المغرب بين مهابة الدولة والعفو الملكي

بقلم زكية لعروسي, باريس

المغرب واحد من تلك الأمم النادرة التي لا تختزل السياسة في مجرد تدبير للسلطة، بل ترفعها إلى مقام الرمز الحضاري، حيث يصبح الملك حارسا لاستمرارية تاريخية تمتد عبر القرون، وتتحول الدولة إلى كائن حيّ يحمل ذاكرة الأرض وروح الأسلاف معا. وحين منح الملك محمد السادس عفوه الملكي للمشجعين السنغاليين الذين اعتقلوا عقب أحداث نهائي كأس أمم إفريقيا 2025، لم يكن الأمر مجرد إجراء إنساني عابر، ولا التفاتة بروتوكولية لاحتواء أزمة رياضية طارئة؛ إنّما بدا وكأنه فصل جديد من فلسفة مغربية عميقة في الحكم، فلسفة تعرف أن قوة الدولة لا تبلغ ذروتها إلا حين تمتلك شجاعة الرحمة.

فالمغرب، منذ قرون، لا يحكم فقط بالقانون… بل يحكم أيضا بالرموز. في هذا البلد الذي عبرت فوق ترابه قوافل المرابطين، وارتفعت في مدنه مآذن العلماء والمتصوفة، السلطة كانت دائما امتدادا لفكرة “الإمارة الجامعة”؛ تلك التي تجمع بين الهيبة والرأفة، بين الصرامة والحكمة، بين الدولة كقوة والدولة كمعنى. لقد فهمت الملكية المغربية، عبر تاريخها الطويل، ما عجزت عنه جمهوريات كثيرة: أن الشرعية الحقيقية لا تصنع بالخوف وحده، بل بالقدرة على تحويل السلطة إلى ملاذ أخلاقي للأمة. ولذا جاء العفو الملكي وكأنه استدعاء لذاكرة عريقة تضرب جذورها في تقاليد السلاطين الكبار، حين كان العفو لحظة سيادية سامية، تظهر أن الحاكم أقوى حين يسمو فوق الغضب.

ولو كان دوستويفسكي حيّا لربما رأى في هذه اللحظة شيئا من الدراما الإنسانية الكبرى: جماهير غاضبة، انفعال رياضي، توتر قومي، ثم فجأة يظهر الملك كحاكم وكضامن للتوازن الأخلاقي، وكأن الدولة تتدخل لتقول إن الأخوة الإفريقية أوسع من غضب المدرجات. أما تولستوي، فربما كان سيقرأ المشهد باعتباره بقايا حية من روح الإمبراطوريات القديمة، حين كانت السياسة لا تزال تحمل شيئا من الشعر، وحين كان العرش يؤدي وظيفة رمزية تتجاوز الحسابات الضيقة إلى حماية النسيج العميق للمجتمع.

ولعل هذا ما يجعل المغرب حالة استثنائية في عالم اليوم. فما يزال المغرب يتحرك بمنطق الدولة-الحضارة؛ دولة تعرف كيف تبني الموانئ العملاقة والمشاريع الحديثة، وفي الوقت ذاته تحافظ على الخيط الروحي الذي يصل الحاضر بالماضي. من طنجة إلى الداخلة، ومن فاس إلى الصحراء، يتحرك المغرب كأنه يعيد كتابة ذاته بهدوء الملوك الكبار، لا بعصبية الأنظمة المؤقتة. فالمملكة ترى نفسها استمرارا لتاريخ طويل من التراكم الحضاري، حيث يلتقي الإرث الأندلسي بالعمق الإفريقي، والروح الإسلامية بالحداثة الاستراتيجية.

ثم إن العلاقة بين المغرب والسنغال ليست وليدة دبلوماسية حديثة، إنّما هي علاقة صاغتها القرون. هناك، في أعماق التاريخ، عبرت الطرق الصوفية والقوافل التجارية والعلماء والفقهاء بين فاس ودكار، قبل أن تولد الحدود الحديثة بزمن طويل. ولذلك بدا العفو الملكي وكأنه إعادة إحياء لذاكرة أخوية قديمة، ذاكرة تتجاوز السياسة إلى ما هو أعمق: شعور حضاري مشترك. وفي الحقيقة، فإن الملكية المغربية نجحت في أمر بالغ الندرة: لقد حولت المؤسسة الملكية من مجرد نظام حكم إلى عمود فقري للهوية الوطنية. ففي الوقت الذي تحولت فيه ملكيات كثيرة إلى طقوس فولكلورية، بقيت الملكية المغربية مركز الثقل الحقيقي للدولة، القادر على الجمع بين الدين والدبلوماسية والتنمية والاستقرار ضمن سردية وطنية واحدة

.

لهذا يظهر الملك في المخيال المغربي كامتداد لتاريخ طويل يبدأ من الأدارسة، ويمر بالمرابطين والموحدين والسعديين والعلويين، وصولا إلى مغرب اليوم الذي يحاول أن يدخل المستقبل دون أن يقطع جذوره. إن العفو عن المشجعين السنغاليين لن يمحو توتر الرياضة ولا عنف الجماهير، لكنه كشف شيئا أعمق بكثير: أن المغرب ما يزال يؤمن بأن الدولة ليست آلة للعقاب فقط، بل فضاء لحماية الكرامة الإنسانية وصون العلاقات الأخوية بين الشعوب. وفي عالم يزداد قسوة وانقساما، تبدو مثل هذه الإشارات السياسية ذات قيمة نادرة. ربما لهذا السبب يظل المغرب مختلفا…لأنه يسير نحو الحداثة بعقل دولة، لكن بروح حضارة.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “المغرب بين مهابة الدولة والعفو الملكي

  1. حين تمتزج السياسة بتحليل جاذب يمتح من التاريخ بقدمين راسختين في الحاضر و نظرة واضحة و متزنة نحو المستقبل، يعطيك نصا يعانق الحب و الوطنية و العقلنة و الرصانة المتعددة الأبعاد بقلم سيال بذكاء كما نقرأه على صفحات الورقاء بقلم زكية العروسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *