بقلم: عبد الرحمن مكاوي, باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية-باريس
في السياسية، توجد دول تصنع الأحداث، وأخرى تصنع التوازنات. أما سلطنة عُمان، فقد اختارت منذ عقود أن تكون صانعة للتوازن، مدركة أن موقعها الجغرافي يمنحها من النفوذ بقدر ما يفرض عليها من المخاطر. اليوم، ومع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار الحرب المفتوحة بين إسرائيل ومحور المقاومة، تجد مسقط نفسها في أكثر المواقع حساسية داخل معادلة الأمن الإقليمي. فهي ليست طرفا في الصراع، لكنها تقع في قلبه، بحكم إشرافها على أحد أهم الشرايين البحرية في العالم: مضيق هرمز، الذي يعبر منه نحو خمس تجارة النفط البحرية العالمية، ليغدو استقرار الاقتصاد الدولي معلقًا، إلى حد بعيد، على استقرار هذا الممر الضيق. وهكذا تتحول الجغرافيا، مرة أخرى، من نعمة استراتيجية إلى عبء وجودي.
الجغرافيا… حين تصبح قدرا سياسيا
لا يقتصر مضيق هرمز على كونه ممرا بحريا، بل يمثل عقدة استراتيجية تتحكم في توازنات الخليج والاقتصاد العالمي. وتشترك سلطنة عُمان مع إيران في الإشراف على مياهه، فيما تمنح شبه جزيرة مسندم السلطنة موقعا فريدا يجعلها شريكا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية أو عسكرية تخص المضيق. هذه الحقيقة تمنح مسقط قدرة على التأثير، لكنها تجعلها في الوقت نفسه عرضة لضغوط متعارضة من جميع الأطراف. فمن منظور طهران، يمثل أي انخراط عُماني في ترتيبات أمنية أمريكية أو غربية تتجاوز مفهوم حرية الملاحة تهديدا مباشرا للأمن القومي الإيراني، وقد ينظر إليه باعتباره انتقالا من الحياد إلى الاصطفاف. وفي المقابل، ترى واشنطن أن تأمين الملاحة في هرمز يمثل مصلحة استراتيجية عليا، وتتوقع من شركائها الإقليميين تسهيلات عسكرية ولوجستية كلما ارتفع منسوب التوتر. وبين هذين التصورين، تتحرك السلطنة على خيط دبلوماسي بالغ الدقة.
ضغوط متقابلة
تمتلك الولايات المتحدة اتفاقيات دفاعية تتيح لها استخدام عدد من المنشآت العسكرية العُمانية عند الضرورة، وهو ما يجعل مسقط شريكاً أمنياً مهماً بالنسبة للبنتاغون. غير أن السلطنة تدرك في المقابل أن أي تحول في هذه التسهيلات إلى حضور عسكري دائم أو إلى منصة لعمليات هجومية قد ينسف الثقة التي بنتها مع إيران طوال أربعة عقود. وتزداد المعادلة تعقيداً بفعل الترابط الاقتصادي؛ فالاقتصاد العُماني مرتبط بالنظام المالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، بينما تحتفظ السلطنة بعلاقات اقتصادية وأمنية مستقرة مع إيران، خاصة في مجالات الملاحة والطاقة والتبادل الحدودي. إنها معادلة تفرض على صانع القرار العُماني موازنة دقيقة بين مقتضيات الأمن ومصالح الاقتصاد.
فلسفة الحياد النشط
لم يكن الحياد العُماني يوما مرادفا للانكفاء أو السلبية، بل أصبح مع مرور الزمن سياسة خارجية متكاملة تقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسة. أولها، الحفاظ على قنوات الاتصال المفتوحة مع جميع الأطراف، بحيث تبقى مسقط الوسيط الوحيد القادر على مخاطبة واشنطن وطهران في آن واحد، حتى في أكثر لحظات التوتر. وثانيها، الفصل بين التعاون الأمني والتحالف العسكري، بما يسمح بتأمين حرية الملاحة دون الانخراط في سياسات المحاور أو الأحلاف الإقليمية. أما المرتكز الثالث، فيتمثل في خطاب دبلوماسي متوازن يطمئن دول الخليج إلى التزام السلطنة بأمنها الجماعي، وفي الوقت نفسه يؤكد لإيران احترام سيادتها ورفض أي سياسة تقوم على التصعيد. لقد حولت عُمان هذا التوازن إلى رأس مال دبلوماسي جعلها الوسيط الأكثر قبولا في أزمات المنطقة.
السيناريوهات المحتملة
إذا استمرت قنوات الاتصال مفتوحة، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار الوساطة العُمانية، بما يسمح باحتواء الأزمات ومنع انزلاقها إلى مواجهة إقليمية شاملة، وهو السيناريو الذي يعزز مكانة مسقط باعتبارها عاصمة للدبلوماسية الهادئة في الخليج. أما إذا وقع احتكاك عسكري محدود داخل مضيق هرمز، فستواجه السلطنة ضغوطا متزايدة من الجانبين؛ الولايات المتحدة ستطالب بمزيد من التسهيلات العسكرية، بينما ستطالب إيران بضمانات تؤكد استمرار الحياد العُماني. وسيكون الهدف الأساسي لمسقط آنذاك منع تحول الحادث التكتيكي إلى حرب استراتيجية. ويبقى السيناريو الأخطر هو اندلاع مواجهة واسعة تؤدي إلى تعطيل الملاحة في المضيق. ففي تلك اللحظة ستتقلص مساحة المناورة إلى أدنى مستوياتها، وستجد السلطنة نفسها مضطرة لاتخاذ قرارات استثنائية في بيئة لا تسمح بالحياد الكامل، وهو ما يمثل التحدي الأكبر لعقيدتها الدبلوماسية.
قوة عُمان الحقيقية
قد لا تمتلك سلطنة عُمان أكبر جيش في المنطقة، ولا أضخم ترسانة عسكرية، لكنها تمتلك موردا استراتيجيا لا يقل أهمية عن القوة الصلبة، يتمثل في الثقة السياسية التي راكمتها على امتداد عقود. ففي زمن تتآكل فيه الثقة بين القوى الإقليمية والدولية، أصبحت القدرة على إبقاء خطوط الحوار مفتوحة أحد أهم عناصر القوة الجيوسياسية. ولذلك فإن قيمة مسقط لا تُقاس بعدد القطع البحرية التي ترسو في موانئها، بل بقدرتها على منع تلك القطع من إطلاق النار. لقد أدركت السلطنة مبكرا أن البقاء في الشرق الأوسط لا يتحقق بالاصطفاف، بل بإدارة التوازنات، وأن النفوذ الحقيقي لا يصنع دائماً بالأساطيل والقواعد العسكرية، وإنما بالوساطة، وبالقدرة على بناء الجسور عندما ينهار الحوار بين الخصوم. وفي عالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب، تبدو عُمان أشبه بجسر حجري ثابت وسط نهر متلاطم؛ لا يغيّر اتجاه المياه، لكنه يمنعها من أن تتحول إلى طوفان.
📲 Partager sur WhatsApp