بقلم زكية لعروسي, باريس
في الجغرافيا، ليست الخرائط وحدها ما يرسم بخطوط حادة؛ هناك خرائط أخرى غير مرئية، تُرسم بألم بطيء، وبنقص يتسلّل إلى الجسد الاجتماعي كما يتسلّل الصدأ إلى معدن متروك. ما يحدث اليوم في نوفيل-أكيتين ليس مجرد جدل مهني حول تسخير الأطباء، بل هو ارتعاشة عميقة في جسد الدولة الفرنسية، علامة على خلل بنيوي في توزيع الحياة نفسها.
تبدو فرنسا، في المخيال العالمي، دولة مكتملة البنية الصحية، ذات نظام يُضرب به المثل. لكن خلف هذه الصورة المصقولة، تنكشف حقيقة أكثر قسوة: أراض شاسعة تعيش على هامش الرعاية، حيث يصبح الوصول إلى طبيب أشبه برحلة عبر الزمن، لا المسافة. مصطلح «الصحراء الطبية» لم يعد مجازا بلاغيا، بل توصيفا جيو-طبيّا دقيقا. في هذه المناطق، لا ينقص الأطباء فحسب، بل ينقص الإحساس بالأمان البيولوجي. الولادة -ذلك الحدث الذي يُفترض أن يكون إعلانا للحياة- تتحول إلى مغامرة محفوفة بالاحتمالات. هنا، يظهر اقتراح الوكالة الإقليمية للصحة في نوفيل-أكيتين كأداة طارئة: تسخير الأطباء لسدّ الفراغ. لكنه حلّ يُشبه محاولة إطفاء حريق هائل بدلاء ماء متناثرة.

الاعتراض الذي قادته الهيئات الطبية ليس رفضا للتضامن، بل رفض لتحويله إلى إكراه. فحين تُجبر الدولة الطبيب على التنقل، فإنها تلامس منطقة حساسة: حدود السلطة على الجسد المهني. في الفلسفة السياسية، يطرح سؤال قديم: هل يحق للدولة أن تسخّر الفرد من أجل الصالح العام؟ الإجابة هنا ليست تقنية، بل أخلاقية. لأن الطب، في جوهره، مهنة قائمة على الاختيار الحرّ، لا على الإلزام. لكن المفارقة أن الدولة نفسها تجد نفسها مسخَّرة أمام واقع أشدّ قسوة: واقع ديموغرافي، واقتصادي، وجغرافي يفرض عليها حلولا استثنائية. إنها لحظة يتصادم فيها مبدآن: حرية الطبيب، وحق المريض في الحياة.

إذا عبرنا المتوسط نحو المغرب، نجد أن «الصحراء الطبية» ليست استثناء بل جزءا من البنية. لكن المفارقة أن التعامل معها اتخذ مسارات مختلفة. في المغرب، لم يكن الحل في الغالب تسخير الأطباء بقدر ما كان خلق بدائل:
– قوافل طبية تجوب القرى
– وحدات متنقلة تصل إلى مناطق معزولة
– تحفيزات مالية للأطباء للعمل في المناطق النائية

ورغم محدودية الموارد مقارنة بفرنسا، فإن هذا النموذج يكشف شيئا مهما: المشكلة ليست فقط في عدد الأطباء، بل في هندسة توزيعهم. ما يجمع بين فرنسا والمغرب ليس الفارق الاقتصادي، بل التحدي الجغرافي. الصحة لم تعد مجرد خدمة، بل أصبحت جزءا من مفهوم السيادة. الدولة التي تعجز عن توفير طبيب عند الولادة، تعجز -بشكل ما- عن حماية حدودها الداخلية. في هذا السياق، تتحول المراكز الحضرية إلى «عواصم صحية»، بينما تتراجع الأطراف إلى حالة شبه استعمار داخلي، حيث يترك السكان لمصيرهم البيولوجي.

الأزمة في نوفيل-أكيتين ليست حادثة معزولة…إنّها عرض لمرض أعمق: خلل في توزيع الحياة. والحلول الترقيعية، مثل التسخير، قد تؤجل الانفجار لكنها لا تعالجه. ما تحتاجه الدول- سواء في أوروبا أو شمال إفريقيا- هو إعادة تخيّل الجغرافيا الصحية:
– ربط التكوين الطبي بحاجيات الأقاليم
– خلق حوافز طويلة الأمد للاستقرار في المناطق النائية
– استخدام التكنولوجيا (كالطب عن بُعد) لكسر العزلة
المسألة ليست تقنية بل وجودية: كيف نضمن أن لا يتحول مكان الولادة إلى عامل محدد لمصير الحياة؟ في هذا السؤال، تتقاطع باريس مع الرباط، وتلتقي نوفيل-أكيتين مع جبال الأطلس. لأن الجغرافيا، مهما اختلفت، تظلّ تكتب المصير بنفس الحبر: حبر القرب أو البعد عن الطبيب.
📲 Partager sur WhatsApp