بقلم: عبد الرحمن مكاوي, باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية-باريس
ليس مضيق هرمز مجرد ممر مائي يختصر طريق ناقلات النفط بين الخليج العربي وبحر العرب، بل هو نقطة ارتكاز في هندسة القوة العالمية. فمن يراقب خرائط الطاقة يدرك أن هذا الشريط البحري الضيق لا يقاس بعرضه الجغرافي، وإنما بثقله الاستراتيجي، إذ تتقاطع عنده مصالح القوى الكبرى، وحسابات الأمن القومي، وأسواق الطاقة، وموازين الردع الإقليمي. ومن هنا، فإن السؤال الذي يتردد في الأوساط السياسية والعسكرية ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على فرض حرية الملاحة في هرمز، وإنما ما إذا كانت قادرة على تحويل هذه المعركة إلى حرب أطلسية جماعية. والجواب، وفق القراءة الواقعية لموازين المصالح داخل الحلف، يبدو أكثر تعقيدا مما توحي به القوة العسكرية الأمريكية.
فالولايات المتحدة تنظر إلى أمن الملاحة في الخليج باعتباره امتدادا مباشرا لأمن الاقتصاد العالمي، بينما تنظر غالبية العواصم الأوروبية إلى أي مواجهة مع إيران باعتبارها نزاعا إقليميا عالي الكلفة، لا يندرج ضمن الوظيفة الأصلية لحلف شمال الأطلسي، الذي تأسس للدفاع الجماعي عن أعضائه، لا لإدارة حروب استباقية خارج المسرح الأوروبي. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى؛ فالناتو، رغم امتلاكه أعظم منظومة عسكرية في التاريخ الحديث، ليس تحالفًا تتحرك جيوشه بإرادة دولة واحدة، بل مؤسسة سياسية تقوم على الإجماع. ولذلك فإن التفوق العسكري لا يساوي بالضرورة حرية القرار السياسي.
إن المادة الخامسة من معاهدة واشنطن، وهي حجر الزاوية في فلسفة الحلف، لا تُفعّل إلا في حال تعرض إحدى الدول الأعضاء لهجوم مسلح. أما النزاعات التي تنشأ نتيجة عمليات عسكرية خارج هذا الإطار، فتظل رهينة التوافق السياسي، وهو توافق يبدو بالغ الصعوبة في ظل التباينات الأوروبية بشأن أي تصعيد واسع مع إيران. ومن هذا المنطلق، يصبح الحديث عن تدخل أطلسي شامل أقرب إلى فرضية نظرية منه إلى خيار عملي، لأن عدداً من الدول الأوروبية يفضّل الفصل بين حماية الملاحة البحرية والانخراط في حرب مفتوحة، وهو ما يفسر الميل نحو إنشاء قوة بحرية متعددة الجنسيات مستقلة عن بنية الناتو، تتولى حماية السفن التجارية دون تحويل الأزمة إلى مواجهة مباشرة بين الحلف وإيران.
لكن هذا الحذر الأوروبي لا يعكس ضعفا عسكريا، بل إدراكا لطبيعة الخصم. فإيران لا تراهن على التفوق التقليدي في مواجهة الولايات المتحدة أو الناتو، وإنما تبني عقيدتها العسكرية على استنزاف الخصم، ورفع كلفة أي تدخل إلى مستويات قد تتجاوز المكاسب المرجوة منه. إنها استراتيجية تعتمد على المزج بين الصواريخ الساحلية، والزوارق السريعة، والطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والشبكات الحليفة المنتشرة في أكثر من ساحة إقليمية. وهنا تكمن خصوصية مضيق هرمز؛ فالمعركة فيه ليست معركة احتلال بحري، بل معركة اقتصاد عالمي. يكفي أن ترتفع أقساط التأمين على السفن، أو تتكرر الهجمات المحدودة، حتى تتحول حرية الملاحة إلى عبء اقتصادي ينعكس على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، دون أن تكون إيران قد أغلقت المضيق فعليا.
لقد أثبتت تجارب المحاكاة العسكرية، كما أثبتت وقائع النزاعات الحديثة، أن التفوق التكنولوجي لا يلغي قدرة الخصم على إرباك العمليات عبر وسائل منخفضة الكلفة وعالية التأثير. ولذلك فإن الانتصار العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق النصر السياسي، وهي معادلة خبرتها الولايات المتحدة في أكثر من مسرح عمليات خلال العقود الأخيرة. ويبرز في هذا السياق العامل التركي بوصفه أحد أكثر العناصر حساسية في الحسابات الأطلسية. فتركيا، العضو الوحيد في الحلف الذي يتشارك حدودا مباشرة مع إيران، تدرك أن أي حرب واسعة ستنعكس مباشرة على أمنها القومي، سواء عبر التهديد الصاروخي، أو تدفقات اللاجئين، أو اضطراب التوازنات الإقليمية. ولهذا فإن موقف أنقرة يظل عنصرا حاسما في أي نقاش داخل الحلف حول طبيعة الرد وحدوده.
إن امتلاك الناتو القدرة على توجيه ضربات ساحقة لا يعني امتلاكه الإرادة السياسية لخوض حرب طويلة في الخليج. فالقوة العسكرية تحسم المعارك، لكنها لا تحسم دائما نتائجها الاستراتيجية. أما السيطرة المستدامة على مضيق هرمز، فهي ليست مسألة بحرية فحسب، بل ترتبط بمعادلات جغرافية وسياسية معقدة، قد تستلزم عمليات تمتد إلى الجزر والمواقع الساحلية، بما يفتح الباب أمام حرب استنزاف تتجاوز بكثير هدف حماية الملاحة. تبدو الأزمة أكبر من مجرد صراع على ممر بحري. إنها اختبار لقدرة النظام الدولي على إدارة التنافس بين القوة والردع، وبين المصالح الاقتصادية وحدود العمل العسكري الجماعي. فكل الأطراف تدرك أن إشعال الحرب قد يكون ممكنا، لكن السيطرة على مآلاتها ليست مضمونة لأحد. وهكذا، يبقى مضيق هرمز عنوانًا لمعادلة استراتيجية ثابتة: ليست كل قوة قادرة على الحرب راغبة فيها، وليست كل دولة أضعف عسكريا عاجزة عن فرض كلفة تجعل النصر، مهما كان ساحقا، انتصارا باهظ الثمن.
📲 Partager sur WhatsApp