بين خزائن الذهب وخرائط النار…

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

هناك أماكن في العالم لا تمر بها الأحداث، بل تمر الأحداث من خلالها. أماكن لا تكون مجرد جغرافيا على خريطة، بل ذاكرة مفتوحة تحمل في صخورها أصوات الذين عبروا، وفي رمالها خطوات الذين رحلوا، وفي سمائها صدى إمبراطوريات ظنت يوما أنها أمسكت بمفاتيح التاريخ، ثم اكتشفت أن التاريخ لا يمنح مفاتيحه لأحد. والشرق الأوسط هو أحد هذه الأماكن النادرة. هنا لا تنام القرون. إنها فقط تغير ملابسها. قد تختفي رايات إمبراطورية، ثم تظهر رايات أخرى، وقد تتبدل أسماء المدن، لكن الحكاية العميقة تبقى معلقة فوق الأرض مثل قمر قديم يراقب البشر وهم يعيدون كتابة المأساة نفسها بأقلام جديدة.

في هذه البقعة التي تختلط فيها رائحة التاريخ بدخان المدافع، لا تدور المعركة فقط حول الصواريخ والحدود والتحركات العسكرية. هناك حرب أخرى أكثر غموضا تجري خلف الستائر. حرب الرموز. حرب الذاكرة. حرب من يملك الحق في رواية التاريخ. فعندما يصبح المال جزءا من الصراع، لا يعود المال مجرد أرقام في خزائن المصارف. يتحول إلى كائن سياسي يحمل ظلال الدول، وأحلام الشعوب، وخوف الحكومات من فقدان السيطرة. الأموال المجمدة ليست مجرد أوراق صامتة خلف أبواب حديدية. إنها مثل رسائل قديمة وضعت في صندوق مغلق، تحمل أصواتا لم تنته من الحديث بعد. كل ورقة نقدية فيها قصة. كل حساب مصرفي فيه فصل من صراع أكبر.

حين تتحدث طهران عن السيادة، فهي لا تتحدث فقط عن الحدود الجغرافية، بل عن ذاكرة طويلة من المواجهة والضغط والعقوبات. وحين تتحدث واشنطن عن النفوذ والأمن والردع، فهي ترى المشهد من نافذة مختلفة تماما. وهنا تكمن مأساة السياسة الدولية: أنّ الحقيقة أحيانا لا تكون غائبة، بل تكون موزعة بين روايات متعارضة. كل طرف يحمل مرآته الخاصة. كل طرف يرى نفسه في موقع الدفاع. وكل طرف يعتقد أن التاريخ كتب الصفحة الأولى لصالحه. لكن التاريخ، ذلك الكاتب الغامض الذي لا يوقع كتبه باسمه، يحتفظ دائما بحق تعديل النهاية.

كان دوستويفسكي يرى أن الصراعات الكبرى لا تبدأ فقط من الجيوش، بل من أعماق النفس البشرية، من الخوف والكبرياء والجرح القديم. وربما لو نظر إلى عالم الدول لقال إن الأمم أيضا لها أرواح خفية. لها ذاكرتها. لها عقدها النفسية. لها مخاوفها التي تنتقل من جيل إلى جيل مثل ميراث ثقيل لا يظهر في الحسابات السياسية لكنه يحركها من الداخل. فالبلدان، مثل البشر، لا تتصرف فقط بما تملكه من قوة. بل بما تحمله من ذاكرة. السياسة العالمية في زمننا تشبه أحيانا مسرحا بورخيسيا لا تنتهي مراياه. كل دولة تدخل المسرح وهي تحمل قناعها الخاص، ثم تكتشف أن خصمها يرتدي قناعا مشابها. هناك من يرى العقوبات وسيلة ضغط. وهناك من يراها حصارا. هناك من يرى التحالفات ضمانا للأمن. وهناك من يراها محاولة لتطويق النفوذ. وفي وسط هذه المتاهة تصبح الكلمات نفسها أسلحة. تصريح واحد قد يكون شرارة. قرار مالي قد يصبح جبهة جديدة. وتغريدة عابرة قد تحمل وزنا أكبر من خطاب طويل. لأن العالم الحديث اكتشف أن الرصاصة ليست دائما مصنوعة من الحديد. أحيانا تكون مصنوعة من الحبر.

أخطر الحروب ليست تلك التي تبدأ بصوت الانفجارات. بل تلك التي تبدأ حين تفقد الأطراف القدرة على تخيل طريق آخر. فالكوارث الكبرى في التاريخ لم تولد دائما من قوة السلاح، بل من عجز البشر عن التراجع خطوة واحدة قبل سقوط الجسر. كم من إمبراطوريات انهارت لأنّها لم تفهم لحظة التحول؟ كم من قادة ظنوا أنهم يكتبون التاريخ، ثم اكتشفوا أنّ التاريخ كان يكتب نهاياتهم بصمت؟ اليوم يقف الشرق الأوسط كمسافر أسطوري عند مفترق طرق لا يعرف إلى أين تقوده الرياح. يحمل في حقيبته إرث الحضارات الأولى. يحمل ألواح الكتابة الأولى. يحمل أصوات الأنبياء والفلاسفة والشعراء. لكنه يحمل أيضا ندوب الحروب الحديثة، تلك الندوب التي لا تظهر دائما على الخرائط، بل تظهر في عيون الناس. هناك من يرسم المستقبل بالقوة. وهناك من يحاول حماية موقعه وسط عاصفة متحركة. وبينهما يقف الإنسان العادي، ذلك الاسم الصغير الذي لا يظهر في البيانات الرسمية، لكنه يحمل وحده وزن القرارات الكبرى.

المدن لا تعرف السياسة كما يعرفها القادة. المدينة تعرف صوت الأم حين تنتظر خبرا. تعرف خوف الأب حين يسمع الطائرات. تعرف صمت السوق حين يصبح الغد مجهولا. تعرف أن الحرب ليست رقما في تقرير، بل ظل ثقيل يدخل البيوت ويغير شكل الأحلام. ولهذا فإن كل حرب في النهاية ليست معركة على الخرائط فقط. إنها معركة حول معنى الحياة. قد تبقى الخزائن مغلقة. وقد تتغير التحالفات. وقد تستمر العواصم في تبادل الرسائل القاسية. لكن هناك حقيقة أقدم من كل الصراعات: الشعوب ليست حجارة في لعبة الأمم. إنها الذاكرة الحية للتاريخ. والشرق الأوسط ليس مجرد رقعة شطرنج تتنافس فوقها القوى الكبرى. إنه أحد أقدم كتب البشرية. هنا ولدت الأساطير الأولى. هنا عبرت القوافل التي حملت المعرفة بين القارات. هنا قامت إمبراطوريات سقطت، لكنها تركت وراءها أسئلة لم تجد البشرية جوابا نهائيا عنها. ولهذا فإن كل شرارة تشتعل فوق هذه الأرض لا تبقى شرارة محلية. إنها تصعد مثل دخان أسطورة قديمة تبحث عن سماء جديدة.

ويبقى السؤال معلقا فوق المنطقة مثل قمر بارد فوق مدينة لا تنام: هل تستطيع الحكمة أن تهزم منطق الانتقام؟ هل تستطيع الدبلوماسية أن تعيد للكلمات معناها قبل أن تتحول إلى صواريخ؟ أم أن العالم سيواصل الدوران داخل الدائرة نفسها، حيث يولد الغضب من الغضب، والخوف من الخوف، حتى يأتي جيل يملك الشجاعة الكافية لفتح صفحة لم يكتبها الماضي؟ فالتاريخ لا ينتظر الأقوى دائما. أحيانا ينتظر الأكثر حكمة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *