بقلم الأب بيدرو سامبايو
ظل تاريخ القرن العشرين، طوال عقود، يقرأ من خلال محطات كبرى مثل الحربين العالميتين والمحرقة النازية. غير أن صفحات التاريخ تخفي مأساة سبقت صعود النازية بسنوات طويلة. ففي قلب القارة الإفريقية، وتحديدا في مستعمرة جنوب غرب إفريقيا الألمانية، مارست الإمبراطورية الألمانية سياسات إخضاع وهيمنة وإقصاء عرقي ضد شعوب رأت فيها الأيديولوجيا الاستعمارية آنذاك أعراقا أدنى منزلة وأقل استحقاقا للحياة والحرية والكرامة. وبين عامي 1904 و1908 تعرض شعبا الهيريرو والناما في إقليم ناميبيا الحالي إلى حملة إبادة منظمة نفذتها القوات الاستعمارية الألمانية، في واحدة من أكثر الجرائم وحشية في التاريخ الحديث. ويعد هذا الحدث، في نظر عدد كبير من المؤرخين، أول إبادة جماعية شهدها القرن العشرون.
ولا تقتصر أهمية دراسة هذه المأساة على توثيق فصل منسي من التاريخ، بل تمتد إلى كشف الجذور الفكرية والسياسية التي قامت عليها مفاهيم التفوق العرقي والاستيلاء على الأرض والعنف الاستعماري. ومن هنا فإن إبادة الهيريرو والناما لا ينبغي أن تقرأ بوصفها مجرد مقدمة للهولوكوست، بل باعتبارها محطة تاريخية كبرى تساعد على فهم تطور السياسات العنصرية وآليات الإبادة الجماعية التي طبعت القرن العشرين. وتسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن سؤال محوري: لماذا بقيت الإبادة الجماعية التي ارتكبتها ألمانيا في ناميبيا غائبة عن الذاكرة الأوروبية العامة طوال عقود، رغم مكانتها البالغة في التاريخ الإنساني؟ وللإجابة عن هذا السؤال، يتناول هذا البحث نشأة الاستعمار الألماني في ناميبيا، وحرب الإبادة بين عامي 1904 و1908، ودور العنصرية العلمية في تبرير العنف الاستعماري، إضافة إلى مناقشة الجدل الأكاديمي حول أوجه الصلة بين التجربة الاستعمارية الألمانية والسياسات الإبادية التي انتهجها النظام النازي لاحقا.
إبادة الهيريرو والناما بين عامي 1904 و1908: الجذور والمسار والنتائج
بدأ الوجود الألماني في أراضي ناميبيا الحالية خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، في المرحلة التي عرفت بالتدافع الأوروبي على إفريقيا، حين انخرطت القوى الاستعمارية في سباق محموم لاقتسام القارة وإخضاع شعوبها. وفي عام 1884 أعلنت ألمانيا المنطقة محمية تابعة لها تحت اسم جنوب غرب إفريقيا الألمانية. وقام النظام الاستعماري على ثلاثة أسس رئيسة: الاستيلاء على الأرض، واستغلال الثروات الاقتصادية، وإقامة نظام اجتماعي يقوم على التمييز العنصري، يمنح المستوطنين الأوروبيين جميع الامتيازات، بينما يحرم السكان الأصليين من حقوقهم الأساسية.
وقد أدى التوسع الاستيطاني إلى تصاعد التوتر مع القبائل المحلية، ولا سيما بسبب مصادرة الأراضي الخصبة، والاستحواذ على مصادر المياه، والسيطرة على الثروة الحيوانية، وفرض قيود متزايدة على حياة السكان الأصليين. وكان شعب الهيريرو، الذي اعتمدت حياته الاقتصادية والاجتماعية على تربية الماشية، أكثر الشعوب تضررا من هذه السياسات. فقد خسر معظم أراضيه ومصادر رزقه، مما دفعه إلى الثورة في يناير عام 1904 بقيادة الزعيم صموئيل ماهاريرو. وجاء الرد الألماني بالغ القسوة. فقد أوكلت الحكومة قيادة العمليات العسكرية إلى الجنرال لوثار فون تروتا، الذي أصدر في أكتوبر من العام نفسه ما عرف باسم أمر الإبادة، معلنا أن جميع أفراد شعب الهيريرو مطالبون بمغادرة الأراضي الخاضعة للسيطرة الألمانية، وأن كل من يبقى فيها يقتل دون تمييز.

ومنذ تلك اللحظة تحولت الحملة العسكرية إلى سياسة استئصال شاملة. فقد دفعت أعداد هائلة من أبناء الهيريرو نحو صحراء أوماهيكي، حيث قطعت عنهم مصادر المياه والغذاء، فمات الآلاف عطشا وجوعا، بينما طورد الناجون بلا رحمة. أما من وقع في الأسر فقد نقل إلى معسكرات الاعتقال، حيث فرضت عليه الأشغال القسرية، وتعرض للتعذيب وسوء التغذية والأمراض، في ظروف افتقدت إلى أبسط مقومات الكرامة الإنسانية. ولم يقتصر العنف على الهيريرو وحدهم، بل امتد إلى شعب الناما، الذي حمل السلاح في مقاومة الاحتلال بين عامي1904و1908. وقد تعرض هو أيضا لسياسات القتل الجماعي والتهجير القسري والسجن والعمل الإجباري داخل معسكرات الاستعمار. وتشير أغلب الدراسات التاريخية إلى أن نحو ثمانين في المئة من شعب الهيريرو قد أبيد خلال تلك السنوات، بينما فقد شعب الناما ما يقارب نصف تعداده السكاني. ولم تقتصر آثار هذه الكارثة على الخسائر البشرية، بل امتدتإلى تدمير البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للشعبين، وهي آثار لا تزال حاضرة في ناميبيا حتى اليوم.
الاستعمار الألماني في ناميبيا: الخلفية التاريخية والفكرية
لم يكن المشروع الاستعماري الألماني ظاهرة منفصلة عن سياقه الأوروبي، بل كان ثمرة مرحلة اتسمت بصعود النزعات القومية، واشتداد المنافسة الإمبراطورية، وانتشار النظريات العنصرية التي ادعت وجود تفاضل طبيعي بين الأعراق البشرية. وقد قدم الاستعمار في الخطاب السياسي الأوروبي بوصفه رسالة حضارية تهدف إلى نشر المدنية، غير أن الواقع كشف عن مشروع يقوم على الاحتلال العسكري، والاستغلال الاقتصادي، والإقصاء العنصري، وتحويل الشعوب الخاضعة إلى أدوات تخدم مصالح المستعمر. وفي جنوب غرب إفريقيا الألمانية أقامت الإدارة الاستعمارية نظاما صارما للفصل بين الأوروبيين والأفارقة، واستندت إلى أفكار زعمت وجود تفوق بيولوجي وثقافي يبرر الهيمنة والاستعباد.
ورافقت مصادرة الأراضي وتدمير البنى التقليدية للشعوب المحلية منظومة قانونية وإدارية صممت لحماية مصالح المستوطنين الألمان، بينما اختزل السكان الأصليون إلى قوة عمل تخدم الاقتصاد الاستعماري. ومن ثم فإن الإبادة الجماعية التي وقعت بين عامي 1904 و1908 لم تكن حادثة عارضة، ولا انفجارا مفاجئا للعنف، بل كانت النتيجة المنطقية لمنظومة استعمارية قامت منذ بدايتها على نزع الإنسانية عن الآخر، وتجريده من حقوقه، وتحويل الاختلاف العرقي إلى ذريعة للإقصاء والإفناء. ومن هنا فإن دراسة إبادة الهيريرو والناما لا تعني مجرد استعادة ذكرى ضحايا طواهم النسيان، بل تمثل ضرورة تاريخية وأخلاقية لفهم الكيفية التي تتحول بها الأفكار العنصرية، حين تقترن بالسلطة والسلاح، إلى مشاريع إبادة منظمة. كما تؤكد أن صون الذاكرة التاريخية ليس واجبا تجاه الماضي فحسب، بل مسؤولية تجاه المستقبل، حتى لا تتكرر المآسي التي تركت ندوبا غائرة في ضمير الإنسانية.
📲 Partager sur WhatsApp