ضمن سلسلة: حكايات وطرائف عاشها البدو
بقلم: عبد الله شوكا, كاتب وصحافي- المغرب
تحمل الذاكرة القروية حكايات لا يبهت بريقها مهما تعاقبت السنوات، لأنها تنتمي إلى زمن البراءة، حين كان اكتشاف العالم يتم بعينين مفعمتين بالدهشة، وحين كانت أبسط الأشياء قادرة على أن تصنع أجمل الذكريات. ومن بين تلك الحكايات الطريفة، تبرز قصة عبد الكبير، ابن الدوار، الذي عاش طفولته في سبعينيات القرن الماضي بعيدا عن صخب المدن وضجيجها، في بيئة ريفية لم يعرف خارجها عالما آخر. كان عالمه يقتصر على الدوار والقبيلة والحقول الممتدة، وعلى المواسم الشعبية التي كانت تقام في محيطه، حيث تمتزج أهازيج عبيدات الرمى بصهيل الخيل في عروض التبوريدة، فتتحول المناسبة إلى عيد ينتظره الصغار والكبار بشغف.
ولم يكن شيء يسعد عبد الكبير أكثر من صباح يوم الأحد، حين يقصد السوق الأسبوعي القريب لاقتناء الفخوخ التي يستعملها في صيد العصافير خلال عطلة الصيف، وهي هواية كانت تستقطب أبناء البادية في تلك الأيام. وكان لفصل الصيف طعم آخر، لأن عمته كانت تحل بالدوار قادمة من كاريان سنطرال بالحي المحمدي في الدار البيضاء، لقضاء العطلة بين أهلها. وكان عبد الكبير يترقب وصولها بشوق، ويقصد محطة القطار الصغيرة القريبة من الدوار لاستقبالها، في مشهد يتكرر كل عام حتى صار جزءا من طقوس الصيف. وحين انتهت إحدى تلك العطل، استعدت العمة للعودة إلى الدار البيضاء، فحزمت أمتعتها، ورافقها عبد الكبير إلى محطة القطار ليساعدها في حمل ما ثقل منها، على أن يعود وحده إلى الدوار بعد انطلاق القطار. غير أنّ القدر كان يخبئ له مفاجأة لم تخطر بباله. فعند المحطة، اقترحت عليه عمته أن يرافقها إلى الدار البيضاء، في أول زيارة له إلى مدينة كبيرة.
كان العرض مغريا، لكنه أربكه في الوقت نفسه؛ إذ لم يكن قد استعد للسفر، ولم يكن يرتدي من الثياب ما كان يعتقد أنه يليق بمدينة بحجم الدار البيضاء، التي كانت، في مخيلته، عالما مختلفا بكل المقاييس. وبعد لحظات من التردد، غلبه الفضول، وقرر خوض المغامرة، ليجد نفسه للمرة الأولى على متن القطار، متجهًا نحو المدينة التي طالما سمع عنها ولم يرها قط. وما إن وصل إلى محطة المسافرين بالدار البيضاء، حتى أخذته الدهشة أمام حركة الناس والسيارات والحافلات، والازدحام الذي لم تعرفه عيناه من قبل. كان كل شيء يبدو له جديدا، وكأنّه انتقل دفعة واحدة من عالم السكينة إلى عالم لا يهدأ. وبعد أن وصلا إلى منزل عمته بكاريان سنطرال، أخذ قسطا من الراحة، ثم خرجت العمّة لقضاء بعض حاجياتها، تاركة ابن أخيها وحده داخل البيت. هناك، وجد عبد الكبير نفسه وجهاً لوجه مع جهاز لم يسبق له أن رآه إلا في الحكايات: التلفزيون.
جلس أمام الشاشة مأخوذا بالفضول، وفي تلك اللحظة كان الإعلامي الراحل مصطفى العلوي يقدم نشرة الأخبار بصوته الرزين وأسلوبه الوقور. لكن عبد الكبير، القادم لتوه من عالم لم يعرف التلفزيون، لم يكن يدرك طبيعة هذا الجهاز، فظن أن الرجل الذي يظهر على الشاشة يراه بالفعل، وأنه يوجه حديثه إليه وحده.وكلما رفع مصطفى العلوي رأسه أو وجه نظره نحو الكاميرا، شعر عبد الكبير بخجل شديد، فيخفض بصره إلى الأرض، متجنبا النظر إلى الشاشة، وكأنه يقف أمام شخص حقيقي يخاطبه مباشرة. وما إن يجمع شجاعته ويرفع عينيه من جديد، حتى يفاجأ بمصطفى العلوي يواصل قراءة الأخبار وهو يحرك رأسه ونظراته، فيعود عبد الكبير إلى خفض بصره حياء، معتقدا أن مقدم النشرة لا يزال يحدق فيه.
وظلت هذه اللعبة البريئة تتكرر طوال النشرة، بين نظرة خاطفة إلى الشاشة، وأخرى إلى الأرض، في واحدة من أجمل صور البراءة التي ميزت جيلا كان يكتشف التكنولوجيا لأول مرة، بعفوية لا تعرف التصنع، وبخيال لا تحده حدود. إنّها حكاية تبدو اليوم طريفة، لكنها تختزل مرحلة كاملة من تاريخ المغرب، حين كان الانتقال من البادية إلى المدينة أشبه بالعبور إلى عالم آخر، وكانت مشاهدة التلفزيون لأول مرة حدثا استثنائيا، يملأ النفس دهشة، ويترك في الذاكرة صورا لا تمحوها السنون. وهكذا بقي عبد الكبير، كلما استعاد تلك الواقعة، يرويها ضاحكا، وهو يستغرب كيف أقنعته براءته يوما بأن مصطفى العلوي، من داخل شاشة التلفزيون، كان يخاطبه هو وحده، فيخجل منه كما يخجل الطفل من رجل يجلس أمامه في المجلس.
📲 Partager sur WhatsApp