بقلم يوسف القاسمي البقالي, باحث في علوم الأديان وتحليل الظواهر الثقافية المتقاطعة- كندا
لم يعد حضور الدول في العالم رهينا بما تنتجه من سياسات أو ما تصدره من بيانات رسمية، بل أصبح مرتبطاً بما يُصنع عنها في الفضاء الرقمي من سرديات وصور وتمثّلات. فالمغرب، مثل غيره من الدول ذات الامتداد التاريخي والتعقيد الثقافي، يجد نفسه اليوم موضوعا لخطابات رقمية متعددة، بعضها يعبّر عن واقع ملموس، وبعضها الآخر يعيد تشكيله وفق منطق المنصة لا منطق الدولة. وفي زمن تتراجع فيه سلطة المؤسسات التقليدية لصالح الفاعلين الرقميين، يصبح السؤال حول كيفية تشكّل صورة المغرب في الخارج سؤالاً مركزياً لفهم موقعه في العالم، ولتقدير حجم التحديات والفرص التي يطرحها هذا التحول.
فالمنصات الرقمية لا تكتفي بنقل الأخبار أو إعادة تدوير المحتوى الرسمي، بل تنتج معنى جديدا، وتعيد ترتيب الأولويات، وتخلق فضاء موازيا للدبلوماسية التقليدية. إنها تصوغ صورة المغرب عبر ملايين المقاطع والصور والتعليقات التي يشاركها أفراد لا يمثلون الدولة، لكنهم يؤثرون في صورتها أكثر مما تفعل البيانات الرسمية. وتشير دراسات صادرة عن مؤسسات بحثية مثل Oxford Internet Institute و Pew Research Center إلى أن الانطباع الأول الذي يتشكل لدى الأفراد عن بلد ما يأتي اليوم من الفضاء الرقمي، لا من الكتب أو الإعلام التقليدي أو حتى التجربة المباشرة. وهذا يعني أن صورة المغرب في الخارج تُبنى في فضاء لا يخضع للرقابة، ولا يمكن ضبطه، ولا يمكن التنبؤ بمساراته.
وتتشكل هذه الصورة عبر ثلاثة مستويات رئيسية. المستوى الأول هو المحتوى السياحي الذي يقدّم المغرب كفضاء بصري غني بالألوان والرموز والجماليات. فمراكش، وفاس، وشفشاون، والصحراء، والمطبخ المغربي، والأسواق التقليدية، كلها تتحول إلى علامات بصرية تنتشر على منصات مثل إنستغرام وتيك توك ويوتيوب. هذا المحتوى، رغم أهميته في الترويج السياحي، يختزل المغرب في جمالية استهلاكية، ويحوّله إلى منتج بصري قابل للتداول، لكنه لا يعكس بالضرورة عمق المجتمع أو تعقيداته. إنه يقدم المغرب كصورة، لا كواقع، وكفضاء للدهشة، لا ككيان تاريخي وسياسي.
أما المستوى الثاني فهو المحتوى الاجتماعي والسياسي الذي ينتجه أفراد يعيشون داخل المغرب أو خارجه، ويعبرون عن تجاربهم اليومية، أو يعلقون على السياسات العمومية، أو يناقشون قضايا الهوية والعدالة والاقتصاد. هذا المستوى هو الأكثر تأثيراً لأنه يقدم المغرب كما يراه الناس، لا كما تقدمه المؤسسات. لكنه أيضاً الأكثر هشاشة لأنه يخضع لمنطق اللحظة والانفعال، ولأن الخوارزميات تفضّل المحتوى الصادم أو المثير للجدل. وهكذا، قد تتحول حادثة معزولة إلى صورة عامة، وقد يصبح الاستثناء قاعدة، وقد يطغى صوت الأقلية الصاخبة على الأغلبية الصامتة.
أما المستوى الثالث فهو محتوى الدياسبورا المغربية، وهو مستوى بالغ الأهمية لأنه يعيد تعريف المغرب من الخارج. فالمغاربة المقيمون في أوروبا وأمريكا الشمالية وإفريقيا جنوب الصحراء ينتجون سرديات جديدة حول الانتماء والهوية، سرديات لا تخضع لحدود الجغرافيا ولا لرقابة الدولة. وتشير أبحاث Migration Policy Institute إلى أن الجاليات أصبحت فاعلا مركزيا في تشكيل صورة بلدانها الأصلية، سواء عبر قصص النجاح التي تعزز صورة المغرب كبلد ديناميكي، أو عبر النقد الذي يسلط الضوء على التحديات الاجتماعية والسياسية. وهكذا، يصبح المغرب موضوعاً لسرديات متناقضة أحيانا، لكنها كلها تساهم في تشكيل صورته في الخارج.
غير أن السؤال الأعمق هو: هل تصنع المنصات الرقمية صورة عادلة للمغرب؟ الجواب معقد. فالمنصات الرقمية لا تعكس الواقع كما هو، بل تعيد تشكيله وفق منطق الخوارزميات التي تفضل ما هو سريع الانتشار، وما يثير التفاعل، وما يخلق الجدل. وهذا يعني أن صورة المغرب قد تُبنى أحياناً على أساس ما هو استثنائي لا ما هو بنيوي، وعلى أساس ما هو عابر لا ما هو راسخ. كما أن المنصات الرقمية تخلق فقاعات معرفية تجعل كل فئة ترى المغرب من زاوية واحدة، دون أن تدرك تعدد زواياه. فالسائح يرى المغرب كفضاء جمالي، والمهاجر يراه كذاكرة متوترة، والناشط يراه كحقل للصراع، والمستثمر يراه كفرصة اقتصادية. وكل هذه الصور صحيحة جزئياً، لكنها ناقصة إذا أخذت بمعزل عن غيرها.
ومع ذلك، فإن هذا الواقع لا ينبغي أن يُقرأ فقط بوصفه تهديداً، بل أيضاً بوصفه فرصة. فالمغرب يمتلك اليوم جيلاً واسعاً من المبدعين الرقميين، والباحثين، والفاعلين الثقافيين، والمهاجرين الذين يستطيعون إنتاج سرديات بديلة، أكثر عمقاً وإنصافاً. إن القوة الرقمية ليست قدراً محتوماً، بل مجالاً للتنافس. والصورة ليست معطى ثابتاً، بل مشروع يمكن إعادة بنائه. والدول التي تنجح في استعادة قدرتها على رواية ذاتها هي الدول التي تستطيع أن تحافظ على حضورها الرمزي في عالم تتنافس فيه السرديات أكثر مما تتنافس فيه الجيوش.
إن التحدي الحقيقي أمام المغرب لا يكمن في تحسين صورته الرقمية، بل في استعادة القدرة على صياغة سرديته الخاصة. فالصورة ليست مجرد انعكاس، بل هي جزء من القوة الناعمة التي تحدد موقع الدول في العالم. والمغرب، بما يملكه من تاريخ طويل في صناعة المعنى، قادر على تحويل الفضاء الرقمي من ساحة ضجيج إلى مجال لإعادة كتابة حضوره في العالم، شرط أن يدرك أن المعركة اليوم ليست معركة معلومات، بل معركة سرديات، وأن من يملك القدرة على رواية القصة يملك القدرة على التأثير.
📲 Partager sur WhatsApp