الحلقة رقم 1: كيرا وبائع السمك


ضمن سلسلة: أسطورة النكتة في الحي المحمدي (المرحوم كيرا)

بقلم عبد الله شوك الكاتب وصحافي- المغرب

لم يكن كيرا من أولئك الذين يمرّون في الحي المحمدي كما تمرّ الريح بين الأزقة؛ كان يمرّ كأنه يوقظ الحجر من نعاسه، ويعيد ترتيب ضحكة عابرة في الهواء. في ذلك الصباح الصيفي، تناول فطوره المتواضع على عجل، كأنما الفطور مجرد مقدمة لنكتة لم تقل بعد. ثم خرج من بيته بحي السككيين – سوسيكا – متجها كعادته نحو “مقهى السعادة”، ذلك الرّكن الذي يجاور سينما السعادة، حيث تتجاور الذاكرة والظّل والضحك القديم، وحيث كان كيرا يجد نفسه كما يجد العطشان ظل شجرة. كان يسير ببطء محسوب، لا هو مستعجل كمن يلاحق رزقا، ولا هو متباطئ كمن يهرب من يومه. كل خطوة عنده كانت جملة ناقصة تنتظر أن تكملها مصادفة. يحيّي أهل الحي المحمدي كما لو أنّه يوزّع عليهم صباحا إضافيا، وتخرج من فمه قهقهات فجائية، لا تعرف إن كانت ردّا على فكرة أو بداية فكرة جديدة.

وفي الطريق، وبينما هو غارق في تلك الفوضى الجميلة التي يسميها البعض مزاجا ويسمّيها كيرا “حالة حياة”، لمح بائع سمك يجر عربته بصبر يشبه صبر البحر حين يصادَر منه الموج. توقف كيرا. لم يتوقف كمن يريد شراء السمك، بل كمن وجد بابا مفتوحا لنكتة محتملة. اقترب من العربة، وأخذ يتأمل الأسماك كما يتأمل العارف كتابا بلا حروف. ثم رفع عينيه نحو البائع وسأله بسؤال بسيط، لكنه مشحون بخفة لا ترى:

– “واش عندك الرّاية؟”

أجاب البائع، وقد لمح في السؤال شيئا من الجد، بسرعة وارتياح:

– “إيوا عندي!”

سكت كيرا لحظة، كأنّما يتأكّد أن العالم لا يزال صالحا لإطلاق المفاجآت، ثم قال بهدوء يليق بمن يفلت نكتة من بين أصابعه:

– “إِيوَا عَلَّقْهَا…”

ثم مضى في طريقه، كأن شيئا لم يقع، تاركا بائع السمك واقفا بين السمك والدهشة، يحاول أن يفهم هل كان عليه أن يضحك أم أن يراجع مخزونه من “الرايات”.

أما كيرا، فقد كان قد استأنف مشيته، وكأن النكتة لم تقل أصلا، بل مرّت فقط لتتأكّد أنّ الحيّ المحمّدي ما زال حيّا بما يكفي للضحك.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *