بقلم زكية لعروسي, باريس
ليس الوشم هو الذي تغيّر. المرآة هي التي استبدلت وجهها. في ليلة لا يعرفها التقويم، حين كانت الملائكة تنفض غبار الأزمنة عن أجنحتها، وحين كان الجن يكتبون سيرة البشر على أوراق الرمان، انعقد مجلس غريب بين الزمن والجلد.
قال الزمن:
“سأترك فوق أجسادهم خرائطي.”
وقال الجلد:
“وأنا سأحفظها حتى بعد أن تنسى الذاكرة أسماء أصحابها.”
ومنذ ذلك الحين، صار الوشم لغة لا يقرأها إلا الذين يعرفون أن الجسد، هو الآخر، كتاب. كانت جداتنا يحملن الوشم كما تحمل الأرض شقوق المطر. لم يكن إعلانا عن تمرد، ولا شعارا لقبيلة خارجة عن القانون، ولا زينة تبحث عن إعجاب عابر. كان تعويذة ضد العين، وخيطا يصل المرأة بأمها، وأمها بجدتها، وجدتها بأول امرأة خرجت من رحم الصحراء وهي تحمل على ذقنها نجمة صغيرة تشبه بوابة السماء. كل خط كان صلاة. كل نقطة كانت اسما سريا. كل مثلث كان بابا لا يراه إلا الجن الذين يحرسون القرى النائمة. ثم حدث شيء لا يرويه المؤرخون. لم يتغير الوشم… بل تغيّر القاضي. كان الأمس ينظر إلى العلامة بعين الانتماء. واليوم ينظر إليها بعين الاشتباه. كان الجسد فيما مضى دفتر العائلة. فصار اليوم بطاقة هوية تفتشها الأخلاق كل صباح. ما الذي وقع؟ هل تبدلت الأصباغ؟ أم أن العالم استبدل معاييره كما تستبدل الأفاعي جلودها؟
حين غنت حدة وعكي: “العاشق باع عودو واهداه لرقيقة الوشم” لم تكن تمدح حبرا على الجلد.كانت تمدح زمنا كاملا. كانت تقول إن الجمال كان يمر عبر خطوط زرقاء رقيقة، وإن العشق كان يرى في الوشم ما نراه نحن اليوم في الألماس. “رقيقة الوشم”…أي امرأة بلغت من الرقة حد أن يصبح الوشم فيها همسة، لا صرخة. وكان العاشق يبيع أعز ما يملك ليقترب من هذا الجمال. اليوم… قد يبيع الرجل الدنيا كلّها، لكنه يطلب أولًا من محبوبته أن تمحو الوشم. أي مفارقة هذه؟ الغريب أن البشرية لم تكف يوما عن الوشم. لقد غيرت فقط أماكنه. كان يرسم على الذقون… فصار يرسم على السيارات. كان يغرز في الجلد… فصار يطبع على الماركات. كان علامة قبيلة… فصار شعار شركة. كان يرافق الإنسان إلى القبر… وصارت الشعارات تلاحقه حتى شاشة هاتفه. كل الحضارة الحديثة ليست سوى وشوم ضخمة على جسد العالم.
يقول الجن في أساطيرهم إن الإنسان مخلوق يكره الشيء حين يصبح قريبًا منه، ويقدسه حين يبتعد. ولهذا يضع الوشم في المتاحف فيصفق له. ويجده على وجه جدته فيخفض بصره خجلا. أي عدالة هذه؟ لسنا نرفض الوشم. نحن نرفض ذاكرتنا حين ترتدي ثوبا قديما. فالوشم الذي كان يوما هوية نسميه اليوم تخلفا. وحين يعود إلينا من مدن بعيدة، ومن منصات الموضة العالمية، ومن أجساد المشاهير، نصفق له باعتباره فنا معاصرا. كأن البحر يصبح أرقى إذا عاد إلينا في زجاجة مستوردة. ربما كان الزمن يضحك علينا منذ البداية. فكل عصر يختار مقدساته، ثم يسخر من مقدسات العصر الذي سبقه. لكن الجلد لا يكذب. إنه يحتفظ بكل ما مر عليه، كما تحتفظ الصخور بأقدام الأنبياء، وكما تحتفظ الأشجار بأسماء العشاق الذين رحلوا.
ليس السؤال: هل الوشم جميل أم قبيح؟ السؤال الحقيقي هو: من الذي يملك حق تعريف الجمال؟ هل هو الزمن؟ أم المجتمع؟ أم الأسواق؟ أم تلك الأرواح القديمة التي ما تزال، كلما هبّت ريح من جهة الأطلس، تهمس في آذاننا بأنّ الجسد كان يوما مخطوطة، وأن كل وشم لم يكن إلا جملة قصيرة كتبها الأجداد بالحبر الأزرق، حتى لا تنسى الأجيال أن الذاكرة يمكن أن تسكن الجلد، كما تسكن الروح الجسد.
📲 Partager sur WhatsApp
يدخل الوشم ضمن عالم “الغراف”، ذلك العالم الرمزي الذي يتكلم لغة الأثر الذي يظهر البعد الميتا- فيزيقي الذي يتعشش niche فيه وبه شعب تاريخي. الوشم ليس مجرد زخرف أو زينة، بل هو اللغة لما لا تستطيع الكلمة قول كل شيء….