ليس طفرة تقنية عابرة، ولا مجرد سباق نحو تحديث الإدارة أو الاقتصاد، بل هو امتداد طبيعي لفلسفة دبلوماسية ملكية راكمت، على مدى أكثر من ربع قرن، رؤية مختلفة في فهم العلاقات الدولية. رؤية لا تبحث عن الاصطفاف داخل محاور مغلقة، وإنما عن بناء الجسور بين القارات، وعن تحويل الموقع الجغرافي إلى قيمة استراتيجية، والاختيار السياسي إلى قوة ناعمة، والانفتاح إلى رأسمال سيادي.

لقد أدركت الدبلوماسية المغربية، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، قبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي عنوانا للصراع العالمي، أن المستقبل لن تكتبه الدول التي تستهلك التكنولوجيا، وإنما تلك التي تحسن التموقع داخل سلاسل إنتاجها، وتصبح جزءا من هندسة القرار الرقمي العالمي. لذلك لم يكن الاستثمار في البنيات الرقمية، ولا في التكوين، ولا في مهن الترحيل والخدمات الذكية، مجرد رهان اقتصادي، بل كان قرارا سياديا بامتياز. واليوم، بينما ينقسم العالم بين نماذج تكنولوجية متنافسة، يختار المغرب مرة أخرى طريقه الخاص. لا ينظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره ساحة مواجهة بين الشرق والغرب، بل باعتباره فرصة لإعادة تعريف موقع الجنوب داخل الاقتصاد العالمي. وهنا تتجلى عبقرية الدبلوماسية الملكية التي جعلت من المملكة شريكا موثوقا لدى القوى الكبرى، من دون أن تفقد استقلالية قرارها أو تنغلق داخل معادلات الاستقطاب.

إن التقارب المتزايد بين الرباط وبكين في الملفات الاقتصادية والتكنولوجية لا ينبغي قراءته بمنطق الاصطفافات التقليدية، بل بمنطق المصالح الاستراتيجية. فالصين تبحث عن شركاء يمتلكون الاستقرار، والرؤية، والقدرة على الوصول إلى إفريقيا وأوروبا في آن واحد، والمغرب يمتلك هذه العناصر مجتمعة. وفي المقابل، يبحث المغرب عن شراكات تتيح له تسريع انتقاله الرقمي، وتنويع مصادر التكنولوجيا، وتعزيز سيادته التقنية في عالم أصبحت فيه المعرفة موردا لا يقل أهمية عن الطاقة. غير أن قيمة المغرب لا تكمن فقط في موقعه الجغرافي، بل في قدرته على تحويل هذا الموقع إلى مشروع حضاري. فمن طنجة إلى الداخلة، لم تعد المملكة تبني موانئ وطرقا ومناطق صناعية فحسب، بل تبني ممرا جديدا للأفكار، وللاقتصاد الرقمي، وللذكاء الاصطناعي، ولرأس المال البشري الإفريقي. إنها لا تعرض نفسها كبوابة إلى إفريقيا، بل كمنصة تنطلق منها إفريقيا نحو الاقتصاد العالمي الجديد.

وهنا تتجاوز الدبلوماسية الملكية معناها التقليدي. فهي لم تعد تقتصر على توقيع الاتفاقيات أو إدارة التوازنات السياسية، بل أصبحت دبلوماسية للمعرفة، وللاستثمار، وللابتكار، وللثقة. ففي زمن تتغير فيه موازين القوى بسرعة غير مسبوقة، يصبح بناء الثقة بين الدول أصعب من بناء المصانع، وأكثر قيمة من توقيع العقود. إن إدراج المغرب ضمن الدول الأكثر استعدادا لاحتضان الذكاء الاصطناعي في قطاع الخدمات العابرة للحدود ليس مجرد رقم في تقرير دولي، بل اعتراف بأن المملكة نجحت في بناء منظومة تجمع بين الاستقرار السياسي، والكفاءة البشرية، والبنية التحتية، والانفتاح الاقتصادي. وهذه المنظومة لم تولد صدفة، وإنما هي ثمرة رؤية ملكية جعلت من الرأسمال البشري محور كل إصلاح، ومن التحول الرقمي خيارا استراتيجيا لا ترفا تقنيا.

وفي خضم السباق العالمي على الذكاء الاصطناعي، يبرز المغرب باعتباره صوتا مختلفا. فهو لا يسعى إلى احتكار التكنولوجيا، ولا إلى استيرادها بصورة سلبية، بل إلى توطينها، وإنتاج القيمة من خلالها، وجعلها رافعة للتنمية الإفريقية. وهذا ما يمنح التجربة المغربية بعدها الجيوسياسي، لأنها تربط بين السيادة الرقمية والسيادة التنموية، وبين الابتكار والاستقلال الاستراتيجي. لقد نجحت الدبلوماسية الملكية في أن تجعل من المغرب شريكا لا يمكن تجاوزه في ملفات الأمن والطاقة والهجرة، وهي اليوم تضيف إلى هذه المكانة بعدا جديدا يتمثل في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. إنها انتقالة تعكس وعيا عميقا بأن النفوذ في القرن الحادي والعشرين لن يقاس بعدد الدبابات، بل بعدد العقول، ولا بحجم الترسانة، بل بقدرة الدولة على إنتاج المعرفة وتوجيه مساراتها.

وهكذا، فإن المملكة لا تدخل العصر الرقمي من بابه الخلفي، بل تعبر إليه من بوابة السيادة. فكل استثمار في البنية الرقمية، وكل شراكة تكنولوجية، وكل جامعة تخرج مهندسين، وكل منصة تستقطب الشركات العالمية، هي في جوهرها لبنة في مشروع وطني كبير، مشروع يجعل من المغرب قوة صاعدة لا تستمد حضورها من الضجيج، بل من الإنجاز، ولا من الشعارات، بل من الرؤية. إن التاريخ يعلمنا أن الأمم العظيمة لا تنتظر المستقبل حتى يصل إليها، بل تخرج لاستقباله. والمغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، لا يلاحق الثورة الرقمية، بل يشارك في صياغة معالمها، بثقة دولة تعرف موقعها، وتؤمن برسالتها، وتدرك أن السيادة في زمن الذكاء الاصطناعي تبدأ من امتلاك الرؤية قبل امتلاك التكنولوجيا.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *