بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
في باريس، تلك المدينة التي علقت على جدرانها أصوات الفلاسفة، وعلى جسورها خطوات العشاق، وفي أزقتها ظلال الثورات والقصائد، تمشي ملايين الأرواح كل يوم فوق أرصفة تبدو صامتة، لكنها في الحقيقة تحفظ أسرارا أكثر مما تحفظه الكتب. هناك، بين ضجيج السيارات وهمس النوافذ القديمة، يتحرك رجل بدراجة تحمل صندوقا صغيرا. لكن من يظن أن ذلك الصندوق يحمل طعاما فقط لم ير الحقيقة كاملة. فبعض الأشياء الصغيرة تخفي أثقالا لا تراها العين. هناك خبز يحمل معنى الكرامة. وطعام يحمل معنى الذاكرة. وزيارة قصيرة قد تكون الحبل الأخير الذي يمسك انسانا بالحياة.
اسمه لاسانا. ليس مجرد اسم في قائمة الموظفين. وليس رقما في إحصائية عن الخدمات الاجتماعية. إنه واحد من أولئك الذين تضعهم الحياة في المسافة النادرة بين الوظيفة والرسالة، بين ما يقوم به الإنسان بيديه وما يحمله في قلبه. يخرج كل صباح من جنوب باريس، يركب دراجته كما لو أنه يبحر في مدينة من الأساطير، يبحث لا عن عناوين فقط، بل عن أرواح تخشى أن تصبح مجهولة. هو لا يطرق الأبواب. هو يطرق جدران الصمت. خلف كل باب في تلك العمارات الباريسية حكاية إنسان خاض معركته الخاصة مع الزمن. هناك مسنون ينتظرون وصول الوجبة، لكنهم في الحقيقة ينتظرون وصول وجه يعرفهم. هناك وحيدون أصبح صوت الجرس عند بابهم أشبه برسالة من العالم تقول لهم: لم ننساكم بعد. ولم تغلق الحياة كتابها في وجوهكم.

فلاسـانا لا يملأ الثلاجات بالطعام فقط. إنه يعيد ترتيب الفوضى الخفية التي يتركها العمر خلفه. يراقب نظرة العين. يراقب حركة اليد. يراقب تغير الصوت. يعرف أن الجسد أحيانا يكتب رسائله الأخيرة بلغة لا يقرأها إلا من تعلم فن الإصغاء. إنه ليس موزع وجبات. إنه قارئ للعلامات الصغيرة التي يتركها الإنسان حين يعجز عن طلب النجدة. إنه مترجم للصرخات التي لا صوت لها. في أحد أيام الصيف، كان باب امرأة في السادسة والتسعين مغلقا. ذلك الباب الذي اعتاد أن ينفتح كل صباح مثل نافذة صغيرة يدخل منها الضوء، تحول فجأة إلى صمت ثقيل. عرف لاسانا أن الصمت هذه المرة ليس عاديا. فالغياب له أحيانا صوت. عاد. اتصل. انتظر. ثم دخل في سباق مع الزمن. وعندما فتح الباب، وجد امرأة أنهكتها الحرارة والعطش، معلقة بين عالمين: عالم الحياة وعالم الغياب. في تلك اللحظة لم يكن لاسانا مهاجرا. ولم يكن موظفا. ولم يكن اسما على بطاقة عمل. كان فقط انسانا. ذلك الكائن القديم الذي تحدث عنه الفلاسفة حين قالوا إن قيمة الإنسان لا تظهر عندما يعيش لنفسه، بل عندما يصبح جسرا لعبور إنسان آخر من حافة السقوط. لو كان التاريخ أكثر إنصافا، لما كتب خبرا عابرا عن امرأة أنقذت من الموت. لكان كتب عن رجل يحمل كل صباح ميزانا خفيا يزن به مقدار الرحمة المتبقي في العالم.
لكن قصة لاسانا لا تتحدث فقط عن رجل واحد. إنها تفتح بابا أوسع على سؤال قديم: كيف نحكم على البشر؟ وكيف نحول ملايين الوجوه إلى صورة واحدة؟ فرنسا ليست وجها واحدا. وأفريقيا ليست حكاية واحدة. والإنسان لا يمكن اختزاله في جواز سفر أو لون أو لهجة أو حادثة عابرة. من أكثر أخطاء التاريخ قسوة أن يحاكم البشر الجماعات بأفعال الأفراد، وأن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، واللحظة العابرة إلى هوية كاملة. لقد حذر الفلاسفة دائما من سجن الإنسان داخل صورة جاهزة. فدوستويفسكي رأى النفس البشرية متاهة لا تنتهي. وتولستوي بحث عن الإنسان خلف الأسماء والطبقات والمظاهر. وماركيز كشف أن الحقيقة أحيانا تحتاج إلى أجنحة الخيال حتى تهرب من أقفاص الأحكام السريعة. ولعل لاسانا هو أحد أولئك الذين يعيدون للإنسان اسمه الحقيقي.

إنه ابن أفريقيا الذي لم يأت فقط ليبحث عن مكان في مدينة أخرى. بل جاء ليضيف شيئا إلى المكان الذي وصل إليه. فالمهاجرون ليسوا أرقاما في نشرات السياسة. وليسوا جميعا موضوعا للجدل والخوف. بين الملايين منهم هناك من يبني، ومن يعلم، ومن يعالج، ومن يبدع، ومن يحرس القيم الإنسانية في أكثر لحظاتها حاجة إلى الحراسة. فالحضارات لا تبنى فقط بالقصور والجامعات والطرق. تبنى أيضا بالأيدي التي تمتد إلى شخص ضعيف. بالقلوب التي تلاحظ ما لا يراه الآخرون. بالأشخاص الذين يرفضون أن يتركوا أحدا يسقط في الظلام. في الأساطير القديمة، كان هناك دائما حارس يقف عند بوابة المملكة.
لم يكن أعظم المحاربين. ولم يكن يحمل سيفا لامعا. كان يحمل مصباحا. مهمته لم تكن قتل الوحوش. بل منع الليل من ابتلاع الطريق. ولاسانا يشبه ذلك الحارس. دراجته سيفه الصامت. وصندوقه رايته الصغيرة. وأبواب باريس التي يطرقها كل يوم هي مملكته الإنسانية. في مدينة الفلاسفة والشعراء، تجري كل صباح ملحمة لا تظهر في كتب التاريخ. رجل. دراجة. صندوق طعام. وثلاثون أو أكثر من الأبواب التي تنتظر. قد تبدو الصورة بسيطة. لكن خلف بساطتها يختبئ سؤال الحضارة الأكبر: ما الذي يجعل مدينة عظيمة؟ هل هي أبراجها العالية؟ هل هي متاحفها؟ هل هي قصورها وأسماؤها الخالدة؟ أم ذلك الفعل الصغير الذي يقوم به انسان حين يرى إنسانا آخر يوشك أن يختفي، فيقول له بهدوء: أنا هنا.
إن أعظم المدن ليست تلك التي تمنع الضعف من الظهور. بل تلك التي تمنع الضعفاء من السقوط. ولهذا، حين يعبر لاسانا شوارع باريس بدراجته، فهو لا ينقل وجبات فقط. إنه ينقل رسالة أقدم من كل القوانين: أن الإنسان لا يصبح عظيما بما يملكه، بل بما يمنحه. وأن الحضارة لا تقاس فقط بما تبنيه من حجارة، بل بما تحميه من أرواح. وفي مدينة اعتادت على ضجيج المحركات وخطوات العابرين، يبقى صوت جرس دراجته الصغيرة موسيقى خفية تقول: ما زال هناك من يرى. ما زال هناك من يسمع. ما زال هناك من يطرق الباب. ما زال هناك من يحرس الضوء.
📲 Partager sur WhatsApp