اليونيسكو معبد لذاكرة الإنسان

بقلم زكية لعروسي, باريس

في ذلك المبنى العتيق القابع على ضفاف باريس، حيث تتعانق لغات ولهجات الأرض تحت سقف واحد، وحيث تمرّ أرواح الحضارات القديمة كأطياف شفافة بين الممرات والخرائط واللوحات، لم تُبن منظمة اليونيسكو لتكون حلبة لصراع الأعصاب، ولا سوقا موسمية للمشاحنات الصغيرة. لقد ولدت اليونيسكو من رماد الحروب الكبرى، من أنين المدن المحترقة، ومن قناعة إنسانية عميقة تقول إن السلام لا يبنى بالدبابات، بل ببناء العقل الإنساني.

إن اليونسكو ليست قاعة للنزاعات، ولا منصة لاستدعاء أشباح الحدود والأسلاك والأسئلة المستهلكة. إنها بيت الحضارات حين تتعب السياسة، وملجأ الذاكرة حين يشيخ العالم تحت ثقل الصراعات. هنا لا ينبغي أن ترتفع الأصوات إلا بقدر ما ترتفع المعابد اليابانية في صمتها، أو كما تتكلم الأسوار الصينية بلغة الزمن الطويل، أو كما تنحني مكتبات بغداد القديمة أمام هيبة المعرفة. لا يفترض أن ترتفع الأصوات إلا للحديث عن التراث، عن الشعر، عن الموسيقى، عن ذاكرة الإنسانية المشتركة، عن الأنهار التي عبرتها الحضارات، وعن الكتب التي أنقذت العقول من العتمة. اليونيسكو ليست ثكنة سياسية، بل دير كونيّ لحراسة الجمال الإنساني من التوحش.

إنّ المشهد الذي اجتاح شبكات التواصل الاجتماعي كأنه نشاز داخل سيمفونية كونية كان يفترض أن تعزف للإنسانية لا للانفعال. ما جرى, وما سال كالنار من صور ومقاطع وتعليقات، جعل كثيرين يشعرون بأن شيئا من روح المؤسسة قد اهتزّ. فحين تتحول المؤسسات الدولية إلى امتداد للتوترات الضيقة، يصبح العالم كله أصغر من فكرة الحضارة، وأفقر من معنى الثقافة.

يا قارئي العزيز، إن الأمم العظيمة هي طول الرؤية. وبعض الدول، حين تتجذر أكثر من اللازم في تربة الخصومات، تنسى أن ترفع رأسها نحو السماء. تنظر إلى الأرض حتى تتقزم الروح، بينما الحضارات الحقيقية كانت دائما تملك أعناقا طويلة، تنظر أبعد من الجوار، أبعد من النزاعات اليومية، أبعد من الغبار السياسي . المغرب، كحضارة ضاربة في عمق التاريخ، ليس في حاجة إلى أن يستهلك طاقته في مرايا الصراع الصغيرة. فالممالك العريقة لا تدخل الأسواق وهي تصرخ، بل تدخلها بهيبة التاريخ وهدوء الحضارة. من فاس إلى مراكش، ومن الأندلس إلى تمبكتو، كان المغرب فضاء لعبور الأفكار، وقنطرة بين إفريقيا والمتوسط، وذاكرة تسير على قدمين.

لهذا، ربما حان الوقت لأن تتحول البوصلة المغربية من ردود الفعل إلى أفق الفعل الحضاري الأوسع. فبدل أن يظل النظر مشدودا إلى الأرض المتوترة، لماذا لا يرفع البصر نحو حضارات أخرى استطاعت أن تجعل من الثقافة قوة ناعمة تتجاوز الصخب؟ لننظر إلى اليابان، كيف حوّلت جراح هيروشيما إلى فلسفة جمال وانضباط. ولننظر إلى الصين، كيف أعادت إحياء تنينها الحضاري عبر اللغة والفنون والتكنولوجيا والذاكرة الطويلة. تلك الأمم فهمت أن المعارك الكبرى تربح ببناء صورة حضارية تجعل العالم ينظر إليها بإعجاب لا بتوتر.

إن اليونيسكو، في جوهرها فضاء لإثبات من يملك ما يقدمه للإنسانية. من يملك قصيدة تحفظ الذاكرة، أو فنا يداوي الخراب، أو تراثا يحكي قصة الإنسان منذ الكهوف الأولى حتى ناطحات السحاب. لقد تأسست اليونيسكو سنة 1945 على فكرة تكاد تكون صوفية في عمقها: “بما أن الحروب تبدأ في عقول البشر، ففي عقول البشر يجب أن تبنى حصون السلام.” أيّ مفارقة هذه حين تتحول مؤسسة ولدت لمنع التوتر إلى انعكاس للتوتر نفسه؟

إن ما حدث، أيا كانت تفاصيله، هو جرس فكري, وإنذار ثقافي يدق بعنف داخل وعينا الجماعي. لأن الأمم العظيمة توزن بميزان القدرة على الارتفاع فوق الانفعال. والتاريخ لا يحترم الذين يلتصقون بالأرض حدّ العمى، بل أولئك الذين ينظروا إلى أبعد من الجغرافيا… إلى الحضارات. فحين تصبح المؤسسات الثقافية رهينة الانفعالات السياسية، تفقد الإنسانية آخر ملاذاتها الرمزية. والمغرب، بحكم عمقه التاريخي، مدعو أكثر من غيره إلى أن يربح معركة الهدوء الحضاري، لا معركة الانفعال. فالأمم الواثقة من نفسها لا تستدرج بسهولة إلى أقبية الضجيج، لأنها تعرف أن الزمن يعمل لصالح الحضارات الطويلة النفس. يقول المثل الشعبي المغربي: “اللّي دار راسو في النّخالة ينقبوه الدجاج” وما أعمق هذه الحكمة الشعبية. فحين يظل الإنسان محدقا فقط فيما تحت قدميه، ينسى أن فوقه سماء واسعة، وأن العالم أكبر من خصومة، وأعمق من نزاع، وأبقى من لحظة غضب .

هناك أمم حين تدخل مؤسسة ثقافية دولية تحمل معها ألف سنة من التأمل، لا ألف ساعة من التوتر. تدخل كما تدخل اليابان إلى معابد الذاكرة: بخفة الكرز المتساقط، لا بالمطارق. وتحضر كما تحضر الصين إلى التاريخ: بثقل الحضارة. فالحضارات الواثقة من جذورها هي كالجبال لا تصرخ لكي ترى. المغرب، كمملكة ضاربة جذورها في أعماق التاريخ، أكبر من أن يستهلك في ردود الفعل الضيقة . إنه بلد يعرف كيف يحوّل التنوع إلى قوة، والعمق الثقافي إلى حضور، والتاريخ إلى لغة تخاطب العالم بل أكثر من هذا هو يدرك أن الحضارة تراكم قرون من الوعي، والحكمة، والقدرة على البقاء.

إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من التوتر، بل إلى يقظة حضارية جديدة. إلى أن نفهم أن الثقافة ليست سلاحا في معركة، بل جسرا فوق المعارك. وأن الأمم التي تبني صورتها على الحكمة تكسب المستقبل، بينما تظل الأمم الغارقة في ردود الفعل سجينة اللحظة. لذلك، ربما الأجدر أن يتحول ما جرى إلى فرصة للتفكير العميق: كيف يمكن أن يصبح الحضور المغربي في المؤسسات الدولية حضورا حضاريا كونيا، لا مجرد حضور دفاعي؟ كيف ننتقل من معارك الهوية الضيقة إلى صناعة التأثير الثقافي العالمي؟ كيف نجعل من تراثنا لغة يفهمها العالم كله، لا مجرد وثيقة نلوّح بها في وجه الخصوم؟ إن الحضارات الكبرى لا تعيش على الشجار، بل على الإشعاع. واليونيسكو… يجب أن تبقى بيتا للسلام، لا شرفة يطل منها العالم على خصومات لا تنتهي.

📲 Partager sur WhatsApp

2 thoughts on “اليونيسكو معبد لذاكرة الإنسان

  1. من لم يحفظ إنتاج أثره الإبداعي، في بيت المحافظة الأممي، تتم سرقته. وهو ما يفسر الصراع القائم اليوم بين شعوب متجاورة جغرافيا . ما لذلك من علاقة بالسؤال: من أنت على الأرض، وما شواهد عبورك؟

  2. شكرا استادتي على هدا المقال كسرخة للتذكير ان قبة اليونسكو ليست لإظهار عضلات لا تتناسب مع الهيبة المكان بل لعرض مواهب ورثت من الأجداد كموروث ثقافي نعرضه بكل احترام وفخر….
    دمت متألقة وقلما ينير الدهاليس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *