بقلم زكية لعروسي, باريس
في المخيال المغربي، يقال: “القط عندو سبعة ديال الأرواح”. وهو مثل يستدعى حين يعجز المنطق عن تفسير قدرة شخص في السياسة الأميركية، قليلون هم من يشبهون الأساطير الشعبية كما يفعل ترامب؛ رجل كلما ظنّ خصومه أنه سقط، عاد واقفا كقطّ بسبع أرواح، يهبط من كل علوّ على قدميه، ويهزّ الأرض من تحته كما لو أنه لم يتعثر يوما. على النجاة المتكررة. ترامب اليوم يجسّد هذه الصورة بحذافيرها: من رجل أعمال مثير للجدل، إلى رئيس يهزّ النظام الدولي، ثم إلى فاعل سياسي يعود ليقلب الطاولة من جديد.
تصريحه حول تقليص القوات الأميركية في ألمانيا ليس مجرد قرار عسكري محتمل، بل هو رسالة متعددة الطبقات، تذكّر أوروبا بأن “الظل الأميركي” ليس قدرا أبديا. وكأن لسان حاله يقول، بمثل مغربي آخر: “اللي ما حسب حسابو، يبات بلا عشا”. في الجهة الأخرى، يقف فريدريش مارش، محاولا التوازن بين الواقعية الدبلوماسية وكرامة الدولة. ألمانيا، التي اعتادت لعقود أن تكون تحت المظلة الأمنية الأميركية، تجد نفسها اليوم أمام سؤال وجودي: هل تظلّ تابعا أمنيا، أم تبدأ كتابة استقلالها الاستراتيجي؟ وجود عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين على الأراضي الألمانية لم يكن يوما مجرد تفصيل تقني؛ إنّه إرث من الحرب الباردة، حين كانت أوروبا ساحة شطرنج بين واشنطن وموسكو. واليوم، مع التوترات حول إيران، يعود هذا الإرث ليطرح من جديد، ولكن بلهجة أكثر حدّة.

في القرن العشرين، كانت الولايات المتحدة تبني تحالفاتها على مبدأ الاحتواء. أما اليوم، فيبدو أن ترامب يعيد تعريف القواعد: الحلفاء مطالبون بالدفع، والولاء لم يعد مجانيا. هنا يحضر المثل العربي- المغربي البليغ: “ما يحكّ جلدك غير ظفرك”. أي أن أوروبا، إن أرادت الأمان، فعليها أن تصنعه بيدها، لا أن تنتظره من خلف الأطلسي. الخلاف بين واشنطن وبرلين لا ينفصل عن الملف الإيراني. فـمضيق هرمز هو شريان العالم الطاقي، وأي اضطراب فيه كفيل بإشعال الأسواق قبل الجيوش. حين تتهم ألمانيا الولايات المتحدة بغياب الاستراتيجية، ويرد ترامب بالتشكيك في فهمها، فإننا أمام صراع رؤى لا صراع مصالح فقط. وكأن كل طرف يقول للآخر: “أنا أرى ما لا تراه”.
في خضم هذا التوتر، يتحرك ماركو روبيو ونظيره الألماني في محاولة لاحتواء الموقف. لكن الحقيقة أن الدبلوماسية هنا تشبه، في التعبير المغربي، “اللي كيطفي العافية بالزيت”؛ إذ قد تؤدي محاولات التهدئة أحيانا إلى تعميق الخلاف بدل حله. السؤال الذي يفرض نفسه: هل ما يفعله ترامب هو تكتيك تفاوضي، أم إعادة رسم جذرية لدور أميركا في العالم؟
التاريخ يخبرنا أن القادة الذين يلعبون على الحافة إما أن يغيّروا قواعد اللعبة… أو يسقطوا منها. لكن مع ترامب، يصعب الجزم. فكل مرة يقال إنها “النهاية”، يعود المشهد ليبدأ من جديد. وهنا، يحضر المثل المغربي ليختم الحكاية: “اللي طاح من الجمل، طاح من العالي”…لكن ترامب، على ما يبدو، لا يسقط من الجمل أصلا؛ بل يعيد ترويضه في كل مرة.
📲 Partager sur WhatsApp